58179_infante_agmat_big-e1422462701830

مرت ثمانون سنة على إعدام بلاس إنفانتي، أبو القومية الأندلسية. تم ذلك خارج مدينة اشبيلية في الساعات الأولى من صباح الحادي عشر من غشت (أغسطس) سنة 1936. صرخ مرتين “تحيا الأندلس حرة” قبل أن يتم تصفيته.

في ديباجة دستور الحكم الذاتي للأندلس تم الاعتراف بأن بلاس إنفانتي هو أب الهوية الأندلسية، و تم تأكيد ذلك في التعديل الدستوري لسنة 2007.

كان بلاس إنفانتي بيريز دي فارغاس، بلا شك، الرسول الأعظم للهوية الأندلسية. فكره، و الذي يمكن أن نقرأه في كتابه “مفهوم الأندلسية” (1915)، و التي تعود أصولها للأيديولوجية الجمهورية و الفيدرالية الخاصة بالقرن التاسع عشر، دون نسيان تكوينه الكروزمي و البعثي.(1)

ولد بلاس إنفانتي في بلدة كساريس، إقليم مالقة، في عام 1885، لأسرة متوسطة الحال من الطبقة المتوسطة و التي سمحت له بتلقي التعليم، بدأ مرحلة البكالوريا في مدارس تقي أرشيدونا، لكن عائلته عانت من الأزمة الاقتصادية التي ألمت بإسبانية نهاية القرن 19 ليستكمل تحصيله العلمي بشكل حر. زاوج ما بين عمله كموظف في محكمة كساريس بغرناطة و متابعة دراسته بجامعة عاصمة الإقليم. تخرج من كلية القانون بغرناطة ثم غادر إلى إقليم إشبيلية ليمارس مهنة كاتب عدل هناك، و لاحقًا في أماكن أخرى بالأندلس. في إشبيلية شهد مأساة يوم العمال الأندلسيين، لكن، فوق كل ذلك، اهتمامه بالأندلس ولد عندما حضر لمؤتمر في المركز الثقافي للعاصمة الأندلسية عام 1914.

عام 1916 أنشأ أول مركز أندلسي بإشبيلية بنية أن يكون وسيلة للتعبير عن الثقافة و الحقيقة الاجتماعية للأندلس، منذ ذلك الحين، لم يكن زعيم القضية الأندلسية متحمسًا لإنشاء حزب سياسي، لكن لهذه المراكز كناشر للفكرة الأندلسية، بهدف إنشاء رجال جدد، الأندلسيون، و الذين سيغيرون حال البلاد الأندلسية. كما أنشأ مجلتين للتعبير عن أفكاره، مجلة الأندلس و مجلة الواد الكبير. لم يكن لبلاس إنفانتي رأي إيجابي بخصوص الأحزاب السياسية و السياسيين، رغم ذلك، كما سنرى، سيرشح نفسه كنائب عن منطقته أكثر من مرة. كان من أشد المؤيدين للإصلاح الزراعي الذي سيمنح الأرض للفلاحين الأندلسيين، مع إصلاح اجتماعي للملاك من الطبقة الوسطى. كان دائمًا مثالي بلكنة نخبوية ثقافية ملحوظة، بعيد عن الشعبوية، بمواقف اعتزالية إلى حد ما.

في يناير من عام 1918 تم الاحتفال بتجمع روندا، و الذي يتم إنشاؤه من طرف المركز الأندلسي. في نفس المناسبة تم اعتماد العلم و الدرع كرمز للأندلس المقدم من طرف بلاس إنفانتي. لاحقًا، في زمن الجمهورية سيدافع إنفانتي عن اعتماد نشيد وطني للإقليم مقتبس من نشيد ديني يردده الحصادون. تجمع روندا كان مهما بسبب مشروع الدستور الاتحادي للأندلس لعام 1883، المعروف بدستور أنتيكويراو الذي تم اعتماده. هذا النص تم إعداده في زمنه تحت قيادة الحزب الديمقراطي الجمهوري الفيدرالي، و الذي اتسم بشخصية اشتراكية، و الذي كان مشروعًا دستوريًا متقدمًا جدًا بالنسبة لذلك الزمن، دون نسيان دوره المهم في تاريخ الفيدرالية الإسبانية.

تجمع روندا ناقش الحكم الذاتي الأندلسي، المركزية، القبلية السياسية و الحالة الاجتماعية المتردية للأندلسيين. في العام الموالي عقد نفس التجمع في مدينة قرطبة.

لم يعرف بلاس انفانتي أي نجاح انتخابي، لا في عام 1918 و لا عام 1919، لأنه في قطاع الأندلس كانت حظوة القبلية السياسية لازلت قوية جدًا، على خلاف بقية أنحاء إسبانيا حيث عرفت انهيارًا واضحًا.

في بداية يناير من عام 1919 تم عقد تفاهم مع مراكز أندلسية أخرى، حيث قام كل من المركز الأندلسي و التظاهرة الأندلسية بقرطبة بعقد اجتماعات لمناقشة الحالة الأندلسية و نقد الدولة الاسبانية و فيدراليتها.

تم إغلاق كل هذه المراكز في عهد ديكتاتورية بريمو دي ريفيرا. في هذه الأثناء قام زعيم القضية الأندلسية برحلة نحو المغرب، حيث زار كل المآثر الأندلسية هناك، من قبر حاكم إشبيلية المعتمد ابن عباد بأغمات إلى ضريح البوعبدال بفاس، و غيرها من أماكن، و في شتنبر 1924 اعتنق الإسلام، لكن يبقى الأمر مثار جدل، لأن عائلته تنكر ذلك.

من أحد أكبر تصريحاته قوة بعد زيارته للعدوة المغربية هو ما قاله في أحد كتاباته، و التي دعت لتوحيد العدوتين، حيث قال: “تم تفريق الشعب الأندلسي لفرقتين بسبب حكام إسبانيا، كل يوم، تتهيأ الظروف لتوحيد أبناء الشعب الواحد هنالك حركة أندلسية كما هناك حركة صهيونية، نحن أيضًا لنا الحق في أن نعيد أرضنا الضائعة”

في العشرينيات نشر كتابًا بعنوان “المعتمد: أكبر حكام إشبيلية” (1920)، بداغوجية الديكتاتورية (1921)، و قصص الحيوانات (1921). في عام 1928 سافر إلى جاليقة (جاليسية) و تواصل مع الحركة القومية هناك، بل و أنه شارك في المجلة القومية لجاليقة “نحن”.

القومية الأندلسية كان لها دور في الجمهورية الثانية، بفضل المراكز الأندلسية، و التي أنشأت المجلس الأندلسي الحر. بغض النظر عن عدم ثقته في الأحزاب السياسية، قام بلاس إنفانتي بالدخول في اللعبة السياسية ثلاث مرات في ذلك الوقت، في البداية ك”ممثل الأندلس”، كعضو في الحزب الجمهوري الفيديرالي، ثم لاحقًا كعضو في الحزب الاشتراكي الثوري، وأخيرًا، في قائمة ما يعرف باليسار الجمهوري الأندلسي. لم يعرف أي نجاح يذكر، مما عمق خيبة أمله في السياسة.

في عام 1931 نشر كتابًا بعنوان الحقيقة حول مؤامرة طبلاداو استقلال دولة الأندلس، حيث انتقد سياسيًا و بشدة الجمهورية عبر المقاطعة المزعومة لممثلي قطاع الأندلس في الانتخابات. هذا العمل كان تطرفًا واضحًا في فكر بلاس انفانتي، كونه تحدث عن “دولة الأندلس الحرة”.

في عام 1933 تم اعتماد مشروع أولي لأساسات الحكم الذاتي في الأندلس خلال تجمع قرطبة و الذي طرح لاحق في استفتاء. في عام 1935 زار بلاس انفانتي رئيس كتالونيا المسجون كومبنيس بسجن باب شنتمرية، و الذي اعتقل على إثر القمع الذي تلا أحداث ثورة أكتوبر لعام 1934 في كتالونيا.

بعد فوز الجبهة الشعبية تم إنعاش الهوية الأندلسية بشكل قوي، مجمع إشبيلية في الخامس من يوليوز انتخب بلاس إنفانتي بالتزكية كرئيس فخري للمجلس الجهوي المستقبلي للأندلس.

كان بلاس إنفانتي في منزله بكوريو ديل ريو حينما تم اعتقاله من طرف الفلانخا(2) في الثاني من غشت من نفس السنة، في الحادي عشر من نفس الشهر تم إطلاق النار عليه في الكيلومتر الرابع من طريق إشبيلية إلى قرمونة مع آخرين، كما كان متعارفًا عليه في بدايات عهد فرانكو، تم تغريم بلاس إنفانتي بعد موته، بقرار من محكمة المسؤوليات السياسية، بسبب أفكاره و مشاركته السياسية في الجمهورية الثانية.

في تمهيد تشريع الحكم الذاتي لقطاع الأندلس، تم اعتبار بلاس إنفانتي كأب للبلاد الأندلسية، في تعديل 2007 تم تأكيد رمزيته لدى الأندلسيين، و في المكان الذي تم اغتياله ينتصب تمثال لتكريم ذكراه.

 

ـــــــــــــــــــــــــــ

(1): أُطلِق مسمى البعثية على تلك الحركة الفكرية التي نشأت في نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، تناولت أسباب الانحطاط الذي عانت منه إسبانيا بطريقة موضوعية وعلمية. وعلى الرغم من ظهورها في وقتٍ واحد مع جيل الـ 98  وتأثرهما بظروفٍ مشابهة جعلت أعمالهم تحاكي الواقع الأسود والتشاؤمي الذي عاشته إسبانيا، إلا أن الاختلاف بينهما يكمن في أن روّاد البعثية يميلون للطرح الموضوعي والموثّق، بينما يميل جيل الـ98 للطرح الأدبي المتمحور حول ذات الكاتب جاعلًا لغته أكثر أدبية وفنية. أما بالنسبة للممثل الرئيسي للحركة هو خواكين كوستا  JoaquínCostaa الأراغوني.

الكروزمية  هي مذهب سمي كذلك تيمنا بمبدعها الفيلسوف الألماني كارل كريستين فريدريككروز (1781 – 1832) و التي تدعو إلى التسامح العقائدي و الحرية الأكاديمية من الدوغامائية.

(2): الفلانخا حركة يمينية فاشية

تعليقات الفيسبوك

‫شاهد أيضًا‬

إنبعاث

غرفة ضيقة رطبة، لها نافذة واحدة تطل على جبل بعيد، جدران قضمتها الرطوبة و عبثت بطلائها الأب…