14808824_1587819017910335_761067435_o

 

•تاليف : ليزلي قليستر
•ترجمة : كامل السعدون

لم تكن تكتب الكثير في مثل هذا العمر الباكر من شبابها ، لا شيء إلا بطاقات أعياد الميلاد . لكن كان لها أسلوبها الخاص في التعامل مع الكلمات . كانت تعشق الكلمات ، تعاملها وكأنها كائنات حيه ، لها تاريخ وعلاقات أسرية ، وكانت تبحث وتنقب في تلك العلاقات . تتلذذ بتردادها ، اللعب بها ومعها .
كانت تعرف إنها بشكل ما ، يمكن أن تعد ثرثارة ، وقد تكون مملة من خلال هذا الإسراف في زج المرادفات في كل كلمة تسمعها أو تريد أن تقولها .
– لكن لا باس ، فأنا استمتع.. أنا أعيش هذه الكلمات … احبها .. تلك المخلوقات الصغيرة الحية القادرة على التحول إلى نبضات شعورية وانفعالات وأحاسيس .
كانت تعشق اسمها ” روز ” ، فلهذا الاسم موسيقية خاصة … له إيقاع جميل ووقع محبب على السمع . حين تنطقه يلتف لسانها مثل الأوراق التاجية لزهرة القرنفل .
كانت في هذه اللحظة عند الجسر مع ” نات ” ، هذا الجندي الأمريكي الحليف القادم من فيلادلفيا للمساهمة في الدفاع عن مركز الإمبراطورية التي لا تغيب الشمس عن أملاكها .
لم تستطع أن تحب اسمه ، هذا الاسم لزج إلى حد ما .
كانا يقفان معا يداً بيد ، عند منتصف الجسر ، كما يفعل العشاق . كانا يحدقان بالقمر الفضي ، الذي يتلألأ في كبد السماء عاكساً وجهه البهي المضيء ، على صفحة الماء .
– “أنظري كيف يلمع ” ، قال وهو يحدق بإعجاب بهذا الساحر الجميل .
– “يلمع ، يتلألأ ، يشرق ، ينير ، يضيء ، يومض ، يشع ” ، أجابت بفرح طفولي وتابعت ترداد المرادفات من شقيقات فعل الإشراق …
– “أنت مدهشة يا صغيرتي ، أنت قاموس مفردات متجول ” ، وأضاف مقهقها : ” أنت تبتلعين قاموس في معدتك الصغيرة “
– “أو قل في رأسي ” ، وضحكت بلطف .
كانت مستثارة بعشقها للكلمات ، لكنها الآن أوشكت أن تقع في حبٍ آخر ، حب ” نات ” . كانت ما تزال تقلب الأمر على كل الأوجه ، ولم تصل بعد إلى حل حاسم حين أبلغها برحيله الوشيك ، فقد انتهت الحرب ولم تعد هناك من ضرورة لوجوده .
– ” لم لا تذهبين معي الآن ؟ سنتزوج في الحال” …
فكرت قليلاً في سرها ً، “سأكون مدام”..
– “لا اعرف …” ، أجابت … كانت فعلاً أمينة في قولها هذا ، صدقاً لم تكن تعرف ما إذا كانت تريد أن تتزوجه أم لا … الآن أو في أي وقت آخر ، كانت حائرة جدياً بأمرها هذا .
استغرق الأمر منها أكثر من أسبوع في انشغال ذهني متواصل بهذه المسألة .
– ” إن صوته محبب عندما يتكلم ، طريقة ابتلاع أطراف الكلمات عنده تستهويني ، وهذه الكلمات التي تعلك وتمضغ وتخرج في النهاية مضغوطة ومتداخلة مع بعضها مثل العلكة ، التي لا يكف الأمريكان عن مضغها ” .
ثم فكرة أن يكون لديها أطفال من هذا الرجل النحيف ، بعثت في نفسها السرور .
– ” يكون لدي جمع من الأطفال ، اصطحبهم إلى محلات الآيس كريم المتراصة على الأرصفة ، لكن ..”
وهنا خطر لها شيء.
– ” اسمه ، المشكلة في اسمه ، ( نات راكيت) ، أن أغدو السيدة راكيت ، روز – راكيت ، هذا ما لا يتفق ، الزهرة يفسدها الضجيج ، يخنقها ، يسممها ، ثم أن تلد عدد من الراكيتات الصغيرة … أووه لا … ” .
– “دعنا ننتظر قليلاً ، سنتبادل الرسائل … تصور ، مجرد فكرة أن نتزوج .. هذا ليس بالأمر السهل ، نحن نحتاج لوقت ، أعطني وقتاً … !”
عند هذه اللحظة ، سحب “نات ” من جيبه رزمة صغيرة ، مستطيلة الشكل . تصورت أنها شيء له علاقة بالوقت ، ألم تقل له أعطني وقتاً ، أذن فلا بد إنها هدية لها علاقة بالوقت … ربما هي الساعة الذهبية التي رأتها في حوانيت الجيش ، لكن … لا .. لم تكن تلك ، إذ عندما حل الشريط الحريري الأحمر وأزاح الغلاف الورقي الملون ، أطلت علبة جلدية أنيقة ، ولما انفتحت … كان فيها شيء آخر أبعد بكثير من أن تكون له علاقة بالوقت ..
أحست بوخزه صغيرة من الخيبة ..
– “خير ما يمكن للنقود أن تشتريه من أنواع الأقلام … باركر 51 ..”
كان فعلاً غاية الجمال والأناقة ، بلونه الأحمر الداكن ولمعانه المهيب .
– ” اكتبي لي به ..” ، قال مزهوا وهو يسلمها القلم ..
وهذا ما فعلته . كانت في بداية انفصالهما القسري تكتب بشكل يومي . تدس الرأس الذهبي الأنيق في جوف زجاجة الحبر الأزرق ، تضغط بإصبعين على الحاوية المطاطية ، ثم تسحب ، وتشرع بالكتابة . أحياناً كانت تكتب بسرعة وتدفق ، بحيث تخدش الورق الأبيض ، لا من قسوة ضغطها على القلم ولكن من تدفق عواطفها ، وحرارة مشاعرها .
وأحياناً كانت تخط سلاسل من المترادفات ، بيسر يدل على مدى تلذذها باستعراض هذه المخلوقات الصغيرة اللطيفة ، في وعيها .
وكان يرد على رسائلها بانتظام وحماس ، كان خطه مثل نسيج العنكبوت ، فظيعاً . ولكن عباراته ، على أية حال ، مؤثرة . لكن لم ينفع كل ذلك ، رغم الأثر المحبب الذي كانت تتركه في نفسها ، فإنها لم تستطع أن تحسم أمرها ، حتى بعد عدة اشهر من يوم الرحيل .
وغدت المسافات تكبر بين كل رسالة وأخرى ، وقصرت الرسائل ذاتها ، ولاحظت انه غدا مملاً مجتراً لذات العبارات ، وكف عن أن يكون مثيراً للإعجاب .
حين وصفت له بحماس وتدفق لغاية أدق التفاصيل للرحلة الجماعية التي نظمها زملائها في مكتب البريد الذي تعمل فيه ، لاحظت إن في تعليقه على رسالتها ما اشتمت منه رائحة تشكيك بسلوكها ، إذ اشتمل الرد على عبارة ” سلوك زوجة المستقبل ” .

هذه الرحلة تركت في نفسها أثراً طيباً للغاية . وفي هذه الرحلة التقت ب….” رونالد “، وقضت من الوقت قسطاً طيباً في الحديث معه .
رونالد … نطقت الاسم بعناية وعكفت على تذوقه بوعي مستثار ، نطقته ببطيء متأمل ، وعلقت في داخلها :
– “هذا الاسم يبدأ بالتفافة لسان أنيقة ، مثل اسمي تماماً ، ثم … أنه كان لطيفاً “
وابتسمت لنفسها وهي تتذكر يده إذ امتدت لتعينها على ارتقاء تلة صغيرة . كان الرجل قد دعاها لحفل راقص ، وكان معلماً ، أي عاشق كلمات مثلها ، وأيضاً قارئ جيد ، وقارض للشعر .
وكافأت نفسها بشراء فستان جديد أزرق ، وحذاء . وكان الثمن قد قضمته من المبلغ الذي وفرته للرحلة الموعودة لأمريكا !
وخرجا معاً ، كانت من أحلى وألذ ساعات العمر …
رونالد وروز ، رددت الاسمين معاً حين استلقت على سريرها بعد أن عادت من حفلة الرقص . رددتهما بتلذذ ، لهما رنين ذو قيمة جمالية عالية ، فكرت …
– “ذلك احسن بكثير وألبق من روز و نات ، هذا الاصطفاف الغير صحي يذكر بحشرة خبيثة تحوم حول زهرة فواحة العطر” . وضحكت في سرها بوداعة .
وامتدت بينهما الوشائج وتعمقت ، وتعددت اللقاءات ، وتعمقت ، واغتنى محتواها ..
ولكنها لم تنقطع عن مراسلة ” نات ” ، كانت تشعر بالألم من فكرة أن تنقطع عن مراسلته ، وبذات الآن لم تكن تسر كثيراً لاستمرارية تلك المراسلة . كانت تشعر بشيء من النفاق في هذا التواصل الذي افتقد المعنى وفارقته الضرورة . ولم تشر لا من بعيد ولا من قريب لصلتها الحميمة ب” رونالد ” .
كان ذات القمر الفضي الجميل مطلاً عليهما في ذات المكان الذي وقفت فيه مع نات قبل اشهر عديدة ؛ فوق الجسر . حينها أخبرت رونالد بنزق طفولي مهذب عن قاموس مترادفاتها :
– “لديك أذن شاعرية ” .. هتف بهمس لذيذ الوقع في أذنها ، وتابع :
– ” كم أتمنى لو تكوني زوجتي ” .
وسرح بها الخيال اللطيف إلى استعراض مكامن الجمال في هذا الاجتماع الرفيق المنسجم لاسميهما .
كان لقبه “بلوم ” ؛ برعم الزهرة ، أو فعل الإزهار “تبرعم” .. وكلا المعنيين جميلين لو انتظما مع اسمها في عقد لغوي واجتماعي دائم ومقدس ، “روز بلوم ” .
ولاحق خيالها كل الاحتمالات للتسمية القادمة لها ، وكل الاستعمالات المشتركة لاسميهما معا . روز ورونالد ، مدام بلوم ، روز بلوم ، مسز روناد بلوم ، و… حسمت أمرها أخيراً .
ستكون مدام بلوم ، وافقت بينما القمر الفضي ما يزال صاحياً ، يطل عليها من نافذة غرفتها الصغيرة التي اعتادت على أن لا تغلقها ليلاً بوجهه المبارك الجميل .
وكتبت رسالتها الأخيرة لـ ” نات ” . كانت تشعر بالقلم كقضيب ساخن بين أناملها . فكرت في داخلها بأن تعيد الهدية لصاحبها ، ولكن قد لا يكون ذلك لطيفا ، ثم .. قد يعجب القلم ” رونالد ” ، وهو رجل الذوق والشعر والكلمات .
– “يا للقلم الجميل … هذا تحفة فنية حقا ، أيمكنني تجربته” … وجرب كتابته بتوقيع اسمه بخط جميل على ظهر مظروف عتيق ..
وأخبرته بمصدر القلم ، ” كان هدية من من كان تقريباً خطيبي ” . كانت تود أن تسجل في وعيه فكرة أنه لم يكن الوحيد ، وأنه كان لديها خيار آخر ، ولكنها اختارته .
– ” ما خسره ، ربحته أنا ” ، قالها رونالد بأسلوبه الرقيق المهذب .
كان لديه دراجة بخارية لطيفة ، ملحقة بها عربة جانبية لجلوس شخص إضافي . فكانت هي هذا الشخص الذي رافقه لساعات وأيام عديدة في فترة شهر العسل التي اختصرت إلى أسبوع من التجوال المرح في كل مكان .
كانا لا يكفان عن التجوال ليل نهار ، فرحين بحبهما ، وانسجام إيقاعات روحيهما ، في كل شيء تقريبا . كانا وكأنهما قد خلقا ليكونا معاً . وكانت الأماكن والناس وحبات رمل الساحل ، وأمواج البحر ، وهذا القمر المستهام جميعاً ، شهودَ هذا الحب الدافئ .
واستعار قلمها ليكتب بطاقاتهما البريدية . ” أطيب التمنيات من روز ورونالد ” . كان يكتب بتدفق عجيب ، حتى لأولئك الذين لم تكن هي تعرفهما من قبل . وكانت استعارته لقلمها تسرها للغاية ، فخورة لأنها احتفظت من الماضي بشيء يثير إعجابه .
واستمر رونالد باستعارة قلمها لتصحيح إجابات التلاميذ ، وأحيانا لكتابة الشعر .

ذات مساء من تلك المساءات البيتية اللطيفة ، إذ كانت تراقب انسياب القلم بين يديه وهو يعمل ، انتبه لها بطرف عينه ، رفع بصره فجأة :
– ” حدثيني عن هذا الـ نات ” .
– ” لقد أخبرتك ..”
– ” يبدو انه كان لك حظوة في نفسه ” ونظر بتفكر إلى القلم .
– ” حسنا … كان الأمر كذلك “..
– ” وأنت .. هل كنت مهتمة به ..؟!”
– ” بلا … لكن ، ليس بعد أن التقينا أنا وأنت …”
– ” أنا لم أود يا حبيبتي أن أسألك سابقاً ، لأن الأمر لم يكن … ” ، وابتلع ريقه ..” أعني ليس للأمر أهمية عندي الآن “
وطأطأت رأسها … وأعاد إليها القلم قبل أن يذهبا معاً إلى الفراش .. حين تعانقا تلك الليلة ، كان عنيفاً ، فظاً معها ، وهذا ما لم يكن من طبيعة سلوكه قبل ذلك .
ولم تلتقي نظراتهما على مائدة الإفطار ، التهم طعامه على عجل ، و قبل أن يخرج ذاهباً إلى العمل ، هتف بها برقة مشوبة بالتوتر :
– ” أيمكنني يا عزيزتي استعارة قلمك ..”
-” بكل سرور … “
دس القلم على عجل في جيبه ، رسم بشفتين جافتين قبلة على جبينها ، ومضى في شبه هرولة إلى الخارج ..
حين عاد مساءً ، كان في غاية الارتباك . بدا مشوشاً ، قلقاً ، متردداً ..
– ” روز … لا أدري ما أقول … إنني في غاية الخجل من نفسي … وغاية الندم “
– ” ما الأمر يا حبيبي … ما هذا الذي يثقل ضميرك بالندم والأسف ؟ “
– ” لقد … لقد .. فقدت القلم .. “
بدا في تلك اللحظة وكأنه موشك على البكاء..
– ” لا يهم يا عزيزي … انه ليس أكثر من قلم ..! “

أما في داخلها فكانت في الواقع ممتنة لتلك اللحظة التي ضاع فيها القلم ، وممتنة أكثر لأنه عاد سريعاً إلى تلك الطبيعة اللطيفة المهذبة الحنون التي عرفتها فيه .
– “نعم … لقد عاد لي سريعاً … برعمي الذي عرفته وأحببته …”

*****

وبعد أربعين عاماً من الحب ، فارق رونالد الحياة ….
وإذ كانت روز وابنتها ليللي ، تقومان بإعادة تنسيق وترتيب أشياء الحبيب رونالد ، والتي أحتفظ بها طوال حياته في صندوق كبير أنيق من خشب الأبنوس . امتدت يد ليللي لدفتر مذكرات صغير ، حين فتحته ، سقط في جوف الصندوق قلم حبر قاتم الحمرة .. ابتسمت روز ، ولم تعلق … وسرح بصرها في البعيد ، إلى أيام جميلة خلت ، وإلى ليلة وحيدة من الغيرة والفظاظة ، و…
– ” إنه لكي يا ابنتي ..”
– ” كلا يا أمي … هذا طراز قديم ….اعطيني قلم جاف عوضاً عنه … ” وضحكت .
– ” حسناً … “
وحين غادر آخر المعزين .. أمسكت روز بالقلم ، دسته في المحبرة ، وحين ارتوى… خطت :
– ” ألم ، عذاب ، حسرة ، أسى ، ….، “
وبكت … بكت بحرقة !!

كاتبة وروائية إيرلندية

تعليقات الفيسبوك

اترك تعليقاً

‫شاهد أيضًا‬

قراءة نقدية لرواية خرائط

بقلم: فائز حسن   عن الكاتب: نور الدين فارح كاتب وروائي صومالي يكتب بالإنجليزية ولد في…