20140129063514845.jpg

ثامر البشير :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

**

مع كامل التقدير والاحترام وخالص التبريكات للمتفوقين في الشهادة السودانية هذا العام والأعوام السابقة وكامل الحفظ لاجتهادهم في تجويد ما أوكل إليهم من دروس وواجبات ، وكل ما يخص هذا الأمر على المستوى الفردي والشخصي ، وبمناسبة التقديم للجامعات الذي يهم به كل طالب هذه الأيام فإنني رأيت الحديث عن موضوع مهم ويجب الالتفات إليه بجدية والنظر والتأمل فيه بروية ، ومن قبل متخصصين وعلماء من أجل هذا السودان وشعبه …

إلى الآن مازلت أرى على المستوى الجمعي أن كل الضجة التي نعطيها لهذه الشهادة وكل الضغوط التي يتعرض لها الممتحن وأهله وكل الصورة الكبيرة الموضوعة لهذا الحدث ما هي إلا جهود مهدرة وطاقات ضائعة في غير موضعها ..

أولا لأن هذا الحدث بهذا الشكل تحديدا نراه إلى اليوم بالرغم من أن منبعه الأول أحداث وظروف تاريخية معينة ساهمت في خلقه ، عندما كانت الجامعة جامعة واحدة فقط ولا مواعين جامعية كثيرة غير جامعة الخرطوم وكلياتها ، ففئة قليلة من الطلاب هي التي كانت تظفر بكرسي فيها بينما البقية لا ، وهذا لا يعني بأي شكل من الأشكال أنهم أدنى مستوى بل الخلل في الوعاء وندرته وعدم تنوعه مما يحجم ويضيق على كل تلك العقول ليكون مصيرها غير الجامعة ذات السمعة العالية حينها والمكانة المرموقة ، هذا الوضع شكل وعيا بضرورة التسابق المحموم الذي امتد إلى اليوم بالرغم من الزيادة العددية للجامعات والتي تمثل تخفيفا لضيق الفرص سابقا وبقي الآن التحسين النوعي لهذه الأعداد فقط ، إلا انه وبالمقارنة يعد وضعا أفضل من ذي قبل ، أقول وبالرغم من هذا ما تزال نفس وتيرة التسابق المحموم موجودة بكل زخمها ..

ثانيا وهو الأهم فإن التخصصات ذاتها التي يتسابق إليها المتفوقون في المجمل هي تلك التخصصات الطبية والهندسية ، وهما في الخلفية الذهنية للمجتمع السوداني إلى اليوم الأعلى والأرقى والكل ينشدهما وساعدت العوامل الاقتصادية والعوائد المستقبلية الموعودة للمنتسبين إليهما في زيادة الطلب عليهما من الطلاب مما جعل نسبة القبول بها تصعد أيما صعود لتقارب المائة في المائة ، يحدث هذا للطب والهندسة للدرجة التي أصبحت فيها هذه التخصصات الأولى والأسمى والأرقى في الحس العام ، بينما أرى أنها ليست كذلك لمجموع الناس وتقدمهم وتطورهم ، نحن نحتاج بشدة إلى تغيير هذه المعتقدات التي رسخت نسبة لظروف الاقتصاد ، بل إن هذه الثقافة نفسها تغذي الدائرة وتكملها لتزيد التدهور في الاقتصاد وتضره ، و أظن أن المستعمر هو من زرعها في أذهاننا وما زالت فينا إلى اليوم ، يستفيد المستعمر من الأعداد الهائلة للأطباء مثلا الذين يتسابقون إليه ، نحن مستعمرون يا سادة بالأفكار التي تعمل فينا على المدى الطويل إلى اليوم ، لا نعيد التفكير فيما يصلح لنا ، بما يهم واقعنا الحالي ونكتفي بما وجدنا عليه آباءنا واللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى ،

دائما ما أتساءل لماذا تحتاج بريطانيا وأمريكا إلى الأطباء بشدة من الخارج إلى اليوم ؟ هل يمكن أن تكون فشلت في التخطيط لهذا الأمر ؟ هل نحن أذكى منهم حتى ندرس الطب كما نظن وهم لا ؟ والإجابة عندي ببساطة كلا ، هم أذكى بكثير منا ، وتوجهات مجتمعاتهم مرتبة بشكل صحيح تماما حسب الأولويات وحسبما يفيد مجموع البشر وليس النظر إلى الفرد وحده ..

لا يطربني كثيرا نجاح الفرد السوداني في الخارج في هذه العلوم ، يظل نجاحا على المستوى الفردي فقط ولا يستفيد المجتمع السوداني من هذا شيئا إلا بالاعتزاز النفسي والشعور الزائف اللحظي بالانجاز الوهمي ، انجاز السراب ، ودعونا نكن صريحين مع أنفسنا ..

وحتى لو كان بالداخل تظل هذه التخصصات تخصصات خدمية فقط وليست إنتاجية ولا تساهم حقيقة في التقدم الحضاري ،ولا تعد كونها أكثر من مظهر من مظاهر التطور وليست سببا أصيلا في خلقه ، التطور الحقيقي يصنع من تخصصات أخرى وفيها ، ما زلنا إلى اليوم ننظر إليها بأقل من قيمتها الحقيقية .

في تقديري فإن التخصصات التي ينبغي أن تحل في أعلى الأولويات عندنا كثقافة مجتمع هي التخصصات الأدبية وتخصصات السياسة والاقتصاد والفلسفة والتربية وعلوم الأديان والقانون ونحوها من العلوم الإنسانية ، نحن بحاجة إلى التوجه والتسابق في هذه التخصصات بالفعل فهي التي تصنع شكل المجتمع وتطوره وتساعد في تقدمه إلى الأمام ونهضته وكل مشاكلنا في الحقيقة هي نابعة من إهمالنا لها ..

نحتاج بشدة إلى علماء في القانون والسياسة والاقتصاد ، نحتاج عباقرة يخططون لمجموع السكان ، عقول فذة يمتد إنتاجها للشعب جميعا ، النجاح الفردي لا يعني كثيرا أن لم يساهم في النجاح المجتمعي ككل ، كأمة من الناس موجودة في بقعة واحدة ولها مصالح مشتركة تحكمها الجغرافيا والتاريخ..

نخسر كثيرا نحن بهدر معظم العقول في العلوم الخدمية وحدها ..

ينبغي للدولة إن أرادت تطورا وتقدما أن تسعى لكسر هذه الدائرة عبر التحفيز والاهتمام الجاد بهذه التخصصات ، الإغراءات التعليمية والفرص المعيشية المستقبلية والرعاية الجامعية الكاملة وما بعدها لمن يطلب هذه التخصصات حتى نحبب إليها الناس ، ثم برفع الوعي بين طلاب المدارس منذ المراحل الأولى للدراسة الثانوية بفلسفة التعليم ككل ولماذا هم يدرسون أصلا ، والربط بين المواد وبين أهميتها الحياتية وملامستها لواقعهم ، ومن هذا المنبر اقترح أن تدرس العلوم الإنسانية جميعها من ضمن المنهج الدراسي وتكون موزعة بالتدريج منذ المراحل الأولى للتعليم حتى تتوسع الأذهان لأفق رحب من التفكير والإبداع الذي يصب في نهاية المطاف في خدمة دولتنا وتطورنا كمجتمع ..

تعليقات الفيسبوك

3 تعليقات

اترك تعليقاً

‫شاهد أيضًا‬

عادات تربوية

ثامر البشير : للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا ** كثيرا مما نجد الآن من…