محمد احمد

      الحاج عبد الصمد بعد أن نزل المعاش أحس بفراغ عريض، لم يجد شيئاً يقوم به، فبدأ يأخذ مقعده الخشبي ويجالس أحمد دقش صاحب الدكان، لأحمد دقش مظلة صغيرة أمام دكانه الذي يطل على الشارع العام، فمن دكان عبد الصمد تستطيع مراقبة كل بيوت الحي، فهو في ناصية عند تقاطع في وسط الحي، هذا الموقع الاستراتيجي استغله عبد الصمد في البيع، وفي مراقبة كل من دخل أو خرج من الحي، يدفعه لذلك الأمر فضوله الشديد لمعرفة كل صغيرة وكبيرة عن سكان الحي.

      يجلس المعاشي عبد الصمد مع أحمد دقش أمام الدكان من الصباح حتى المساء، وبسبب أن بيت أحمد دقش ملاصقاً لدكانه فكانت ابنته الصغيرة تأتيهم بالفطور، والقهوة في الدكان. أحمد دقش صاحب الدكان يعرف كل شيء في الحي، حتى عدد الدجاج والحمام الذي يربى داخل البيوت، كانا يراقبان كل شيء، يقدم أحمد دقش تقريراً صباحياً وآخر مسائياً لعبد الصمد، تقريران مفصلان عن كل ما دار في الحي.

      ـ زينب زوجة التوم تمر بوضع اقتصادي سيء.

      ـ كيف عرفت ذلك؟

      يسأله عبدالصمد.

      يضحك في خبث و يقول بثقة:

     – أنا أعرف كل شيء.

     ـ استدانت مني بالأمس بصلاً وأرزاً وصابوناً.

      خبر آخر.

      ـ أمبلينة صرفت الصندوق، فقد رأيتها وهي قادمة من سوق الجمعة وفي يدها ملابس وأشياء كثيرة.

      يلتفت أحمد دقش يميناً ويساراً، ثم يقرّب فاه من أذن عبد الصمت اليسرى لأن الأذن اليمنى لا تسمع جيداً، يهمس في الأذن اليسرى قائلاً:

      ـ نفيسة زوجة علي سائق اللوري.

       ـ ماذا حدث لها؟

      يقول بصوت منخفض:

      – بدأت عادتها الشهرية قبل يومين، وسينقطع عنها الدم يوم الثلاثاء القادم.

      ـ يضحك عبدالصمد حتى تسيل دموعه، يخلع نظارته الكبيرة، ويستخرج منديلاً من جيبه، ويمسح عينه المصابة بمرض غير معروف، فهي تنزف ماء أبيض باستمرار.

      ـ كيف عرفت هذا أيها الشقي؟

      يسأل و هو يكاد يموت من الضحك

     ـ قبل يومين اشترت ابنتها الصغيرة مني قطناً طبياً.

      يعدل صاحب الدكان من جلسته، وينظر إلى جليسه، ويقول له بصوت لا يخلو من خبث وشيطنة: “يا عزيزي أن أعرف وقت العادة الشهرية لكل نساء هذا الحي و بناته، وأعرف التي نامت في حضن زوجها بالأمس، والتي لم تنم، كل شيء معروف يا عزيزي، لا تستطيع أن تخفي شيئاً في هذه المدينة”. ولدي اليوم خبر طازج، سأقوله لك بعد أن أبايع هؤلاء الزبائن.

      ينهض من كرسيه ويدخل الدكان ويبدأ مبايعة الزبائن ومعاكسة الجميلات، ثم يرجع ويجلس على كرسيه بعد برهة من الزمن، ثم يقترب من الأذن اليسرى مرة أخرى ويقول:

      – أتعرف رونقا ابنة الطاهر إمام المسجد؟

      ـ نعم أعرفها

      ـ حدثتني نفيسة أن رونقا قد حبلت سفاحاً، وأنزلت الجنين قبل أن يكتمل، هذا الموضوع في غاية السرية، حتى أبوها المسكين لم يسمع به.

      وهكذا عن طريق الجلسات الطويلة، استطاع عبد الصمد المعاشي أن يجمع معلومات عن كل شيء في الحي. لاحقاً، عندما عُين في وظيفة رئيس اللجنة الشعبية، استفاد من المعلومات الدقيقة عن الحي. وفي جدار منزله المطلي، تعلمت الشمس عادة غريبة، عند شروقها صباحاً، قبل أن تطل بكاملها، ترسل جزء من اشعتها المتكسرة، تضرب الجدار بخيوطها الضوئية، وتعكس عليه لوحاً من الضوء يحمل بين دفتيه كل الأسرار التي تحدث ليلاً، يقرأ الناس منه كل فضائح عبد الصمد وصديقه أحمد دقش، كل الأخبار الخاصة، والأكثر خصوصية، كل ما يفعله كل واحد منهما ليلاً، كل غمزة عين يغمزها أحمد دقش لكل فتاة جاءت دكانه، كل المبالغ التي اختلسها عبدالصمد وبنى بها بيته البرجوازي، اللوح الشمسي يعري الصديقين أمام الجميع. لم يعد هناك سر، فكل شيء يظهر في لوح الشمس الضوئي، كل الأسرار تتناقل، حتى الخطط المستقبلية تظهر على ذلك اللوح. ما إن تشرق صباحاً إلا ويحمل اللوح كل ما غطاه الليل، وستره بجلبابه الأسود. وأحيانا يظهر لوح الضوء في كل بيوت المدينة، عندما تدخل أشعة شمس صباحاً غرف البيوت من خلال النوافذ، تعكس خيوط الضوء اللوح على جدران الغرف من الداخل، فيقرأ ناس أسرار الليل، وخفايا الصديقين. وبالتأكيد لن يستطيع عبدالصمد اخماد الشمس، وربما أيضاً لن يستطيع اخماد الحسرة التي اشتعلت في دواخله.

تعليقات الفيسبوك

‫شاهد أيضًا‬

في مديح الثوّار 2

(1)      كانت القصيدة التي تدعو إلى الثورة متحررة من كل القيود، فقد ثارت القصيدة على قيود …