عاطف

بقلم: عاطف جمال 

      حينما حلّ الصباح، كانتْ الشمس تُرسل أشعّتها الصفراء كعادتها، الرياح تهُب من الشمال فتعبر نحو الجنوب لا يوقفها شيء سوى بيوت القرية الجاثمة، الطلاب يذهبون إلى مدارسهم يلتحفون قمصانٌ سماوية مبقّعة بمئات البُقع السوداء، تجار “الأُم دورور” يرفعون أمتعتهم فوق سيارات اللاندكروز، ينوون الرحيل إلى سوق القرية المتاخم لقريتنا حيثُ تبعد عنها ثمانِ كيلومترات وبضع أمتار، ليقضوا يوماً تجارياً خالصاً بعد أن يختار كل فرد منهم خيمته وسط السوق هناك.

      كنتُ آخذ موضعي المناسب تحت راكوبة بائعة الشاي الحسناء؛ لأختلس النظر إليها كلما واتتني الفرصة. هي فتاةٌ عشرينية، ممشوقة القوام، سمراء اللون، لها نقطة سوداء على خدها، عيناها لا تترك لك المجال إلا أن تنظر إليها، نظرة عاطش تاه في صحراء وجد فيها عين ماء لتوه، ثم ينعزل كل شيءٍ عنك، وينحصر العالم في تفاصيل وجهها، تلتحف ثوباً يميل الى الأصفر فيسمح بدوره لخصلات شعرها الحالكة كسواد الليل أن تتسلل.

      أرتشف رحيق قهوتي المعتّق بالجنزبيل، ونفاثُ سيجارتي المتناثر يعبّق طوق المكان، لا يقطع صمتنا سوى صوت بعض الأكواب المتناثرة، وضعتها البائعة لتوها في صحنٍ كبير حولها، لتُزيل عنها الغبار و بقايا الشاي. سيارات العسكر ذات الدفع الرباعي تمُر من هنا وهناك، رجال الشرطة انصرفوا إلى مكاتبهم بعد أن انقضى تمام الصباح للتو. لا شيء يُثير الانتباه والخوف.

      عندما أخذتْ الشمس موضعها وسط السماء، كانت شجرة التبلدي المورقة بظلها الكثيف قد أغرت بعض الشباب فاقدي العمل وجذبتهم إليها، انتهى موسم الحصاد مبكراً هذا العام ولا شيء لهم ليفعلوه في هذا الوقت من كل عام، افترشوا أرضها ووضعوا بطانيةٍ حمراء فوق الفرش، وبدأوا يلعبون “الكتشينة”. عشرة تلو عشرة، تتغيّر الوجوه لكن لا تزال أصواتهم تدوي مطالبة بإسراع اللعب قليلاً، وبعض الهمهمات الأخرى عن صِحة سير ومرور اللعبة.

      بينما كانت أعدادهم تتزايد بين اللحظة والأخرى، سمعوا صوت دويٍ قوي اهتزت له الأرض، ارتعشت الأشجار فحركت أفرعها فزعاً، أفردت الطيور أجنحتها استعداداً للفرار. تركوا كل شيءٍ امامهم، ألقوا بأوراق اللعب جانباً وهبُّوا فارين متسائلين عن سر هذا الصوت الغريب. لم يلبثوا أن يفارقوا أرض المكان حين أتاهم ابن جيراننا “أحمد” لاهثُ الأنفاس، يمتزج في عينيه الخوف بالإثارة، لم تنفرط أفواههم بقول كلمة حتى قال لهم بصوتٍ يملأه الرعب وبكلماتٍ غير مرتبة:

      – ضربوا الطيارة.

      – طيارة شنو يا أحمد؟!

      – طيارة الجيش النزلت الصباح.

      ألقى إليهم الكلام على عواهنه، وهبّ راكضاً صوب منزلهم، تسبقه قدماه. ندتْ عنهم حركة مباغتة فسقطت أوراق الكتشينة وألقوا بأرجلهم للريح.

     كانت الطائرة العسكرية قد حطّت صباحاً في المعسكر الواقعُ غربيّ القرية، تحملُ على متنها أغذية، بعض الذخائر والأسلحة دعماً لأولئك الجنود الذين أرسلتهم الحكومة لحراسة وتأمين قريتنا التي تقبعُ في الناحية الأخرى من الأرض، تقوم بيوتها المتشابهة والمتراصة مع بعضها البعض كأشباحٍ من القش والطين. تتوسطها بعضُ البنايات الحكومية، طُليت جُدرها بلونٍ أصفر كلون الكناري، ومدارسها المكدسة بأشجار النيم، والهجليج “اللالوب “. مُحاطة بكثبان رملية في إتجاهاتها الأربع، وشجر التبلدي والسيال.

     كانت الطائرة الحكومية ذات الألوان المُبقعَة قد اقلعت حين صُوب تجاهها مِدفع “الهاون” المضاد للطيارات، الذي يُحمل عادةً في سيارة دفع رباعي مقصُوصةٌ كابينتها، لكن تسرّع المصوّب “ضارب الهاون” في الإطلاق؛ فلم تصبُ “دانته” الطائرة. كان ذلك الإخفاق في اسقاطها ثمّةُ إنذار للجيش النظامي، والمواطنين، للاستعداد ليومٍ حافل بالأحداث. ضجيج الطائرة، دوي المدافع و أزيز الرصاص المختلط مع بعضه البعض قد أربك الناس كلهم، وجعلهم يهربون من كل اتجاه نحو الشرق، حيثُ لا يوجد معسكر للجيش النظامي هناك. أم فزعة تبحث عن أبنائها الهاربين في شتّى الجهات، عجوز طاعنٌ في السن يركبُ على ظهر حماره الذي أصبح صديقه بعد أن فقد الأمل في الإنسان، فتحول إلى الحيوان، يغرقُه بعواطفه، ويحيطُه باهتمامه، ويدافعُ عنه في كلِّ مِحفل، شرطيٌ يحمل في يده سلاح ناري يحاول التخلص منه يركضُ مع بقية الناس فينفرون منه.

      ذاتَ وهنٍ و رعب؛ انتعلت حذائي، نفثت زفراتٍ ورتلت تمتاتٍ مزيجة بين الدعاء والقرآن، وركضتُ نحو منزلنا. ضربت باب الحديد المتآكل برجلي حتى كادت ذراته المندمجة أن تتطاير، صرخت باسم أمي عالياً، واتجهت نحو الزقاق حيثُ يقع الخندق الذي حفرناه ووضعنا على أطرافه جوالات الذرة التي حشوناها بالتراب حتى لا ينطق الرصاص ويخترق أحشائها و يصلنا. وجدتهم خائفي الأعين، تُخفي صدورهم الحزن والرعب، يحتضنون بعضهم بعضاً. حملت أخي الصغير على كتفي، أمسكت بأمي على يدي تتقدمنا أختي وركضنا تجاه الشرق مثل بقية الناس. حميرٌ تنهق، كلابٌ تنبح  تجري مع الناس، نساء ورجال يهرولون، أطفال يصرخون من الفزع وحرُ الصيف، رجالٌ من الشرطة التحفوا الجلباب البلدي، أخفوا أسلحتهم خلف جُدر بيوت القش القصيرة وركضوا مع الناس. كُنا حينها قد عبرنا الكُثب الرملي الذي يفصل بين أحياء القرية الرئيسية ومقبرتها المعتّقة بصمت الموت والخوف. كانت جموع الناس الخائفة قد أخذت مواضعها تحت أشجار التبلدي، بينما كانت أصوات المدافع وشراراتها الحمراء تملأُ فضاء القرية ممزوجة بدخان البيوت المحروقة، تيقنّا أنّ القرية كلها أصبحت أكواماً من الرماد من فُرط السواد الذي كان يملأُ فضائها. مرّت ساعات الظهيرة والعصر ولا شيء يُخفي صمت المكان سوى أزيز الرصاص القادم من معسكر الجيش النظامي، رائحة الموت و البارود، والدخان الكثيف. بدأ الهدوء يدُّب سماء القرية، نال التعبُ من مدافع “الاربجي RPG”، الهاون والرشاشات، ولم يبقى إلاّ أصوات الأسلحة الخفيفة كالكلاشنكوف و”الجيم G3”. حينها كانت الشمسُ قد بدأت تتسلل خلسةً نحو الغروب، أشعتها الصفراء قد تحولت إلى ألوان حمراء متفرقة تُنشد بالحزن والغياب. عندما كان الليل يدنو مترنحاً، بدأت الجموع الخائفة ملتحفةٌ بالصمت العودة إلى منازلها الجاثمة كأشباحٍ فوق صدر الماء يكسوها السواد.

      في دجّة الليل الكالحة كنا أنا و”أحمد” قد أخذنا مواقعنا الاستراتيجية تحت سُرر الخشب المتقابلة، نختبئ في حضن قُطِّية معروشةٍ من القش والطين، يلفُنا صمت رهيب لا يقطعه سوى أزيز الرصاص وأصوات السيارات التي تروح وتغدو كل حين. كانت تلك السيارات تبحثُ عن أفراد الجيش النظامي الهاربُ من معسكره بعد أن تكبّد الخسارة من قِبل الحركات المسلحة، هربّ أفراد الجيش، دخلوا بيوت المواطنين المتاخمة للمعسكر، ألقوا بأزيائهم الرسمية جانباً، اقترضوا الجلباب البلدي من أصحاب البيوت ثم التحفوها فأصبحوا عُزلاً كالمواطنين تماماً، وتبحثُ أيضاً عن سيارات اللاندكروزر المخبئة تحت أكوام القش وخِيَم البلاستيك. حينها بدأ القمر الذي يبدو كقوس في جدار السماء يلتمع شيئاً فشيئاً، يسرّب بعض الضياء ليضيء عتمة القُطِّية عبر ثقوب أكوام القش. إنكشف غطاء الظلام رويداً رويدا، رأيتُ أحمد يرتعش خوفاً حالما تعبر من فوقنا أعيرة الرصاص، يئنُ من الألم الذي لم أعلم مصدره ولا يعلمه هو أيضاً، فرآني بدوره وهمس لي بأن أوصِدُ باب القُطية حتى لا يتسرّب الضوء فيكشفنا لأولئك الجنود الذين ينخرون أحشاء الليل بحثاً عن طعمٍ جديد لأسلحتهم. أوصدتُ الباب، ثُمّ تكورنا تحت الأسرة ورُحنا في نومٍ عميق.

      في صباح اليوم التالي استيقظت خدراً منهكاً، كان الهواء الذي شبع أزيز الرصاص يسري في أعماقي ببطء، دبّ الصمت أرجاء القرية، ناديت على أحمد لأوقظه لكنه لم يُجب، اقتربت منه فوجدته مضرجاً بدمائه، دنوت منه ولثَمْت جبينه الذي امتلأ بالتراب فكان جثةٌ هامدة. رصاصةٌ قد اخترقته حين كان يركضُ من ظل “التبلدية” نحو منزلهم المتاخم لمنزلنا. صرخت صرخةً مطعّمة بالألم الممزوج بالأسى، ووضعت عليه مصحفاً. كان آخر ما أمسكتْ به يداه وهو يلفظ آخر أنفاسه. خرجت لأخبر الناس برحيله، وجدت رجال القرية قد خرجوا مبكراً نحو المعسكر ليعرفوا أخباره. وجدوا سبع جثثٍ في حضنه، ثلاث جثثٍ أخرى على أطرافه، وجثث أربع مواطنين اخترقتهم رؤوس الرصاصات الطائشة في أماكن متفرقة بالقرية. قاموا بدفن الجنود العشر في خندقٍ كبير داخل المعسكر.

      في طريقنا للمقبرة، مررنا بالأشجار التي كُنّا نلعب تحتها “الكتشينة” ونخوض أحاديثاً تدُّب فينا روح الحياة، الطورية التي أعددناها لفلاحة الأرض مشغولة الآن بحفر القبور للموتى، والمياه التي جلبناها لنروي بها عطشنا قد أصبحت تروي أرض المقبرة و أشجارها الظليلة ، الفتيات اللائي كُنّا نرقصُ معهنُ “الجراري” قد ترملنّ قبل أن يحضِنَّ.

     عندما عدنا أدراجنا نحو القرية بعد أن دفنّا آخرهم في المقبرة التي تفصل بين الحياة وصمت الموت، كان الموتى يتحدثون إلينا من تحت أكفانهم بأصواتٍ رخيمة ممزوجة بالشخير: بأن نُخبر عن أولئك الذين عاشوا في أيامهم قبل مئة سنة، وأن يعنون لنا ما هو أكثر قليلاً من مجرد أسماء على صلبان مائلة وشواهد قبور؛ وأن ننوي لنُحدث تغييراً في أنظمة الزمن القاسية التي محت الحياة والذكريات.

      وها هم مرة أخرى بصوت واحدٍ يقولون: “لم يبقَ فينا إلا القليل مما هو نور، نحن نقف أقرب إلى الظلام، بل نحن ظلمة تقريباً، كل ما خلفناه لا يتعدّى الذكريات والأمل المتخدِّر”.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*”تجار الأُم دوَرْوَر” .. نوع من التجار لا يملكون حيز أو مكان ثابت، أي يتنقلون من منطقة لأخرى في أيّام الأسبوع.

*”الجرارى” نوع من الغناء والرقص يقدم بدون مصاحبة الالة الموسيقية نجده منتشر فى شمال وغرب كردفان ، وشمال دارفور.

تعليقات الفيسبوك

‫شاهد أيضًا‬

قراءة نقدية لرواية خرائط

بقلم: فائز حسن   عن الكاتب: نور الدين فارح كاتب وروائي صومالي يكتب بالإنجليزية ولد في…