salahi-anniversaire-2010

بيت الجاك ..

كثير من الناس لا يعرف الصلحي التشكيلي ولكنه يعرف الصلحي مقدم البرنامج التلفزيوني الناجح

هكذا باغت الأستاذ فتحي عثمان هدوء الفنان التشكيلي إبراهيم الصلحي في حوار أجراه معه دام لساعات طويلة وطبع بعنوان  بيت الجاك .

فتحي عثمان فنان تشكيلي ، ناقد وكاتب صحفي،تخرج في قسم التلوين ، كلية الفنون الجميلة والتطبيقية الخرطوم .

يجيب الصلحي بأن برنامج بيت الجاك كانت حيلة يود من خلالها طرح كمية من الأفكار، فيها تحدٍ للجمهور ، كنت أود طرق موضوعات بصراحة وشجاعة وأطورها، مناقشة مشاكل تمس الناس في صميم حياتهم ويكون فيه تَقبُل لرأي الآخر.

أتت تسميه ( بيت الجاك ) من الكلام القائل ” هذا هو البيت الذي بناه الجاك ” ، ما معناه العلاقات المتداخلة مع بعضها ، هذا يقود إلى هذا وهذا يقود إلى ذاك، السياسة متداخلة مع الدين، والدين مع المجتمع، كل الأشياء مترابطة مع بعضها البعض .

بوابة الجنة ..

إبراهيم الصلحي ، ولد في 5 ديسمبر 1930م في حي العباسية جنوب أم درمان . كان والده أستاذ الفقه الإسلامي والتوحيد في المعهد العلمي بأم درمان ، وكانت له ( خلوة )  في المنزل وكانت الخلوة مشهورة أنداك وتسمى بخلوة الشيخ الصلحي، وهي لتحفيظ القرآن وتدريس الفقه الإسلامي .

بدأ فن التشكيل في حياة إبراهيم الصلحي منذ نعومة أظافره ، فهو كان ينظر إلى ( اللوح ) بعمق مما فتح في مخيلته مدارك للون والخطوط والتشكيل  كما كان يعتقد بأنه بوابة الجنة .

وجد في عدد من خلاوي مناطق غرب السودان ألواحاً ومعها ( شرافة )،الاعتقاد لازم إبراهيم الصلحي من الصغر وهذا ما أدركه من فلسفة والدة في التربية ، كان إبراهيم يلازمه دائماً ويشد له الحمار كما ذكر في حديثه ليذهب إلى المعهد العلمي ويكون معه حين يعود ليجلس ويأكل معه ويحكي له ما يدور في ذهنه .

وهذه ما يتعلق بالفكر الصوفي، والتي جذبت الناس بالمحبة والتفهم وكان الصلحي يطبقها على بيته ونفسه قبل أن يطبقها مع عامة الناس ..

الثقافة البصرية ..

تعلق إبراهيم الصلحي بالحرفة وهذا ما يحكي عنه عندما سأله الأستاذ فتحي، ما هي مصادر الثقافة البصرية في ذلك الوقت بالنسبة لكم غير الكتب المدرسية، وماذا كان في المدينة من مظاهر فنية ؟

الصلحي :

الصناعات والحرف اليدوية، كان السودانيون في ذلك الوقت يمارسون الإنتاج المنزلي ، البنات كن يطرزن الطواقي ، وكنا نأخذها لنبيعها في السوق ، وقد كانت جميلة مُزوَّقة بألوانها الحمراء والبيضاء ، وكذلك كن يصنعن ( الطُباقة ) من سعف النخيل و ( البروش ) و ( الهبابات ) الملونة .

تجول إبراهيم الصلحي في مناطق السودان مما كون في مخيلته ثقافات من مظاهر الإنتاج الشعبي والتي أثرت على أعماله .

رسخت في ذهنه أربع مناطق في السودان لاحظ فيها إنتاجًا تشكيليًا حرفيًا متميزًا . أول منطقة هي ( كبوشية ) ، من مناطق الجعليين ، وكانوا ينتجون أعمالاً من السعف ، ( البُروش ) ، ( الطُباقة ) ، ( القُفاف ) ، ( الهبابات ) ، ثم ( الطواقي ) وجد فيها خلطات لونية في منتهى الروعة تغلب عليها الألوان البراقة ، من الأصفر والبنفسجي والأحمر والأبيض واللون ( السمني ) وكان هذا متكررًا في هذه المنطقة لأنها منطقة حضارة قديمة .

في شرق السودان كانت هناك أشياء، والغريبة غير معروفة ، الأشياء المرتبطة بطقوس الزواج عند الهدندوة ، خلاف أن الأشكال نفسها هي أشكال زخرفية ، تصفيف الشعر، لبس السيف، لبس ( البلوم ) في الأذرع عند النساء .

من ناحية ثالثة جنوب السودان بكل مناطقه، المصنوعات الخشبية في نواحي بحر الغزال .

في هذه المصنوعات وجد قيمًا فنية ، ووجود جانبين وتلاقى حضارتين .

حضارة عربية وافدة علي المنطقة حاولت أن تستغل الإمكانات المتاحة والمتوفرة في المكان وحضارة القبائل النيلية الموجودة أو القبائل الزنجية الموجودة في جنوب السودان ، أو القبائل النوبية الموجودة في شمال السودان . هذا اللقاح بين الاثنين بين الحضارة الإسلامية لجدودنا العرب وحضارة جدودنا الأصليين، الموجودين في المنطقة وتلاقح معهم العرب وصار هناك مزيج مهجن من عنصرين تآلفا. وكان هذا بالنسبة لي شيء مثير للغاية حين اكتشفته وحللته وأرجعته إلى عناصره الأولية.

الفن والحرفة ..

هما صفتان متلازمتان لا يمكن الفصل بينهما . بعض الناس يعتقد أن الأفكار الرفيعة هي الفن . بينما الفن هو هذا المزيج .

كيف تجسد هذه الأفكار بصنعة متقنة ؟ كبار الفنانين الذين ظهروا عبر التاريخ ، بمختلف مدارسهم، ومختلف بلدانهم، هم الناس الذين رأوا الأفكار التي قد يكون مصدرها هم أنفسهم أو مصدرها الجماعة، طرقوا هذه الأفكار المجردة وجسدوها، ألبسوها ثياباً مرئية بإتقان فني.لو أن العمل غير متقن وضعيف الصنعة لا يرقى إلى المستوى. الفن والحرفة صفتان متلازمتان ومثلما كان يقول الأستاذ محمود محمد طه ( فرسي رهان )، فهما متسابقان دوماً، لو سبقت الفكرة الصنعة تعرج، وإذا ما الصنعة سبقت الفكرة تعرج ! لابد أن يكون الاثنان فرسي رهان  لا أستطيع أن أفصل بين الاثنين إطلاقًا ”

“ابراهيم الصلحي”

المنفى ، الاغتراب ، الرسم والتلوين ..

فتحي :

في حوارك مع أولي بيبر تكلمت عن المنفى، أو اضطرارك للعيش خارج السودان، ما هي تأثيرات هذا المنفى عليك كإنسان و كفنان ؟

الصلحي :

في الحقيقة الإنسان ينشد الحرية ، ليس الحرية المطلقة، لأنها غير ممكنة، وغير استحالتها قد تكون مضرة، لأنه سيكون فيها تجنَّي علي حريات الآخرين  لكن الحرية في حدود أني أمارس ذاتيتي .

أنا لا يمكن أن أميز بين إنسان وأخر إنسان سجن أو عُذِّب أو أدخل بيوت كذا وكذا .. هذا كأنه حادث لي أنا بالذات وأنا كفنان أعبر عن مجتمعي، أن كان مجتمعاً صالحاً أو غير صالح، إن كان أذنب أو لم يذنب، إن كان حصل عليه طغيان وبغي أو لم يحصل.

الفترة القصيرة التي قضيتها في السجن بينت لي أن هناك أموراً كثيرة فيها مضيعة للوقت بحق وحقيقة، والسجن نفسه مضيعة للوقت، فيه مهانة، لكنك تتجاوز المهانة بعد يوم، يومين أو ثلاثة وتندمج مع بقية السجناء . لكن أن يتجنى عليك أخوك الإنسان ويضعك في السجن فهذي عبودية ، وأنا أناشد الحرية فكيف يلتقي الاثنان !

لوحات …

التجربة المأساوية التي مر بها إبراهيم الصلحي في سجن كوبر غيرت مسار حياته، كانت تجربة بشعة لإنسان يبغض العبودية ويناشد بالحرية، جعلته يلجأ إلى صرخة الألوان ويرسم جداريات صارخة ضد السجن والقمع والطغيان، لكن إبراهيم رفض أن تصل إلى الناس واحتفظ بها ، لكنها ما زالت شرخاً وندوباً في ذاكرته ..

قام الأستاذ فتحي بنشر بعض اللوحات في كتابه ” بيت الجاك “

وما شد انتباهي اللوحة التي أطلق عليها إبراهيم الصلحي أسم ” يوم لا ظل إلا ظله ” اللوحة رسمت بألوان غامقة تشبه تلك الليالي التي مكث بها في سجن كوبر ظلمًا، اللوحة رسم لإنسان تكاد تبدو ملامحه باهته وفوق رأسه طائر يأكل، وكأن الطائر هو حريته وحلمه بوطن العدالة أقرب فيه من الأنفاس.

عندما تنظر إلى اللوحة بعمق تستوقف عند آية من القرآن الكريم في سورة يوسف، (  وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (36) ) .

في إحدى لوحاته القديمة المعروضة الآن في أكبر متاحف بريطانيا إلى جانب لوحات بيكاسو والمعنونة بـ «الذي لا مفرّ منه» تنبّأ شيخ التّشكيليين السّودانيين إبراهيم الصلحي بما حدث ويحدث في العالم العربي. فاللوحة عبارة عن يد ضخمة ترمز للشّعب الذي يمسك الوطن بيديه لا بيد الحاكم، وهي لوحة تشير للمستقبل الذي يتفاءل الصلحي بكل تفاصيله.

ذلك لأن ممارسة الرّسم عند الصلحي لا تقتصر على البعد الفني الجمالي فحسب، بل تتعداه نحو السعي الفكري الفلسفي ليكون للفنان دور أساسي مؤثر في مجتمعه وقضاياه، وهذا ما جعل الفنان يغيّر أسلوبه عقب أول معرضٍ أقامه في السّودان بُعيد عودته من مدرسة الفنون في لندن، لأن المعرض لم يجذب الجمهور السوداني وعزا ذلك إلى أن الأعمال المعروضة لم تعبّر عن الموروث التّشكيلي للسّودانيين. وقد دفعه هذا للبحث عن مكونات الهوية السودانية في التجربة التشكيلية وذلك بغرض استخدامها لتأسيس أسلوب تشكيلي سوداني ومعاصر في آن. وقد نجح في ذلك عندما أسس «مدرسة الخرطوم» في بداية الستينيات وأظهر فيها الهوية السودانية عبر مكونين أساسيين: الحرف العربي من جهة، ومن الجهة الأخرى الزخرف الأفريقي الذي تراه حولك في كل مكان، ويتقاطع ذلك مع تيار الغابة والصّحراء (وهو في مجمله حركة لبعث العنصر الأفريقي في تكوين السوداني وجاءت بعد استقلال السودان مباشرةً). ورغم عدم إصدار بيان لمدرسة الخرطوم، إلا أنها كانت تسعى إلى تكوين أبجدية تصويرية تمثل لوناً وشكلاً جديداً في تكوين الصورة.

تعليقات الفيسبوك

‫شاهد أيضًا‬

قراءة في “قرابين نيكانق “

الوطن..الكلمة المقلوبة للأنين ..  أتريدون أن تصير الشعوب فاضلة ؟ ابدؤوا إذن بتلقينها حب ال…