ميرغني

بقلم: ميرغني طه

 

قسم الأمراض العقلية

الغرفة -37 –

الجناح الشرقي (الحالات الخاصة)

مستشفى رودولفينر هاوس النمساوي.

العاشرة صباحاً/ الخميس/ أغسطس 1999

     مطر طازج وخفيف خلف نافذة لم تعُد تتسع لِمزيد من التحديق المستمر في اللا شيء، أتحاشى أشياء عِدة من بينها الارتطام بصورتك التي على الحائط المقابل، مع أنها الوحيدة التي تُعيد لي صوابي المفقود، أتحاشاها طويلاً، أنا المتضوِّر لنظرة، لكن من يرغب في وعيِّي، وأنا الذي أمضي بخطى حثيثة للجنون، الجنون الذي ينجب من عُقم روحي لامُبالاة تشبه حالة خدر لذيذ في مستشفى بارد، أضيعُ في شرودي، لا شيء يُنصت لي.. أبتلعُ صوتي المبحوح، وأبدو تماماً مثل جثّة اهترأت قبل أعوام، لا شيء سوى نافذة أهرُب إليها مراراً وتكراراً. من بعيد تبدو جبال الألب التي على الجانب النمساوي، يا للهول كم تمنيتُ أن أحضر إلى هنا في تمام الوعي والتركيز بدلاً عن هذياني هذا، مؤسف أن يكون المرء بين وعي وجنون، تخرجُ من وعيك إلى جنونك مترنحاً متثاقل الخُطى لا تقوَى على المقاومة، تُراقِب فشلك بحسرة، تعُضُّ على شفاهك بمرارة، وهمٌ يهطِلُ عليك مطرٌ غزير من كل جانب، تشعر بيد لا وجود لها تمد لك “مِظلّة” تتحاشى بها المطر المُنهمِر، و “يدٌ” تسحبك من ضياعِك المحتوم، تسيلُ قطرات على وجهِك، تصل إحداهن إلى فمك ثم تقتحمه، تشعُر بمرارة تكتشف أنها دموعك، ثم تمضي إلى الجنون، إلى منتصفه تماماً.

      في ذات التوقيت يقتحِم الغرفة الدكتور “فرنر فيمن”، الكهل العُنصري الحقير، طبيبي المعالج، الثرثار لدرجةٍ لا تُحتمل، هو لا يدري إلى أي درجة تفلِت مني أعصابي وتتركني أعزَلاً و بصدرّ مكشوف أمام الانهيار. وها هو ينهمر قائلاً: “مرحباً.. كيف حالَك اليوم ؟ لماذا عيناك بهذا الاحمرار؟ ألم تأخذ كفايتَك من النوم؟ منذُ الأمس تنظُر إلى النافذة! ألم أخبِر.. لِماذ.. غضبٌ هائل كعادته، ثُم شتائمٌ وقِحةٌ لِي، ولإفريقيا حيث الجذور. عاصفة من البذاءة لِعرقنا، ولِلوننا، هويتنا، لعنادنا، لكل شيء فينا. ثم يهدأ بشكل مُفاجئ، ويبدو لطيفاً مرِحاً.. ليقول لي: “يا عزيزي، أنا أرغب في عودتِك للحياة بشكلٍ طبيعي، أَودُّ أن أراك ناجحاً متفوقاً في حياتك، أأأ… أأرريدُ …

      قلت له : “تريد أن تنجح في حالتك الأولى، هيا قُلها يا فرنر، قُل بأنك تريدُ أن تَنجح في علاج حالةٍ، مِثلَك مثل كلِّ طبيب يعمل في هذا المستشفى الكئيب، لطالما صعُب عليك الأمر، ولطالما فشِلت، ومديرُ المستشفى لايكف عن تعنيفك رُغم كُبر سِّنك. أتدري لماذا تفشل؟ لأنك وقح، هكذا فقط، ثم ذهبتُ إلى ذات النافذةِ، وتُهت في عالمٍ عميق لا عودة منه، لا عودة مُطلقاً.

      أقسى تجرُبة كانت هي تِلك الأصوات النَّهارية التي تخرُج من الجِدار كأنها تخرُج من الجحيم، كنتُ أقاوِمها بالانزواء مُتكوِماً في رُكنِ الغُرفة رِفقة “ظِلِّي”، إن شئتم الدقة لم تكُن أصوات، كانت عبارات واضحة ودقيقة وفوضوية، كانَت رسائل لغرض حتماً كانت كذلك، كيف لا والجدار يقول: “لا تظُّن أن كل شيءٍ هادئ… مُرتَّب… كما أعدَدتّه سابقاً… يتقلّص العُمر وتَتمددُ الذاكِرة وأنت في جحيمك لاتقاوِم… تُحِّبها وتشعرُ بذلك طيلةَ الوقت… ولا تعرفُ لها طريقاً… إنّك رهْن غِواية موعدٌ لا يجِيء… تُراقب أُمنياتك تضيعُ الواحدة تلوَ الأخرى”. يا إلاهي، ما أشعُر به أكثر تعقيداً من أن أصِفهُ، وأصعب من أن أُفكر في تدوينهُ. الأصواتُ لا تكَفُّ عنِ الصِّراخ في أذني، أسنِدُ رأسي إلى ركبتّي، وأستَسلِم بخضوعٍ فاجع. “وحيد، كموعدٍ تأخَّر عنهُ عاشِقَين… و…”. الجِّدارُ لا يكُف عنِ الصِراخ، وأنا لا أحتمِل، أدخُلُ في غيبوبةٍ عميقة بلا قاعٍ، لا قرار لها، طويلةٌ كمائة عامٍ.

      كصدى، أسمعُ أَصواتاً بعيدة لعدَّة أشخاص، بجفنٍ مُتثاقل أفتَح عينيَّ بقدرِ المُستطاع. رأيتُ عِدَّة أشخاص لم أتبيَّن معالِمهم بوضوح، لكن صوت البروفيسور “مارتن تبسلر” مديرُ المستشفى يبدو مألوفاً، حاولتُ أَن أتبيَن ما يدورُ بينهُم من حديث. البروفيسور يُعنِّف في الدكتور “فيرنر” على ما يبدو، “كل هذا لأنَّك أهمَلت الحالة، هذهِ الأدوية تأتي بنتائج سلبية لمثل هذه الحالات، ألم تدرُس هذا في الكُلِيّة”. ثُم ينصرِف للحديث مع الآخرين، أحاديثٌ خافِتة، لكنِّي أسمَعُ بِضعَة كلِمات: (هلع، فزع، مادة سيروتونين، رقابة مكثفة). تيقنتُ أن شيئاً ما يحدُث في حالتي، تدهورٌ لا أعرِف تفاصيلُه لا مَحالة. مِن أحاديثِ وثرثرة الممرضات التي يكسِرن بها ملَلَ دوامِهن الليلي فهِمتُ حَقيقَة حالتِي، عرفتها تماما. كلُّ ما فعلته أنني نُمتُ كأنني لم أنَم من قَبلُ، ليسَ غايةً، بل مهرَباً ومحاولة لتحمُّل ما حدَث واستيعابَهُ.

     كانَت كلُّ الطُرُق مُعبَّدة للهروب من هذا المكان المُتوحِش، ذئبٌ جَبلِي يتدلى لِسانَهُ، وتبرُز أنيابه كسيوف جيش هولاكو أو هكَذا اتخيلُها. أسمعُ وَقعَ خطواتهِ قُرب الباب يلهث بصوتٍ مخيف، “دكتور فيرنر” الكهل الحقير، رائحة الفورمالين المنبعثة من المشرحة المجاورة لهذا القسم، الممرضة الشمطاء التي تتوهم أنها جميلة وصغيرة وتنفق نصف دوامَها في مطالعة مجلات الموضة والأزياء، كلَّ شيءٍ يدعوني ويحثُني على الهروب، قدرٌ هائلٌ من الرَّهبة أصابَني، أخذتُ بعضَ الوقت لإستجماعِ الشجاعة المتبقية في جسدي المنهار. كيف؟ لا أدري، وجدتُني في الطريقِ العَّام أمام المُستشفى، ركضتُ أُطارِد شيئاً لا أعرِفهُ، ركضتُ خلفهُ كلاعبِ ألعاب قوي يرغبُ في الفوز، كمَن تُطارِدهُ أشباحُ العالمِ كلِّها. فوضى عارِمة كانت من حولِي، الجميعُ يصرُخ فزعاً من مصابٍ بالهلَع هرب من المستشفى وربَّما يكونُ خطراً، حسبمَا أذاعَت مكبِّراتِ صوتِ ساحة “ستيفنز”. هاجَ الناس ذعراً، ورأيتهم وهماً يطارِدوني، السياح، أعمدة الإنارة، السيارات، الأشجار، كل الأشياء تُطاردُني، كأن لها عندي ثار، كنتُ أشعرُ بذلك طيلةَ الوقت، وأن شيٌء ما خفيٌ يُحاوِل إيقافَ ركضِي، يمسُك بي من الخلف بيدٍ من فولاذٍ.

     في ذات التوقيت أسمعُ صوت صديقي الافتراضي “قيس عبد الغني” يهمس في أذني، بصوت مُشفق: “سبَق وأن نَبهتك بأَن صاحبة الصورة تلك المعلَّقة في غرفتِك تسيرُ بمعايير الجمالِ إلى طريقٍ مجهولٍ لكنَّك لم تستمع إليَّ، سَبَقَ وأنَّ حذرتُك بِشأنِ خطورةِ الوضع في عينَيها، سبقَ وأن حذرتُك بأنَّ لا شيء ينتظِرُك خلفَ تلك الابتسامة سِوى حَتفُك”. لم أشعُر بشيٍء بعدَها سوى اليد الفولاذِية تجرُّني نحو مصيرٍ محتوم، والناس يلهثون حولي كأنهم يُشاهدون لحظة القبض على مجرمٍ خطير، ثم… ثم… ثم كمية هائلة من عِقار ديازيبام تسرِي في وِريدِي، وابتسامة شاحبة ترتسِم على شفاهِ الدُّكتُور “فرنر فيمن” ثُم ظلامٌ عظيمٌ، ظلامٌ أرجو أن لا يكون ابدياً.

تعليقات الفيسبوك

‫شاهد أيضًا‬

فِراش مُفخخ بالتخيُّلات

      يَصُبّ في رأسي هَدير مُوسِيقَى قادِم من الـ ساوند كلاود، بيّنما يرتَعِش هاتفي النّقا…