0ed43f69a5348534ee993acecf2b7d65

“غرفة بنفسجية”

كان الضوء الذي يتسرب إليها شحيحًا بحيث أنه غير قادر على إيقاظ نملة مغمى عليها لأي سبب مجهول .

غير أنها استيقظت بأية حال ..

بإنهاك بالغ حركت رأسها كي ترفعه عن وسادتها ، كانت شاحبة للغاية كشبح ظل طوال الليل يقاتل الموت كي يكسب يومًا آخر في الحياة .

كان عليها أن تحسر عنها غطاءها و تنهض لتواجه أحد صباحات ديسمبر الباردة ، أحد تلك الأيام التي توحي بأنه يصادف يوم العطلة الخاص بالشمس .

نظرت لوسادتها بتفحص و قالت في سرها إنها واثقة بأنها محشوة بالكوابيس اللعينة ثم توجهت بتكاسل نحو الحمام لتغسل وجهها .

كالعادة ارتشفت قهوتها متربعة على أريكتها التي تطل على باحة المنزل ، ليس لأنها من عشاق القهوة أو من أولئك الذين يؤدون بعض الطقوس الصباحية بقدسية ، إنما لأنها بطبيعة الحال لا تعرف ما تصنع في صباح بهذا القدر من الكآبة أو كيف ينبغي عليها أن تبدأه !

كانت الريح تعبث ببعض الأوراق الجافة المتناثرة بفوضوية عندما نفدت آخر قطرة قهوة في الكوب فحملته و عادت للداخل.

تفقدت هاتفها لتجد بعض الرسائل من شركة الإتصال تعلمها بنفاد حصتها من الإنترنت و كيفية تجديد الإشتراك بالخدمة ، نفثت من بين شفتيها بعض الهواء بضجر و يداها مغروستان في خاصرتها بنفاد صبر .

بعد أن ألقت نظرة سريعة على المنزل و تأكدت أنه ما من شيء لتفعله به قررت أن تخرج .

لم تكن تعرف إلى أين ستتوجه لكن عليها أن تغادر .. ربما كانت بحاجة لضجيج الحياة !

بينما تجتاز الزحام في منتصف المدينة تسربت إليها قناعة ، بأن 80% من البشر الذين مروا بالقرب منها لم يستحموا منذ أيام .. فضحكت للفكرة و كيف أنها تجد حيزًا للإنتباه لتلك الأشياء الصغيرة رغم ازدحام عقلها بالمتاعب !!

عرجت في مسيرها إلى البقالة التي تبتاع منها حاجياتها ، دفعت الباب و ألقت التحية على الرجل العجوز المنهمك في قراءة الصحيفة من وراء نظارته السميكة بتمتمة مسموعة .

لم يجبها كأنه لم يسمعها أو يلحظ وجودها .. فذهبت و تناولت عبوة للمقرمشات و عادت أمامه و هي تقرمش الرقائق الحراقة لتضع بعض الفكة في الطاولة ، ثم تعمدت أن يكون صوتها مسموعًا و هي تقول :

لم أحظ بالوظيفة بعد .. لذا سيتعين عليك الإنتظار لفترة أخرى حتى أسدد ما علي من مديونية .

أزاح الصحيفة من أمام وجهه و نظر لوجهها النحيل من تحت نظارته و هو يقول بسخرية :

كأني أملك خيارًا آخر غير الانتظار !

ردت هي بلا مبالاة و هي تهز كتفيها : في الواقع .. لا

ثم انصرفت قبل أن تسمع منه المحاضرة المعتادة ، فحين يبدو العجوز بمزاج رائق فهذا لا يبشر بشيء جيد مطلقًا .

كانت “ريما” قد اكتسبت بعض المال في الفترة الماضية من بعض الأعمال الصغيرة المتفرقة و لكن لا يمكنها الإعتماد على ذلك .

إنها تواجه ورطة حقيقية تتفاقم يومًا عن يوم و كل الحلول الممكنة رهن الانتظار.

عادت لمنزلها و دلفت مباشرة لغرفتها .

كانت قد طلتها مؤخرًا باللون البنفسجي في محاولة منها لتلوين الرمادية التي تحيط بها .

ثم فهمت أن القلب هو المعني بالتلوين لا الأمكنة .

و أن الوسادة الوثيرة لا تجلب نومًا هانئا بل الأفكار الناعمة .

و فهمت أن واقعها أبعد ما يكون عن ذلك .

تعليقات الفيسبوك

اترك تعليقاً

‫شاهد أيضًا‬

سعيدة

مع بواكير الصباح ، عندما ترسل الشمس أشعتها لتكنس الليل عن الطرقات .. و تقبل تلك الوجوه الم…