812898879.jpg

المقداد عبد الله:

**

أكثر ما يغري الإنسان حلم ، وأكثر ما يخيفه حلم أيضا ، والحلم وهم ، إذن الإنسان أسير وهمه من مهده إلى لحده . وثمة رغبات/أحلام/أوهام مشتركة بين البشر تنالها الأقلية ويقضي الأغلبية حياتهم سعيا وراءها وحسرة على فقدانها .

إذا أخذنا حلم العربة الخاصة لمواطن بسيط نموذجا ، سنجده يركب المواصلات العامة ، بينما عينه على العربات الخاصة التي يمتلكها الأثرياء ، يمني نفسه بأن يحوز مثلها يوما ما ، وفي نفس الوقت يسخط على المواصلات العامة “زحمة ، سخانة ، قرف” ،…

وإذا وضعنا في الحسبان أن الأغلبية لن تمتلك عربات خاصة ، وإذا افترضنا أن صديقنا هذا لم يقدر له أن يشتري عربة ، أو -تخفيفا- اشتراها بعد طول سنين من التوفير المرير ، سنجد انه قد قضى سنينا طوال من عمره ساخطا بائسا ، وللأسف سيكتشف أن امتلاكه لعربة قد جلب له مسئوليات ومشاكل جديدة ، فسيكون مسئولا عن قيادتها ، صيانتها ، ترخيصها ، … ، بالإضافة إلى انه كحال الكثير من النعم لن يلحظ لها وجود ، وسيبحث عن مطلوب جديد ليبدأ معاناته من جديد.

لماذا يعيش الأغلبية في بؤس لأجل أشياء –هم يعلمون- لن ينالها إلا الأقلية ، لماذا يحزن آلاف الممتحنين للشهادة السودانية لأجل أنهم لم يكونوا ضمن المائة المتفوقين المعلنين في التلفاز ! ، لماذا يحزن الآلاف المؤلفة من المقبولين للجامعات لأنهم لم يكونوا ضمن بضعة مئات من طلاب الهندسة والطب! ، لماذا يحزن الملايين من المفلسين لأنهم ليسوا ضمن حفنة “المرطبين”!

لحل هذه المعضلة يجب على الأغلبية أولا : أن تتصالح مع واقعها بدلا من أن تعيش في الجحيم لأجل حلم النعيم ،وذلك بأن ترى سيئات ما تطلب وحسنات ما منه تهرب ، مثلا إذا كان الطقس في بلادنا حارا معظم السنة تذكر نفسك وأنت ترتجف أيام البرد القارصة ، ثانيا: أن تستثمر أسباب معاناتها لصالحها ، مثلا: إذا كان مصدر الطاقة الأول في البلاد الطاقة الشمسية ، فلا أظن انه ستكون الأيام الغائمة مصدر ترحيب كالسابق.

وإذا عدنا إلى صديقنا السابق الذي يحلم بالعربة ، سنجده في هذه الحالة متصالحا مع واقع المواصلات العامة ، فأخيرا سيكون قد التفت إلى أن ركوب المواصلات العامة لها ميزاتها التي لا تتوفر في العربات الخاصة ، كأن يستمتع بالرحلة من غير أن يكون مسئولا عن القيادة أو الصيانة أو تعبئة خزان الوقود ، أما استثمار المواصلات لصالح الأغلبية فإذا حولنا المواصلات من مجرد وسيلة نقل لوسيلة للتعارف تماما كما يحدث في مناسبات الأفراح ، يلتقي فيها الباحثون عن الزواج ، وتعقد فيها الصفقات ، وتتولد فيها النوادر والنكات ، لا أظن أنها ستعود مصدرا للمعاناة .

هذا لا يعني أن لا يعمل الأغلبية المغلوبة لتحقيق أحلامهم ، بل يعني أن يواصلوا سعيهم راضين بدلا عن أن يكدحوا ساخطين ، فإن حصلوا على مرادهم كان خيرا ، وان لم يحصلوا فهم في خير ما داموا في رضى

تعليقات الفيسبوك

اترك تعليقاً

‫شاهد أيضًا‬

قراءة نقدية لرواية خرائط

بقلم: فائز حسن   عن الكاتب: نور الدين فارح كاتب وروائي صومالي يكتب بالإنجليزية ولد في…