boyhood-0

**

شيء واحد واضح تماماً؛ ستفشل علاقة الحب التي ستجمع نيكول و مايسون، و ربما سيحدث ذلك بعد وقت قصير، يمتلئ الجو في المشهد الختامي للفلم Boyhood بهذه الفكرة، إننا نعلم تماماً أن قيمة الابتسامة الشابة الرائعة في وجه نيكول تكمن في تلك اللحظة فقط و لا تحتاج للمستقبل، فكرة أخرى تظهر في الخلفية: أليس اختتام مشروع فني عظيم كهذا المشروع بمشهد مراهقين في وضعية رومانسية معتادة كهذه يعبر عن أقصى أنواع “الكليشيهات” ابتذالاً؟ تظهر أفلام هوليوود عادة لحظة الحب كلحظة ولادة حقيقية للشخصية، حتى أفضل الأفلام مثل Closer،

يبدأ الفلم بشخصيتين وسط زحام من الناس، تلتقي نظراتهما بشكل عشوائي تماماً، ثم يتحولان لبطلين في فلم، كأن تلك اللحظة أخرجتهما من كونهما مجرد تكرار و أعطتهما “وجهاً” مميزاً، و تتركنا روعة قصص الحب عادة أمام حالة غريبة: لن تستطيع أن تتخيل بطل قصة حب و هو خارجها، إن هذا التركيز على الرومانسية المباشرة يقضي على أهم عناصرها و هو الشخصية نفسها، فتظهر بلا أي ماضي. هنا سيقف Boyhood كعلامة بارزة، إذا كنا نريد فعلا أن نشاهد الروعة المنقطعة النظير للحب، كما في ثلاثية Befor: Sun rise, sun sit, mid night التي منحنا إياها لينكلاتر نفسه، فعلينا أن ننقل التقديس من العلاقة نفسها إلى الشخصيات، الأفراد، ما قد يجعل من الحب مجرد “كليشي” ممل، هو التركيز على أهمية بقاء الفردين معاً، بينما تكمن القوة السحرية للحب في السؤال: ما الذي يجعل للبشر قابلية الحب و هو “منح ما لا نملكه لمن لا يريده” كما عرفه أحدهم؟ و تحاول الأفلام العظيمة ك Boyhood أن تجاوب بصورة فنية عن مثل هذا السؤال…

يذكرني المشهد الختامي ل Boyhood بنهاية الفلم المرجعي Cinema Paradiso ، في كلا الحالتين نشاهد حصيلة الماضي، الطفولة، في تكوين الشخصية، بما يتجاوز الفكرة السطحية الشائعة عن ثنائية الطفولة السعيدة/التعيسة، في Cinema Paradiso نذهب خطوة للأمام، يقع البطل في علاقة حب و تفشل أمامنا قبل أن ينتهي الفلم، و يذهب المشهد الختامي ليتخطى المشكلة الأساسية في حياة البطل و هي ضياع حب حياته لذكريات قديمة توضح ما زرعته الحياة عميقا داخله، هنا يظهر الحب هامشياً للحظات قليلة، و نركز جميعاً على “الإنسان القادر على الحب” بدلاً عنه، موسيقى إنيو موراكوني تشكل ركنا مهما في نجاح هذه اللوحة، بين الفلمين هنالك اختلاف جوهري مع ذلك، في Boyhood يتم تشكيل الطفولة بطريقة واقعية، نحن نشاهد من الخارج تسلسل حياة مايسون، بينما في Cinema Paradiso و كما يرمز الإسم، فإننا نشاهد ذكريات البطل ربما، حتى الأحداث الحزينة تبدو جميلة أكثر منها حقيقية، هذا الفرق يجعل الفلم الإيطالي أسهل مشاهدة، و أكثر حميمية من Boyhood، لكن قوة فلم لينكلاتر الرئيسية تكمن في أنه يتيح مساحة حقيقية لتخيل مستقبل مايسون، ذلك النوع من التخيل الذي يحرر تفكير الإنسان لتخيل مستقبله هو.

أعتقد شخصياً أن أسوأ ما في أفلام هوليوود الرائجة، كأفلام الأكشن، أو الأفلام الرومانسية البسيطة، هو كونها تريح الإنسان من عناء الاجتهاد للاستمتاع بالفلم، لا يحتاج الإنسان لأن يقحم نفسه في تسلسل الأحداث ليستمتع بلقطات إطلاق النار العشوائي التي تخاطب حواسه السطحية جدا، و بالفعل، ليست وظيفة السينما أن تناقش المسائل الاجتماعية بصورة واقعية مملة، بل أن تخرج للعيان الواقع الحقيقي الذي لا يمكن أن يظهر إلا كشيء رمزي، خيالي، هنا تجدر الإشارة لفلم Leon: the professional و هو فلم أكشن، لكنه يتمتع بميزة السينما الجيدة الأساسية: لن تستطيع أن تنساه بعد أن تشاهده، هذه الميزة تعبر عن حقيقة أن الفلم إستطاع أن يجعلك تشترك في صناعة الحالة الفنية. هذه الرغبة في أخذ السينما، و هي أمر تافه عموماً، بجدية، هي الرغبة في أخذ الحياة بجدية، قد تصاب بالملل في منتصف Boyhood لكنك لن تستطيع أن تطلق الحكم بأنه مجرد عمل سخيف، و ستواصل مشاهدته للنهاية، و بعد ذلك لن تنساه إطلاقاً، و ستشعر بوضوح بأنك لو لم تشترك في صناعة الحالة الفنية ل Boyhood في ذهنك، لكانت هذه الحالة مستحيلة، هنا أتذكر نهاية جميع أجزاء ثلاثية Before التي أنجزها لينكليتر، مع نهاية كل جزء منها سيكون توقع ما سيحدث مستقبلاً مهمة الشخص المشاهد و ستختلف جذرياً من شخص لآخر، حتى الحوارات، تستطيع أن تضع نفسك محل الشخصيات بسهولة، أنت لا تنتظر ما سيحدث لتنبهر به، بل تستمتع بما حدث فعلاً و تغيره، تذكرني هذه النوعية من الأعمال رواية “لعبة الكريات الزجاجية”، في بدايتها يعطي هيرمان هيسة ملخصاً لكل ما سيحدث، يقتل التشويق تماماً، و بذلك ينجز المهمة الصعبة في عدم الإختباء وراء الجماليات السطحية. ينتشر مصطلح “تمكن هذا العمل من النجاح في إختيار الزمن”، ربما تكون لا قابلية الأعمال العظيمة للنسيان فعلا ميزتها الأساسية

تعليقات الفيسبوك

اترك تعليقاً

‫شاهد أيضًا‬

المسؤولية.. الذات والثورة

هل هنالك وقت أفضل منذ هذه الأيام لنستدعي آلان باديو إلى واقعنا؟ نحن بحاجة اليوم لأسلحة الث…