موعد مع القمر

 سلمى صديق :

الأضواء الساطعة ، مسخت هذا الليل الهادئ ، و حولته إلى نهار ينضح ضجيجاً ، لم تفلح الموسيقى الفارسية بإعادة رونقه ، و البدر رغم أنها ليلة اكتماله ، إلا انه توارى إحتجاجاً ، فكل ذلك الصخب أفسد حديثه الهامس مع النجم ، و خلف الغيوم نعي سمرهما الرقيق ، و ابتسامة النجم الساطعة،  و ذات حزن  سمعت الغيوم نجواه ، و حزنت لانقطاع أنسه ،فتجمعت تنظر شذراً لأولئك المزعجين ، و من أعينها كان يتطاير البرق ، و تعالت احتجاجاتهم دوياً ، و عقدت العهد على فض المزعجين لأجل البدر ، فأسقطت عليهم وابلاً من المطر يتخلله البرد ، فأصبحوا كالفئران حاصرها القط بركن الغرفة ، و علت قهقهات الغيم رعداً ، و ابتسم البدر ، و ألقى من وراء الغيوم نظرة راضية .

و كما السهم يصيب الفريسة ، لمحه أحدهم و صاح أن ما أجمل الرقص تحت ضوء القمر ، و قطرات المطر . بعدها لم يفلح كلما بذله الغيم للتخلص من هؤلاء المزعجين ، و بينما البدر غارق في حزنه ، ألقى بنظرة منكسرة نحو الأرض ، و كأنه يلومها على ذلك ، فهي و بعد كل شيء هي من تحتضن هؤلاء المزعجين ، فابتسمت الأرض بحرج ، و كصغير عثر على دميته الضائعة ، أومأت إليه أن انظر إلى ذلك المكان ، نظر البدر بيأس ، فرأى وجها مألوفاً ، وجهاً يشبه مدارات الفضاء ، و ينتمي لجمال زحل ، باردة كبلوتو ، و هادئة كالمشتري ، إنها مختلفة ، هكذا حدث البدر نفسه ، شيء من الجاذبية دعاه لمراقبتها باهتمام ، شيء من الإلفة جعله يحفظها عن ظهر قلب ، تأبى إلا أن تكون قطعة من السماء ، فترتدي الأسود دوماً ، و لعينيها الشهيتين بريق نجم يافع ، يلاحق الزهرة بمرح ، أمواج شعرها يذكره بدروب المجرات الطويلة ، و لونها الناصع يبث فيه حنيناً لعصر جليدي مر ، لا تحتسي غير قطرات الندى و زخات المطر ، و كأنها تأبى إلا أن تنتمي للوحة الفضاء الشاسعة ،ركنها القصي في المقهى ، يوحي بالكثير من الصمت ، القوة ، و الوحدة . كأنها مثله أضاعت خليلها وسط هذه الضوضاء . بعدها ، ما عاد البدر حزيناً ، و ما عاد يضجر من إزعاج البشر المستمر ، بات ينتظرها كل ليلة ، عن رمشها حكى للغيوم ، و عن ثغرها حدث النجم ، و كان يردد على مسامعهم دوماً : في غيابها لست سوى كومة جبال باردة ، لست سوى أرض لم تختر سوى الرماد لوناً ،لست سوى حقل يشتاق رشة حب ، لست شيئاً حين تغيب . و ذات ليلة ، تأنق البدر بنجمة على صدره ، و من زحل استعار حلقة و جعلها ربطة لعنقه ، و أهداه أورانوس بذلة ناصعة البياض ، و أهدته الزهرة شيئاً من عطرها الآسر ، و منحه عطارد الكثير من المشاعر الملتهبة ، و علمه المشتري فنون التحدث بلباقة مع السيدات ، و أهداه بلوتو شيئاً من برودته ، فحسب خبرته العتيقة ، يزعم أن اليد الباردة لها جاذبية خاصة ، و قدرة خارقة على إنشاء العلاقات و تقويتها ، و منذ تلك الليلة هي تجلس على  طاولة لشخصين.

تعليقات الفيسبوك

اترك تعليقاً

‫شاهد أيضًا‬

قراءة نقدية لرواية خرائط

بقلم: فائز حسن   عن الكاتب: نور الدين فارح كاتب وروائي صومالي يكتب بالإنجليزية ولد في…