BheSWxgCIAI5542

راشد يسلم :
للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

**

اليوم ما قبل السعادة في عقيدة اليهود هو اليوم السابق لرأس السنة ، وفيه يتحرر المرء من خطاياه ليعيش خفيفاً مستمتعاً بالحرية ، وفي رواية الإيطاليّ إنريكو دي لوكا (نابولي 1950) (ت: معاوية عبد المجيد، دار أثر) يفتش معنا عبر الصبي اليتيم ( الراوي الذي لم يذكر إسمه ) عن اليوم الذي يسبق السعادة مستعيناً بخبرات عرّابهُ حارس البناية الذي عرّكتهُ التجارب الدون غايتانو .

تدور أحداث الرواية في حارة شعبية بمدينة نابولي إبان وبعد الحرب الثانية التي عاشتها إيطاليا بمختلف كوارثها ومآسيها وانتصاراتها ، يرسم لنا لوكا من خلالها صورة عن المجتمع الجنوبي عبر سكان البناية التي يعمل بها الدون غاتيانو حارساً ، موضحاً التقاطعات العلائقية بين طبقات المجتمع وما تفعله الحرب في المباني والمعاني في آن ، فالحرب تخرج أسوأ ما في الإنسان .. وأفضل ما فيه .

يسخر لوكا من الأكذوبة الأمريكية عبر دخولهم دخول الفاتحين للمدينة رغم أن الثورة الشعبية هي التي كانت السبب الأساسي في جلاء الإحتلال النازي ، وكيف أنهم قاموا بتغير طبائع شعب نابولي ( الكاتب كرر ذكر حاملة الطائرات الأمريكية والتي كانت ترسو على شواطئ نابولي كنوع من أنواع الهيمنة الأمريكية على المدينة حتى بعد الجلاء) .

يستفيض لوكا الذي يتوكأ على ذخيرة حكائية عظيمة من مراحل طفولته في المدينة في ذكر مساوئ الحرب بلسان الدون غايتانو الذي عايش تلك الفترة ، مستوحيأ ” اليوم ما قبل السعادة ” من اليهودي الذي أنقذه من الموت حين أخفاه من بطش النازية في الغرف السرية .

وبإيعاز مشترك من الطبيعة ومن معلمه تنتقل فلسفة اليوم ما قبل السعادة لبطلنا الصغير فتتناسل الأسئلة الوجودية ، ورحلة البحث عن التعريفات الحقيقية للحب ، السعادة ، الموت ، الحرية ، والثورة .

لغة الرواية بسيطة من النوع السهل الممتنع .. شعرية ذات دلالات ورموز عميقة ، ويساعد عدد صفحاتها القليل نسبياً على إلتهامها في جلسة واحدة .

الخلاصة التي يمكن أن نخرج بها أن اليوم ما قبل السعادة هو وهم كبير لا حقيقة له إخترعه الإنسان لإلقاء همومه ومآسيه وإخفاقاته على أسطورة ، إذ أن كل يوم في الحقيقة هو : اليوم ما قبل السعادة

* إقتباسات من الرواية :

– كنا نحن الفقراء ننشف الورق بزفيرنا الدافئ حتى يرتعش الحبر ويغير لونه اما الآخرون ينشفون الورق بمنديل جاف يمتص الحبر. كانت طريقتنا أجمل بكثير بنفخة هواء فوق الورق المستطيل أما الآخرون يسحقون الكلمات تحت ذلك المنديل الأبيض .

– الحرب تظهر أسوأ ما في الإنسان دون شك لكنها تظهر أفضل ما عنده أيضا .

– ليس بوسع أحد أن يحاور أفكار الآخرين لأنها خرساء .

– المدينة في الليل كالجيب المقلوب .

– الثورة تعدل مزاج من بقوم بها .

– من أي مادة صنعت الحياة إن كان بوسع المرء أن يتنبأ حتى بالتفاصيل الدقيقة دون أن يستطيع التدخل لتغيير مسارها ..

 

تعليقات الفيسبوك

اترك تعليقاً

‫شاهد أيضًا‬

لماذا لا يُفضَح المزيفون ؟

الناظر لاشتراطات أنطون تشيخوف الثمانية التي يجب توافرها في المثقف، ويقارنها مع دور المثقف …