1_713

أذكر جيدًا أنني كنت طفلًا هادئًا طوال مراحلي التعليمية الصغرى و حتى بدايات المرحلة الثانوية و أجزم أن من تعرف إلي بعد ذلك لن يستطيع تصديق هذه المقولة فلقد تغيرت شخصيتي إلى النقيض و صرت مصدرًا مستمرًا للشغب و الإزعاج و لكن كان القاسم المشترك بين الحالتين و الأمر الوحيد الذي لم ينقلب حاله هو ذلكم الشغف الذي يسكنني و تلكم العلاقة التي تربطني بقوة مع لغة الضاد و رغم انخراطي في المساق العلمي إلا أن عشقي للمادة اللغة العربية كان الأقوى و استيعابي لها كان الأفضل من بين كل ما أدرسه و لعل علاقتي تلك مع اللغة العربية قد بدأت و نمت دون أن يكون لي فضل في ذلك .. ولعلها كانت نتيجةً حتمية للظروف التي وجدت بها .. بين كوني الابن الأكبر لأبوين متعلمين و استعداد فطري .. شققت طريقي دون أن أدري ..

لا زلت أذكر و أنا في سنتي الدراسية الأولى وكنت قد تلقيت تعليمًا قبل المدرسة مما جعلني استطيع قراءة و كتابة الحروف و قليلًا من الكلمات بصورة لا بأس بها مما كان دافعًا حدا بوالدي أن يرفع درجات ما يتوقعه مني .. لا زلت اذكره و نحن ننتظر وجبة الغداء بعد عودته من العمل و هو يضع صحيفته اليومية بين يدي الصغيرتين و يطلب مني قراءة العناوين .. نظرته و ابتسامته الفخورة بي و أنا أتلجلج لأجمع الحروف و انطقها كلمات وجملًا كانت أغلى و أعز جائزة نلتها .. والدتي أطال الله في عمرها و حفظها لنا وبحكم تخصصها و خبرتها الطويلة في مجال التعليم كانت تتولى الإشراف الأكاديمي و متابعته معي و مع إخوتي من بعدي .. أما والدي فقد كان معجبًا باستيعابي للغة و هو أساسًا قارئ نهم و شغوف رغم خلفيته العسكرية لذلك كان يتابع تطوري في هذا الجانب و يرفدني دائمًا بما يرى انه مناسب لما وصل إليه تقدمي

 حتى وجدتني و أنا في الثانية عشر من عمري اقضي وقتًا طويلًا متنقلًا بين كتابات صلاح عبد الصبور و أمل دنقل و درويش و غيرهم من الشعراء الذين شكلوا دهشتي الأولى .. خلال الفترة ما بين قراءاتي المتعثرة لعناوين الصحف و انغماسي في عيون الشعر الحديث تأطرت علاقتي باللغة من خلال الدراسة المنتظمة و على يد أساتذة أجلاء أدين لهم بالفضل ، تعرفت إلى قواعد النحو و الصرف و الإملاء و ما إلى ذلك و كان لما سبق أن ذكرته من اهتمام بالمنزل أثرًا كبيرًا في تفوقي المدرسي خصوصًا في مادة اللغة العربية و أذكر أنه كثيرًا ما كان يأخذني أستاذي لفصل آخر لإعراب جملة أعيت تلاميذ ذلك الفصل …

 و أنا في العاشرة بدأت متأثرًا بكل ذلك في كتابة بعض الخواطر المقفاة و عرضها على والدتي التي احتضنت هذه الخواطر و باتت تحضني دائمًا على كتابتها و تسألني عن الجديد .. وهكذا مرورًا بالمرحلة المتوسطة و النشاطات المدرسية و الجمعيات الأدبية و عبورًا للمرحلة الثانوية حيث تعرفت إلى الشعر الجاهلي و عشقت المعلقات و أحببت حصص البلاغة و أدمنت كتاب شوقي ضيف حتى كانت القفزة الهائلة التي حدثت حين وطئت قدماي أرض جامعة الخرطوم بعد قبولي كطالب في كلية الهندسة .. ولعل أول ذكرياتي و أول مرة ادخل الجامعة كانت مع مديح الظل العالي و محمود درويش بالميدان الشرقي للجامعة .. كانت حقيقة لا زلت أعيش حلمها حتى اللحظة .. درويش بموسيقاه وأحرفه خارج دواوينه .. كلماته التي عانقتني منذ طفولتي هاهي جسد حي و حضور طاغ يترنحني و أنا أضع أولى خطواتي بعد القبول .. كانت هذه أجمل البدايات لعهد جديد .. المنتدى الأدبي لجامعة الخرطوم .. الأمسيات الشعرية .. أمين عثمان و طارق حاج التوم نجمان من كلية الهندسة كانا يعطران الليالي الشعرية للمنتدى و يتركان بقايا الدهشة عالقة في دمي .. محجوب شريف و حميد كل ما تقرأ تجده يومًا ما أمامك .. وسرعان ما تلقفني أمين و طارق و معهما بدأت الخطوات .. بت مشاركًا في كل الأمسيات و تعرفت إلى منتديات المدينة .. واستمر بي الحال كذلك حتى تخرجت و في هذه الفترة تم نشر أحد النصوص في الملحق الثقافي لصحيفة السودان الحديث التي كان يشرف عليها القامة الأديب نبيل غالي و بت اكتب عمودًا راتبًا في إحدى الصحف الاجتماعية .. ثم توقفت تمامًا … فالحياة العملية أجبرتني على الابتعاد عن الخرطوم و انغمست في دوامة العمل و لم تكن هنالك هواتف ذكية أو كمبيوترات محمولة و في بعض الأوقات كان مجرد وجود ورقة و قلم و وقت للكتابة ترفًا لا املكه .. و بعد ذلك سافرت إلى المملكة العربية السعودية و استمر الانقطاع إلا من بعض الهنات تارة و أخرى .. و لعل عودتي إلى السودان كانت سببًا في أن أعود بنفس الشغف القديم الذي لم تؤثر فيه هذه المدة الطويلة من الانقطاع

تعليقات الفيسبوك

25 تعليق

  1. I really love your website.. Excellent colors & theme.

    Did you create this website yourself? Please reply back as I’m trying to create my
    very own website and would like to learn where you got this from or
    exactly what the theme is called. Cheers!

اترك تعليقاً

‫شاهد أيضًا‬

نهايات فجر يتيم

سأكتب بنفس اللغة الركيكة بابتسامة بائسة و ذات المخافة أحدث نفسي عني وأذكر للموت صمت الخراف…