165810554

تغريد علي :

للتواصل مع صفحة الكاتبة على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

**

وحدها تمشي ..في زقاق مليئ بالمشردين و المخمورين ، تجار المخدرات و العملة و القتلة المأجورين ، صوت الموسيقى الصاخب يطغى على صوت دقات قلبها المضطربة، رائحة عطرها الرخيص ليس في مقدورها تخفيف نتن روائح المجاري و حاويات القمامة التي تنضح بالعفونة .

فوق الجدران المتهالكة ، تمشي قطة تبدو كأنها زعيمة شلة من القطط اللصوص .. الذين يسطون على سلال القمامة بالمطاعم الرديئة ، كما أنهم لا يتوانون عن خطف سمكة من طبق الرجل العجوز ذو القدم الخشبية .كل ما حولها كان سيئاً كفاية ، بحد يبرر رغبتها في التقيؤ .

عدا بعض السيارات الفارهة التي تعبر الطريق من وقت لآخر . و التي لابد أنها تخص لصوصاً أنيقين أتوا خصيصاً لعقد صفقات توازي المكان في قذارتها !، لم تكن تشعر بالإرتياح حيال تواجدها هنا ، تمشي شبه عارية من الثياب ، متدثرة بجلباب حزنها الساتر ، تتحرش بها نظرات المارة ، و أيدي المخمورين ، فتنتفض مذعورة كلما لمست كتفها يد خشنة .

رجال بثياب رثه و لحى شعثاء ، يعرضون عليها بوقاحة بعض المتعة المجانية ، فيذهلها تعففها .. أو ليست لأجل هذا موجودة على الرصيف ؟، ربما الفارق أنها تريد ثمناً باهظاً لذلك ، إذن هي ليست متاحة للمفلسين .

أخرجت مرآةً صغيرة مكسورة من محفظتها الخالية من النقود ، تأملت وجهها الجميل ، و شعرها المتموج و مسترسل على كتفيها بارتياح، تفقدت حمرة شفاهها ، يا إلهي هذا الجمال لعنة .. لعنة ، قطرة دمع سقطت من عينها عكرت صفاء بركة الماء الصغيرة التي احتجزتها حفر الطريق من ماء المطر .

يا ربي رحماك .. هكذا همست في سرها ، ثم استدارت لتعود لمنزلها ، والدها الضرير سيكون غارقاً في النوم ، أو الغيبوبة مذ طاله المرض، خطت الخطوة الأولى بينما توقفت بجانبها سيارة سوداء فخمة ، وانفتح الباب لتسمع أحدهم يناديها .. تعالي يا حلوة ،

هل أذهب معه ؟ أم أعود للمنزل ؟، هكذا تصارعت الأصوات بداخلها ، فقرها ، عوزها ، شرفها ، أهلها ، حزنها ، يأسها ، مرت دقائق لم تدر بعدها كيف انتهى بها الحال على المقعد الجلدي بداخل تلك السيارة ، جوار رجل لا يظهر منه سوى شق وجهه الأيسر .لم يتبادلا الحديث أبدآ أثناء الطريق ، و تكاد تجزم أنه لم يلق حتى بنظرة عابرة لا على وجهها ولا مفاتنها ، فانصرفت بنظرها عنه صوب النافذة ، كانت الطرقات صارت أكثر تمهيداً ، و بدأت تطل المساكن و القصور الجميلة ، فشردت في تلك الحياة ، الأسوار الشاهقة و الشرفات المتلألئة و الطرقات المغمورة بالضوء ، حتى أن رائحة الأشجار و الورود راحت تنبعث من خلال مكيف السيارة ، شهقت شهقة مكتومة عندما عبرت السيارة ، بوابة ضخمة لتتوقف أمام مبنى ذو هندسة غريبة ، شديد البياض ، تلتمع زجاجات نوافذه ببريق أخاذ إذ تبين ثريات الكريستال الضخمة من خلفها ، محدثة في نفسها رعشة تهيب و دهشة و خوف .

تفضلي ..هكذا خاطبها بعد أن فتح لها باب السيارة ، و دعاها لتدخل لجناح واسع شديد الأناقة ، فتح لها باب إحدى الغرف ، و طلب منها أن تحظى بحمام دافئ و ترتدي الثياب الموضوعة على الفراش ، ريثما يوافيها .برفق بالغ أغلق الباب خلفه و انصرف ..

ما جعلها تفكر ، هل طالبوا المتع العابرة رقيقون لهذا الحد ؟ لو كانت زوجته ، هل كانت ستحظى بهكذا لطف !، رفعت بصرها تتأمل السقف البعيد ، رجل سقف غرفته بهذا العلو لابد و أن أحلامه شاهقة أيضاً، مررت يدها على الوسائد و الأغطية الناعمة .. الستائر الرقيقة .النقوش على الجدران ، و كل شيء حولها يجعلها كأنها جزء من عالم لم يطرأ يومآ بخيالها ، عادت من دهشتها لتزدرد غصة توقفت بمنتصف حلقها ، بقدر الأشياء الثمينة التي تحيط بها ، فهي لا تعادل أبدآ غلو ما توشك أن تستغنى عنه .

نهضت بسرعة و هرولت صوب الباب ، وضعت يدها على أوكرة الباب ، فانفتح في ذات اللحظة من الخارج لتجد أنها وجهاً لوجه مع الرجل الذي أوشكت على الهروب منه ، سألها بنبرة خفيضة : أرى أنك لم تستبدلي ثيابك !

أجابت بحدة : أود الذهاب، نظر إليها بود مصطنع بينما تتحرك عضلة فكه بتوتر ..ألست النوع الذي تفضلينه أم ماذا ؟

كادت تصفعه ، إلا أنه سيبدو تصرف غريب لفتاة ليل يتساوى لديها الرجال ..ما دامت ستقبض الثمن !، تأملت وجهه لتوها ، لم يكن وسيمآ ..إنما بملامح معتدلة و جسد متناسق ، أكثر ما يميزه الرائحة النظيفة و النظافة المفرطة، جاوبت بلهجة أقل حدة : لا آبه لأنواع الرجال ، ما أوده حقاً هو الرحيل .

 لم أتيت إذن ؟

كانت في غنى عن أن تشرح له ضعفها لحظة قرارها ، حوجتها ، … إلخ من الأعذار التي لن تخفف من فظاعة تصرفها ، أنا متعبة فقط و أود الذهاب .إعترض طريقها قائلآ : سأجعلك ترتاحين .. ثقي بي، من أين لها أن تثق في رجل التقطها من قارعة الطريق !!، لكنها بطريقة ما صدقته ، رغم أنها غير متأكدة من مغزى كلامه، كانت متعبة بصدق ، و كانت بحاجة لأن ترتاح مما يعتمل بصدرها .

بنبرة رحيمة كرر مطلبه ، خذي دوشاً دافئاً و ارتدي ما تجدينه على فراشك .ربت على كتفها و قال : بكم ليلتك ؟.

بكم ؟؟

لم تضع في ذهنها ثمن لذلك ، يا إلهي !! أي سعر سيساوي ذلك ؟ فكرت في رقم ضخم يغير حياتها ..ماذا لو طلبت 5,00,000 دولار ، هل سيمنحها إياها ؟ قالتها بحزم و هي تحدث نفسها ، لو رفض سيكون سبباً مقنعاً ليخلي سبيلها .فاجأتها إجابته “حسنآ” .. أمامك نصف ساعة و سأعود .ويحي لابد من أنه سينال مني ثم يقتلني !! وجدت وعاء نحاسي ثقيل وضعته أسفل فراشها ، و قالت سيفي بالغرض ..أخذت حمام منعش و خرجت لتلتقط الثياب من الفراش …صدمها أنها كانت عباءة فضفاضة بيضاء مخصصة للصلاة ..بجانبها مصحف مذهب .. إرتدتها على عجل .دقائق و فتح الباب بعد ثلاث نقرات .

دخل عليها مبتسماً ، ثم قال :وعدتك بالراحة ، و أنا رجل يفي بوعوده .وضع في المنضدة التي تتوسط الغرفة ظرفاً  يحتوي على المبلغ الذي إتفقا عليه ، قال بصوت مهذب .. لي طلب وحيد …أرجو أن تقرئي جزء إن إستطعت ، و عندها سيمكنك الذهاب ..ستجدين السائق بانتظارك ليعيدك لمنزلك .

ألجمتها الدهشة ، و لم تدر ما تقول ، إستطرد يقول : أعرف أنك لست محترفة حقيقية ، لست ذاك النوع أبداً،

حاولت أن تقول شيئاً لكن الدموع لم تمهلها ، قالت : و ما الذي سيستفيده رجل مثلك من هكذا تصرف ؟.أرجوك إسمح لي بالذهاب ، ولن أتقاضى ثمن شيء لم أقدمه .

إتسعت إبتسامته و قال :الرجل الذي يحب يعطي بلا حساب ولا يقبل أن يأخذ ما ليس له .كوني لي و سآخذ .. تزوجيني

بين طيات الحكاية : زوجها كان جار قديم لهم ، رآها كثيراً منكفئة على ماكينة الخياطة .يبعث لها بقمصانه مع أخيه الأصغر لتصلحها و أبدآ لم تره .رحل عن الحي عندما توفي جده تاركاً  له تركة ضخمة ، خرجت هي للرصيف بعد أن أغلق المحل و عجزت عن علاج والدها ..مروره لم يكن مصادفة ، من بين كل السيارات الفارهة التي تعبر الطريق .كان يجيء كل يوم ليراها .

تعليقات الفيسبوك

اترك تعليقاً

‫شاهد أيضًا‬

سعيدة

مع بواكير الصباح ، عندما ترسل الشمس أشعتها لتكنس الليل عن الطرقات .. و تقبل تلك الوجوه الم…