ياسين

      لا تكاد أي فكرة أخرى تضاهي فكرة انهيار النظام الأخلاقي خطراً في أي مجتمع. وكمحاولة لمنع هذا الانهيار – بالتالي المكوث أطول فترة ممكنة في المنطقة الآمنة – فهذه المجتمعات تناهض أي فكرة، مشهد، مقولة أو فعل تثير احتمالية الاقتراب من نقطة الانهيار. هذه الحالة هي الوحيدة تقريباً التي يؤمنون فيها – مؤقتاً، وطالما الخطر قائم – بأن الغاية تبرر الوسيلة، لذلك لا داعي أيضاً للتظاهر بالاستقامة حتى لو كان ذلك عكس نوايا الفرد الحقيقية، طالما يضيف هذا لمكانته الاجتماعية ويدعم موقفه كـ (فرد صالح، فرد مناهض للشاذ والمخالف).. في ظل هذا الوضع لا سبيل أبداً للتحقق من هذه الاستقامة في مثل هذه المجتمعات، ويتعذَّر بذلك التحقق من نجاعة النظام الأخلاقي المتبع، المستعار من العالم الافلاطوني (الجنة عند البعض)؛ إلا بتعريضه للنقيض. هذا النقيض يتم التعبير عنه بصورة مُثلى في الخلق: الإبداع عموماً.. أي الإنتاج الإبداعي المكتوب والمسموع والمرئي والمحسوس. وبم أن الأدب هو أكثر هذه الوسائل قدرة على التشريح والعرض، بالإضافة لقيمته الكبيرة في التعريف بالكائن البشري من خلال الافتراض والتحليل، فإن الشخصيات اللا أخلاقية، والأحداث اللا أخلاقية، هي – عندي على الأقل، أنا الذي لا أكره أي شيء أبداً باستثناء كون المرء غير حقيقي – في غاية الأهمية.

    لنترك مؤقتاً نفاق المجتمعات والمثالية المدعاة التي تثبت عكسها في الغالب. هذه الشخصيات حقاً نادرة وتستحق الدراسة والتحقيق. خذ هؤلاء كمثال: بازاروف العدمي في الآباء والأبناء لتورجنيف، همبرت شخصية نابوكوف الرئيسة في لوليتا، جان باتيست غرينوي بطل زوسكيند في رواية العطر (ربما يراه البعض أخلاقياً، وهذا دليل على إزدواجية المعايير)، مصطفى سعيد، آنا كارنينا، الأخ الأكبر، ماكبث، وكل شخصيات فرويد التي أجرى عليها تحاليله (مثل كثيرين، فأنا أرى فرويد أديباً أكثر منه عالماً).. يمكنك تسمية من تشاء. متى كانت آخر مرة قابلت فيها شخصاً بمواصفات هؤلاء في الواقع؟ الأدب لا شك سيفقد الكثير من قيمته من غير هذه الشريحة تحديداً.

     إن كان للأدب وظيفة تتعلق بالأخلاق فلابد أن تكون اختبار وفحص أي نظام أخلاقي، وأحياناً هدمه بالكامل، قبل تقويمه. فكم هي القصص التي خلقها الخيال البشري وكان فيها القتل، السرقة، الاغتصاب، الخيانة… إلخ مبررة ومقبولة لدى المجتمع الأخلاقي؟ كم من الأسئلة طرحها الأدب تتعلق بنفع نظام أخلاقي معين في وقت معين؟.. وبالإضافة إلى هذا: تخيل قصة تحكي عن رجل ملتزم بكل ما ينادي به المجتمع من أخلاق، ونقي الدواخل وأي شيء.. هل يمكن وجود شخص كهذا؟ وإن أمكن ذلك، هل أعجبتك الصورة؟ هل ترى أن شخصية كهذه يمكن أن تكون جزءاً رئيساً في حدث أدبي مهم؟.. إن الأدب بطبيعته، حتى ولو سلمنا بمناصرته للأخلاق، لا يمكن أن يكون أدباً لولا المادة اللا أخلاقية، إنها وقود الصراع، ونصفه الأهم، أي أن اللا أخلاقية ليست رفاهية أدبية فقط، بل هي مكون أساسي، ينتفي به وصف “أدبي” من العمل الإنساني مع اختفائه.

     وهنا يمكن للمرء الاعتراض على هذه النقطة من جانبين: الأول أن هذه (اللا أخلاقيات) تتطلب في البداية نظاماً أخلاقياً تعارضه وتتحداه حتى تكتسب أهميتها، وهذا يعني أن النظام الأخلاقي هو الأهم! والجانب الثاني أن للأدب موضوعات أخرى مستحدثة غير الأخلاق مثل العبث.. وردي على هذا بسيط؛ أولاً: هذا النظام الأخلاقي لم يعُد حقيقياً بل مُدّعى (وأعني بذلك أن الدوافع للالتزام بهذا النظام هي خارجيَّة عن طبيعة الأخلاق نفسها، وتخدم أغراضاً مادية في الغالب)، وأبعد من ذلك أنه أصبح مشروطاً بعدم تعارضه مع الرغبات الفردية. وفي هذه الحالة يصبح النظام الأخلاقي هو العائل والغطاء لنظام أكثر أثراً وأعمق جزراً في النفس البشرية، وبديلاً أنجع، وبالتالي أهم من الأخلاق، ما هو هذا البديل؟ إنه اللا أخلاق. أما ما يتعلق بالعبث والأدب التأملي وموضوعات الأدب الأخرى فصحيح أنها أحياناً لا تستخدم الصراع الإنساني/الأخلاقي كمادة أساسية (مثل الأعمال الكلاسيكية)، ولكنها بلا شك كُتبِت بواسطة شخص إما أخلاقي أو لا أخلاقي (أو ليس مهتماً بموضوع الأخلاق وهذا يندرج مع غير الأخلاقي)، وكونه أحد الفريقين له تأثيره في نظرته للموضوع ومعالجته، وقبل ذلك في تكوينه الإبداعي، أي هذه الأنواع هي نتيجة – بدرجة كبيرة – لكون المرء أحد الفريقين. وفي النهاية لا يمكننا تجاوز هذه الفكرة.

      كشخص جرَّب الكتابة السردية عموماً؛ لم يحدث أبداً أن واجهتني مشكلة في خلق جانب مشرق، أو شخصية طيبة ومثالية، أو أفكاراً افلاطونية عن الناس والقيم الأخلاقية.. تكمن الصعوبة دائماً في خلق هذا العنصر المناقض والموازن للمعادلة، والذي يتتطلب قدرة إبداعية لا يمتلكها كل الناس، ذاك الشخص سيء السمعة الذي يشرب الخمر ويغتصب القُصَّر ويرفه عن نفسه بقتل الآخرين، هذا العنصر النادر شديد الأهمية، والأولي لدرجة البداهة.. لا يواجه كاتب مشكلة في التقاط الصورة المشرقة، لأنها موجودة سلفاً – أو يجعلك العالم تصدق هذا – بل التحدي يكمن في خلق هذا العنصر النادر المعادل للصورة، وبقدر إبداع الكاتب في هذا فإنه ينتج أدباً يروع الألباب ويستحثّ الأفواه على النطق بما جاء فيه. إن اتفقنا إلى هذه النقطة، فمن المبرر تثبيت أطروحة أن صفة “أدبي” ليس لها أي “شرعية” دون هذا العنصر اللا أخلاقي.

      وهكذا، إن كان لا بد من اللا أخلاق في الأدب ليكون أدباً، وإن كان الأدب أهم شكل تعبيري اخترعه الإنسان للتعبير عن حاجاته (التي بالطبع تشمل حاجاته المنحرفة “من وجهة نظر الأخلاق”)، وحيث لا يمكننا في هذا العصر تخيل الإنسان بدون تاريخه الأدبي؛ فمن الطبيعي إن كان لا بد من وصف أحدهم “باللا أخلاقي” فهم أولئك الذين يحاولون حرمان الأدب من وجوده وشرعيته. لكني لن أصفهم بالوصف الذي يحبون إطلاقه على الآخرين، لن أصفهم بذلك أبداً.

تعليقات الفيسبوك

‫شاهد أيضًا‬

موراكامي، وكيج، ولا أحد | المسمار الأخير فوق نعش التأويل

جون كيج وصَلاتُه الصامتة: https://youtu.be/JTEFKFiXSx4 يقرأ الجمهور الإعلان ويعرف تفاصيل ا…