f755d8edf226ed288a65e63811aeb377

بقلم : معاذ أحمد

أدخل غرفتي، بلطفٍ أُوصد الباب خلفي، أُشغل المكيف، أضبطه عند درجة حرارة معينة. غرفة صغيرة بها سرير واحد، تتوسطها تربيزة دائرية ملتفة حولها بعض الكراسي، ومكتبة بها العديد من الكتب. أجلس على أحد الكراسي وأضع رجليّ على الكرسي الآخر، أستخرج علبة سجائري* من جيب قميصي العلوي، أتناول زناداً كان موضوعاً على التربيزة، أضغط عليه، ينطلقُ لهبُه يأكل مقدمة رأس تلك السيجارة، ثم أجذُب منها نفساً عميقاً، يأخذ دورته ثم أنفثه، يمتد دخانها مُحلقاً بأشكالٍ رمادية في الفراغ، أثبت نظري على المكتبة، أمرره سريعًا على كتب التنمية البشرية المتراصة في الرف الأول، أنزل ببصري للقسم الثاني، يلتقط عناوين بعض الكتب؛ “لصوص الله، جمهورية النبي، جمهورية الله، الحل الوجودي للدين.. لـ عبدالرزاق الجبران”، بعض كتب أركون ومحمد شحرور. بسرعة البرق أتخطى الكتب الإنجليزية القابعة في الرف الثالث، لأصل أخيراً إلى المكان المفضل لديّ، حيث تكمن المتعة والمغامرة والتلاعب بالمفردات، أثبت بصري طويلاً وأنا أقرأ “شعر وروايات”، أجذب نفساً آخر، هذه المرة أبقيه في داخلي مدة من الزمن ثم أنفثه دفعة واحدة، أمرر بصري ببطء شديد وأنا أقرأ.. طير غير مجنح، رصيف طويل للنسيان، أحوال، في مراهقة الوسامة، معاوية نور على ضفاف اليمز، بعض الكتب الهرمة لـ درويش والفيتوري.

 بتلذذ يواصل بصري مسيرته ويلتقط ‘رماد الآلهة، جمجمتان تطفئان الشمس لـ منجد باخوس؛ معسكرات اللاجئين وما يعيشونه من اضطهاد وذل، الحرب الضروس التي أكلت الأخضر واليابس، أبناء الشعب الذين يموتون ظلماً وقهراً، يُغتصَبون، يُصلَبون، يُهَجرون من ديارهم، يُجَردون من جميع ممتلكاتهم. كونجاك يشق الأفق بصولجانه، يتدلى من عالم الغيب، يجلس على تلك الشجرة بالقرب من ذاك الكوخ المليء بالآلام(1). صرخة مدوية تعتصر قلبي. أواصل المسير، أرى بعض روايات بركة ساكن/ الطيب صالح/ أبكر آدم إسماعيل/ إيهاب عدلان/ جبران خليل جبران/ مصطفى لطفي المنفلوطي/ باولو كويلو/ وكاتبي المفضل هيرمان هسه، أتوقف قليلاً وأنا أقرأ.. سبع ساعات من رفقة النهر لـ موافي يوسف (ذلك الكتاب الذي قرأته كثيراً كثيراً.. )، أتخيل ذلك الشبح المتعب الذي انبثق له فجأة من العدم وتشكل أمامه(2)، هو مثلي تماماً.. يجلس على كرسي، ينفث دخان سيجارته، يحدق أحياناً في المكتبة القابعة أمامه. تخطر ببالي فكرة أنه جلس على الكرسي الذي تحتي/ أنه ظهر في هذه الغرفة، أو ربما كنت أنا هو!! نعم هو، كنا روحاً واحدة، تستأنس مع الملائكة، تطوف في الجِنان، تحلق في الفضاء الشاسع، ثم هبطت للأرض وانشطرت لتستحوذ على جسدين.

أجذب نفسًا أخيرة، أنفثها ببط، أراقبها وهي تتلاشى قرب سطح الغرفة، أعود ببصري لمكتبتي، أقرأ بصوت مسموع.. “سبوتنيك الحبيبة، كافا على الشاطئ، جنوب الحدود غرب الشمس، الغابة النرويجية، 1Q84.. لـ هاروكي موراكامي “. أطفئ سيجارتي، أتناول جهاز اللاب توب، أبحث في مجلد الموسيقى، أحدد كامل أغاني “Leonard Cohen” (فنان التأمل كما يسميه صديقي Siddig ) وأضعها في مشغل الموسيقى، أتوجه نحو المكتبة، أتناول “الغابة النرويجية” وأغوص في أعماقها.

ــــــــــــــــــــــــ

* لست مدخناً

أضغط عليه، ينطلقُ لهبُه يأكل مقدمة رأس تلك السيجارة، ثم أجذُب منها نفساً عميقاً، يأخذ دورته ثم أنفثه، يمتد دخانها مُحلقاً بأشكالٍ رمادية في الفراغ“.. النص مأخوذ من كتاب سبع ساعات من رفقة النهر.

(1) بعض الأحداث التي في رواية جمجمتان تطفئان الشمس.

(2) هو شبح الشاعر الكبير محمد الفيتوري كما يصوره الكاتب.

تعليقات الفيسبوك

‫شاهد أيضًا‬

قراءة نقدية لرواية خرائط

بقلم: فائز حسن   عن الكاتب: نور الدين فارح كاتب وروائي صومالي يكتب بالإنجليزية ولد في…