الكاتب: أليكس يونج

ترجمة: إنجي علي

للنهايات أحوال ومرام. ونهايات أفلام المخرج الكوري ‘بونج چون هو’ نهايات مرتدة. في نهاية ʼذكريات جريمةʽ يعود المحقق إلى مصرف المياه حيث عثرعلى أولى ضحايا قاتل متسلسل أخفقت الشرطة في تحديد هويته والإمساك به. وفي ʼ الأمʽ نشاهد البطلة في بداية الفيلم ونهايته وهي ترقص بوجه شارد وذراعين يتمايلان كسنبلة قمح، وكأنها تتطهر بالرقص من دنس أوجاعها. و’ميچا’ الطفلة في ʼأوكچاʽ التي تقامر بحياتها في مغامرة بريئة وخطيرة لإنقاذ خنزيرها الأليف من المسلخ، تنهي مغامرتها بالعودة إلى بيتها في الريف. فيبدو من تشابه النهايات مع البدايات أن عوالم شخوصه ثابتة لا تتغير، بيد أنهم لا يعرفون للراحة سبيلا، ولا يقر لهم من الخوف بال. ورغم أهوال عايشوها، يدور الكون في فلكه الرتيب لا تستوقفه الخطوب والرزايا. وكما يظهر في العديد من أفلامه، يكرس ‘بونج چون هو’ جُلَّ اهتمامه للبنى الفوقية التي تشد قوام المجتمع، ولا تفتأ مطرقتها الحديدية تطحن عظام أبطاله لزمن يعقب الخاتمة.

وفيلمه الأخير “الطفيلي” الحائز على جائزة (كان) للسينما، لا يختلف كثيرًا عن سابقيه. وإذا كان ‘بونج هو’ قد أطلق على فيلمه “مخترق الثلج” الذي يحكى عن ثورة طبقية تندلع على خلفية ديستوبية بأنه فيلم “الرواق”، فقد أطلق على ” الطفيلي” فيلم “الدرج”. ذلك لأن الطفيلي فيلم صاعد-هابط يستجلي أثناء صعوده وهبوطه كل درجة ممكنة على سلم الطموح الطبقي. يستهل الفيلم أحداثه في شقة تقع بقبو ذو نوافذ بالكاد ترى الشارع وتسكنها أسرة ‘كيم’. وسكنى الأقبية ظاهرة ليست قاصرة على مناطق بعينها، بل تتواجد بأكثرالمدن تحضرًا في كوريا كالعاصمة سِيئُول. وإذا كان المنزل قبوًا، فإن أسرة ‘كيم’ تبصق مرارة واقعها في صلف وترفعه بالقوة فوق الأرض. أما المنزل فعبارة عن كتلة خرسانية من عذاب وبيل، يلبي أدنى متطلبات الحياة الآدمية، ويتواءم مع التكوين النفسي لساكنيه: أوغاد لا يعدمون الأمل.

يُفتتح الفيلم بالإبن وهو يجوب أركان الشقة بحثًا عن شبكة إنترنت غير مشفرة ينقض عليها بعد أن غيرت جارتهم كلمة المرور الخاصة بشبكتها. يقعد أبواه وأخته يطوون علبًا للبيتزا لدرّ بعض المال. وأثناء عملهم الذي لا يفلحون فيه، ترى الأم دخانًا منبعثاً من النافذة لحملة رش عامة للمبيدات. فتأمر الأخت أخاها بأن يغلق النافذة، ويزجره الأب بحجة تطهير الشقة مجانًا، تاركًا الدخان يلتهم هواء الغرفة وحشراتها. يمتص الأب الدخان بمنخريه ويفتح له رئته في تلذذ عجيب، بينما يغرق ولداه في نوبة سعال عاتية. تنحت أسرته في الصخر بأسنانها لتبقى حية، ويلتقط الجميع أنفاسه لما يقع الفتى في ضربة حظ مؤاتية على وظيفة معلم لغة إنجليزية لفتاة من أسرة ثرية. فإذ بهم يلجأون إلى أخسّ المكائد وأحقرها ليتمكنوا في النهاية من التغلغل إلى ڤيلا ‘بارك’ الواحد تلو الآخر في أسلوب ساخر يثير الضحك، لاسيما عندما يتنكرون لبعضهم ويتصرفون كالأغراب. تتوزع الأدوار، وتتحدد الوظائف: ‘ كي چونغ’ -الإبنة – تعالج الطفل الصغير بالفن، تدبر ‘تشونج سوك’ -الأم- شئون المنزل، ويشغل ‘كي تايك’ -الأب- وظيفة السائق. وفي عصرٍ تزداد فيه الهوة بين الفقراء والأغنياء اتساعًا، لا غرو أن يحيك آل ‘كيم’ المؤامرات ضد قرنائهم بغرض اقصائهم عن وظائفهم والاستحواذ عليها. فأي معدم ذلك الذي تأتيه الفرصة لحلب ضرع ذي ثروة ولا يحكم قبضته عليها مهما كلفه الأمر؟!

وعند نقطة ما، تتجاوز منتصف الفيلم بقليل، ينحسر القاع ويتحول الطفيل عندئذ إلى شيء آخر. وانحسار القاع أمر شائع في أفلام ‘بونج هو’. قصة بيتين أحدهما في أسفل سافلين والآخر في أعلى عليين، يزيلا النقاب عن بيت ثالث كامن في قاع القاع. ‘مون كوانغ’ مدبرة المنزل السابقة تعود وتعترف لآل ‘كيم’ بأن زوجها ‘غيون سيه’ يعيش بقبو أسفل الڤيلا منذ أربعة أعوام. تصعقهم المفاجأة، فينزلون إليه وتثير حاله المزرية شعورهم بالاشمئزاز. تتوسم ‘مون كوانغ’ في آل ‘كيم’ خيرًا، وتتضرع إليهم بأن يسمحوا لزوجها بالبقاء. تنادي ‘تشونج سوك’ بالشقيقة الكبرى وتذكرها بأنهما أخوة في البؤس والشقاء. فتستاء الأخيرة من إيحاءات الندِّية المبطنة في الألقاب. وتدرأ عن عائلتها وعن كرامتها التي طعنت في الصميم فرية المساواة بوضاعة تقتات على مخلفات الثراء.

تتصارع العائلتان على مركزهما في القاع بدلًا عن التوصل إلى اتفاق تحصل بموجبه كل عائلة على حصتها من الفتات. وينتهي الصراع بمقتل مدبرة المنزل القديمة وحصار الزوج مع جثة زوجته بالقبو. ينتصر آل ‘كيم’ انتصًارا مؤقتًا يتهدد عندما يطلب منهم آل ‘بارك’ بأن يضحوا بإجازتهم الأسبوعية من أجل الإعداد لحفل ميلاد ابنهم الصغير. وفي مشهد الحفل، يُحَمَّل ‘بونج هو’ عائلة ‘كيم’ مسئولية ترف عائلة ‘بارك’ وعبء رفاهتهم، ويضعهما ببراعة واقتدار فوق كواهلهم. تنحرف الأحداث آخذة منحى دراماتيكي عندما يهرب الزوج حبيس القبو من محبسه أثناء الاحتفال. فيطعن ‘كي چونغ’ بالسكين في نوبة جنون هيستيرية ينفض على إثرها الحفل محدثًا فوضى عارمة. يفقد الطفل وعيه، ويأمر أبويه ‘كي تايك’ أن يقلهم إلى المشفى، بينما ابنته ممددة على الأرض تنزف حتى الموت. في تلك اللحظة الفارقة، يدرك آل ‘كيم’ ما كان ينبغي عليهم إدراكه منذ البداية؛ إذ كان عليهم أن يدركوا بأنهم لا يملكون من أنفسهم شروى نقير، وأنهم عبيد يخضعون لأهواء أسيادهم.  يتأجج غضب ‘كي تايك’ نتيجة لما تفتق عنه إدراكه المتأخر. فيقتل بطريرك الأسرة الثرية، ثم يفر هاربًا.

مرت على ‘بونج چون هو’ خلال عمله على نص “الطفيلي” لحظتي استبصار. كانت الأولى فكرة وجود عائلة ثالثة مختبئة بقبو سري لا يعلم به مخلوق داخل ڤيلا ‘بارك’. أما الثانية فجاءته وهو ينتظر عبور الطريق في مدينة ‘ڤانكوڤر’ ليختم بها فيلمه عقب ذروة دموية عصفت بالوجدان عصفا. مادام كل شخص سيلزم موقعه من طبقته، فأي تغيير سيطرأ على التفاصيل هو تغيير شكلي لا تأثير له! وعليه، يختبىء ‘كي تايك’ في آخر مكان قد يخطر على بال رجال الشرطة أن يبحثوا فيه عنه: قبو الڤيلا. وبذلك يحل رب الأسرة القاتل محل ‘غيون سيه’، وتحل أسرة ألمانية محل أسرة ‘بارك’ بعد انتقالهم من الڤيلا. لا رحمة في العاقبة إذا ما اختل التوازن واختلطت المنازل. ليبقى الثري فوق القمة والفقير في القاع.

ينتهي الفيلم بالابن وهو يروي أحداث ما بعد المصيبة. يستفيق ‘ كي وو ‘ ليجد نفسه في المشفى مصابًا في رأسه وأمامه شرطي يقرأ عليه حقوقه الدستورية. هو وأمه متهمان ويخضعان للمراقبة، تموت أخته، ويختفي أبوه دون أثر. مساقًا بالحدس، يصعد ‘ كي وو’ تلة مطلة على ڤيلا ‘ بارك ‘ فيرى ومضات ضوئية يميزها بإشارات موريس. إنه أبوه وينقر له رسالة عبر ألة بسيطة كان ‘ غيون سيه ‘ قد صممها وهو نزيلا بالقبو. يكتب الابن ردًا على رسالة والده. وبينما نستمع لصدى صوته يتردد في الخلفية، يكتسي وهمه ثوب الحياة ويتجسد. ‘ كي وو ‘ لديه خطة: سيرتاد الجامعة ويحصل على عمل يجني منه مالًا وفيرًا. سيراكم الثروة التي ستمكنه يومًا ما من شراء ڤيلا ‘ بارك ‘. وكل ما يتعين على والده فعله هو صعود الدرج والخروج إلى النور.

بالخيال الصِّرْف تتشبع اللقطة ما قبل الأخيرة. فبعد لأي، يلتم شمل العائلة ويعانق الأب ابنه فوق المرج الأخضر تحت ضوء الشمس. كان من الممكن أن يقطع ‘بونج هو’ فيلمه عند تلك اللقطة بأجوائها المفعمة بوساوس الأحلام المرتجلة. لكنه فضل ألا يفعل. بل يأخذنا مجددًا إلى شقة القبو من حيث انطلقت أولى المشاهد. تتسلل عدسته من فتحة صغيرة في النافذة، وتتجه صوب ‘كي وو’ الجالس على الأرض يكتب رسالته لأبيه. لا شيء يعيب الواقع حقًا. إن رغبة الفتى المحمومة لمواصلة سعيه هي رغبة سيزيفية خالصة، وهي ذاتها الصخرة التي ستمحقه مع مرور الوقت. إن الأمل عاطفة طفيلية، يستحثنا على المسير، لكنه يستهلكنا حتى النخاع.

التقيت ‘بونج چون هو’ في لوس أنچلوس، وتناقشنا حول الخيارات التي كانت مطروحة أمامه أثناء اشتغاله على الفيلم تأليفًا وإخراجًا. وتطرقنا بطبيعة الحال لنهايته التي شبهها “بالقتلة المحكمة”. تخيل معي جندي مخضرم في فيلم من أفلام الحركة يغتال غريمه ثم يمشي نحو جثته ويطلق عليه رصاصة ناجزة في الرأس ليتيقن من موته. هذا بالضبط ما أراده ‘بونج هو’ من النهاية أن تفعله. يقول: “ربما لو كان الفيلم انتهى بمشهد الأب وابنه وهما يتعانقان لفكر الجمهور وقال ‘كلا، مستحيل أن يتمكن الفتى من شراء هذا المنزل الفخم.’ لهذا السبب توجب عليّ أن أرجع بهم إلى شقة القبو. أجل، إنها خاتمة قاسية وحزينة، لكنني أردت أن أكون صادقًا وأمينًا مع جمهوري. أنت تعرف كما أعرف ونعرف جميعًا أن هذا الفتى لن يشتري المنزل. لقد شعرت أن الحقيقة، مهما بلغت قتامتها، تخدم مسار الأحداث أكثر مما تخدمه شطحات الخيال.”

لا شك أن نهايات أفلام ‘بونج چون هو’ تعكس نظرته السوداء للعالم. فالكوارث والأزمات التي تحيق بنا وبالعالم كأزمة المناخ، وكانتهاكات حقوق الإنسان، والهوة السحيقة بين الطبقات الإجتماعية، تصيبه بالخوف والقلق. وخوفه يجعله يتوسل عبر صناعته أن نشعر بما يشعر تمامًا. وفي حوادث الحياة معينًا لا ينضب يستقي منه ‘بونج چون هو’ مادته. فجريمة الأختين بابين التي وقعت في عام ١٩٣٣ بمقاطعة ماين الفرنسية، والجرائم التي تُرتكب في حق الأطفال باسترقاقهم في أعمال تغتصب طفولتهم كانا، على سبيل المثال، مصدري إلهام له في فيلميه “الطفيلي” و “مخترق الثلج”. وأختم بقوله:

“هناك أشخاص يناضلون من أجل تغيير مجتمعاتهم. وأنا أدعمهم وأقف إلى جانبهم من كل قلبي. لكن أن تجعل الجمهور يرى شيئًا على حقيقته ويشعر به، خاليًا من بريق التصنع الزائف، وهذيان الأوهام هو من عظائم الإبداع السينمائي. أنا لا أقدم أفلامًا وثائقية أو دعائية، كما أنني لا أرشدك إلى كيفية تغيير العالم، ولا أخبرك ما الذي ينبغي عليك أن تفعله حيال أمر خاطىء. أنا فقط أسفر عن وجه الحقيقة الفاحش، وأسفر عن دمارٍ في تبسمه يستتر. وهنا، حسب اعتقادي، يكمن جمال السينما.”

 

رابط الموضوع الأصلي هنا.

تعليقات الفيسبوك

‫شاهد أيضًا‬

شفرة ڤان جوخ

  لقراءة الموضوع الأصلي (هنا) ظل الاعتقاد بانتحار «ڤان جوخ» راسخًا لعقود باعتباره الف…