مأمون

مأمون الجاك :
للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك إصغط هنا 

حاملا ورقتك الأخيرة هاهنا ، لاهثا بين ممرات المستشفيات والشوارع وقاعات المحاكم …

بعد أن يتم توقيع هذه الورقة سترتاح إلى الأبد ، سيتمدد القبر ليصبح وطنا ويتقلص الوطن ليصير قبرا .

أن تحمل ورقة مختومة بختم ( الشهيد ) هذا يعني : إجراءات دفن أسرع وقبر أوسع وحياة أفضل هناك ومميزات أخرى كثيرة .

شهيد … شهيد ، في الحقيقة لم تكن أنت نفسك لتختر ميتة أفضل من هذه :

الاسم : … … …

الديانة : مسلم

سبب الوفاة : طلقة طائشة تسببت في نزيف حاد

تاريخ الوفاة : ذات مظاهرة .

الختم : ——– ” هنا يجب توضيح إذا ما كان شهيدا أم لا “

صاعدا سلالم المحكمة ، هذا هو الإجراء الأخير وبعده الراحة الأبدية … تتلألأ حبات العرق على وجهك وتفوح منك رائحة المسك ،

أليس هذا كافيا للاعتراف بك شهيدا ؟

أنت تعرف قاتلك ، لقد بحثت عنه كثيرا حتى وجدته أخيرا يتلذذ بشرب القهوة في أحد الأزقة ، سلمت عليه دون ضغينة ورد السلام بلامبالاة ، استغرق وقتا طويلا كي يتذكرك :

– في الحقيقة لقد قتلت عددا ليس بالقليل في حياتي وخصوصا في تلك المظاهرة ، ولست ملزما بحفظ وجوه وأسماء قتلاي … أليس كذلك ؟

– نعم … كما أن العاهرة ليست ملزمة بتذكر زبائنها .

– حسنا ، والآن ماذا تريد ؟

– فقط اشهد بأنك قتلتني وأني شهيد ، وسأعفو عنك أمام الأشهاد .

– المشكلة أن الاعتراف بك شهيدا يعني ضمنيا الاعتراف بأن الحكومة تقتل مواطنيها ، وهذا ما قد يسبب حرجا كبيرا لها أمام المجتمع الدولي وأمام الرب . ويجعلني في خطر كبير ..

لماذا لا تفاوض الحكومة لكي تبعثك في زمرة ( الصديقين ) وحسن أولئك رفيقا ، وبهذا تزيح الحرج عن الجميع ؟ قالها ساخرا وبضحكة نزقة

. مجرجرا أذيال خيبتك ، مضيت تبحث عن منفذ أخير ، كل الذين يشهدون أنك مت في ذلك اليوم ، ماتوا هم أيضا …

بعضهم مات في تلك المظاهرة وآخرون ماتوا في ظروف غامضة ، حتى أنت بدأت تشك في موتك : لا جرح غائر ولا بقايا دماء ولا ذكرى واضحة سوى وجه من قتلك وصرخات هنا وهناك .. لا ملائكة ، لا انفصال عن جسدك ، ولا رؤيا .

ربما لم تمت .. ربما ما زلت حيا ، بالطبع لست شبحا ولا طيفا ، لكن سموك عن الحاجات الدنيوية وعدم بغضك حتى لمن قتلك ( لنقل حاليا أنه أصابك بطلقة حتى تثبت أنك مت ) ..

محكمة : صرخ الحاجب .

قام الحضور إجلالا للعدالة العمياء التي لن تراها بالطبع ، امتلأت القاعة : إعلاميون ، محامون ، عاطلون ، كلهم جاؤوا ليشاهدوا مجريات هذه القضية الغريبة : شخص يدعي أنه قتل برصاص الحكومة أثناء مظاهرة مع ذلك هو يمثل أمام المحكمة بذاته : ضحية وشاهدا وحيدا … أن تكون الجلاد والحكم في آن واحد هذا شيء اعتاد الناس عليه ، لكن أن تكون الشهيد والشاهد فهذا لا يحصل كل يوم .

لقد بحثت كثيرا عن محامي يترافع عنك ، لكنك لم تجد مجنونا مثلك ، كلهم قالوا أن قضيتك خاسرة …

ورائحة المسك … ماذا تعني رائحة المسك ؟ العطارون منتشرون في كل أزقة المدينة : قالها أحد المحامين هازئا ، الحكومة أيضا لم ترسل محاميا ليدافع عنها فقد اكتفت بالقاضي .

القاضي : لقد قلت بأنك استشهدت في يوم ما في مظاهرة ما .. أليس كذلك ؟

أنت : نعم .. سيادة القاضي .

القاضي : ألا تتذكر التاريخ والمكان ؟

أنت : للأسف .. لا يا سيدي .

القاضي : حسنا .. لماذا خرجت في مظاهرة ؟ ألا تعرف أن هذه جريمة يعاقب عليها القانون ؟

أنت : لقد خرجت ضد الظلم ، من أجل هذا الوطن : الفقراء ، الجوعى والغلابة ، الحرية .

القاضي : وأين هم الذين خرجت من أجلهم ، أليسوا هم هؤلاء الذين يتابعون محاكمتك ؟ ثم ما هو الدليل على موتك ، وأنت تقف هنا أمامنا ؟ الدستور ينص على أن : ” الشهيد من مات دفاعا عن الوطن في مواجهة عدو خارجي ” هذا ما يعترف به القانون ، أما أي تفسيرات دينية أو فتح ذريعة يدخل منها كل من يدعي أنه شهيد فهذا لا يعنينا .

لذا فقد حكم عليك بالسجن بتهمة إزعاج السلطات وتشويه صورة الحكومة .

مقيدا بالأصفاد لمحت وجه قاتلك مبتسما في نهاية القاعة

تعليقات الفيسبوك

اترك تعليقاً

‫شاهد أيضًا‬

مساع عبثية: المحاكاة

      نعرف؛ منذ بورخيس ورولان بارت، أن كل عمل فني متشظ زمنياً، وأنه لا وجود لذلك العمل الك…