fathers

موافي يوسف: 

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط  هنا 

**

أتخيّلـُـني حينما أُصبِحُ رجلاً كهلاً .. وأتزوجُ من بنتٍ جميلةٍ .. تشبه ثمرة الأناناس ..

سنُنجِبُ بنتاً جميلة أيضاً وشقية.. لها وجَنتا أبيها الكهل .. وعينا أمِّها البرّاقتان اللّتان تشبهان قمَرين مُستديرين في صحْنِ السَّماء ..

أمها ذكية ولمَّاحة ومِهزارةً في لُطف ، رشيقةً في شكلهِا وأنيقةً في ملبسِها وخفيفةً في الروح ، وفوق ذلك ، وهو ما يَهُم ، أنها تؤمن بِقُدُسية الكتاب ، لذا لا ضير إن قلنا بأنها قارئة حصيفة وكاتبة لها أحرُف آسرة ، فهي ليست من شاكِلة من يكتبون من أجل الكتابة فقط . لذا دائماً ما تقول لي : “الكتابةُ ما هي إلا انعكاس حرفي لصوتِ الروح” ..

ثم تَزُمُّ شفتيها الرقيقتين الحُلوتين وتُطرِقُ برأسِها قبل أن تَهُزُّه وهي تُردِفُ كمن تذكر شيئاً مُهماً للتوّ : “كل ما عليك هو أن تكون مُنصِتاً جيداً لصوتِ روحِكَ يا حبيبي” ..

هكذا كانت تقول جميلتي التي تشبه ثمرة الأناناس ..

أما عني -أنا الرجل الكهل الَأتَخيَّلُني- فقد كان أصدقائي دائماً ما يقولون لي : “أنت يا موافي شخص بابلُومِينياني” ، نعم كانوا يقولون عني أنني شخص مُصاب بهَوَسِ الكتب ، أيضاً كما يقول لي صديقي الروائي مُنجد باخُوس : “يا صاحِبي أنت مُصاب بالمعرفة” !

في الحقيقةِ أنا لا أُخفي هَوَسي بالكتب ، نعم تنطبق عليَّ كل أعراض البابلُومِينيا دون أن تنقص قيد أنمُلة ، بيد أنني أقرأ ما أشتري وان كنت أشتري بنهمٍ ما يفيض عن حوجتي للقراءة في ذات الوقت ، ولكن كنت أرى ذلك من باب “سيُقرأ في قادمِ الأيام” .

أذكر لهوسي هذا بشراء الكتب أنني كنت أقبض يدي كل القَبض عن شراءِ قميصٍ أنيق ماركة بُولُو أو بِنطالَ جينزٍ أزرق اللون عليه ماركة لعلامة تجارية شهيرة ، بيد ما تجدني أبسطها كل البسط كلما وقعت عيني على مجموعة من الكتب . كنت سخياً للدرجة التي تسخر منها حبيبةٍ كنت أحبها ذات يوم وقد فرقتنا الأيام لأسباب ساذجة ، وقد تكون منطقية ، فالحب يعمي البصيرة أحياناً إن لم يكن غالباً ، كانت تسخر وهي تشير بإصبعها الرقيق الأنيق ذو الميناكير الأحمر اللون المطليِّ على ظُفرٍ طائِشٍ قليلاً عن حدِّه ، تشير به إلى رُقعةٍ مَخِيطةٍ عند موضع الرُكبة على بِنطالي الجينزيِّ القديم :

“ده شنو هسه ما تلبس زي الناس ! اشتري ليك هدوم ، قروشك كلها خامي بيها كتب” !

كنت أقول لها “يا للغبية” ، في الحقيقة كنت أقولها في دواخلي ، حبيبتي هذه ربما لا تدرك أن ثمن بنطال جينز محترم يربو على المائتان وخمسون جنيهاً ، وطبعاً هذا مبلغ ضخم حتماً ، إنه كفيل بأن يزُجَّ في مكتبتي بحوالي عشرة من الكتب المحترمة ! ثم إنني لا يهمني كثيراً التأنُّق المُفرِط للعامة بقدرِ ما يَهُمُّني الإهتمام بالتأنق العقلي المعرفي ، هذا ما يَهُم . هنا أود أن أشير إلى أنه ، ولربما ، وحسب ما أعتقِد ، أن هذه كانت القشة التي قصمت ظهر البعير لمشوار حبنا ، كيف لا وهي حبيبة لا تحترم ‘بابلُومِينِيَّتي’ !

أعود إلى أناي الكاهِلة الآن ، وإلى حبيبتي ذاتِ العينين البراقتين وبنتِنا الجميلة ..

فأتخيـّـلُ البيتَ .. سيكون البيتُ مثل مكتبة ضخمه , نَسِيها التاريخُ هُنا , ومضى .. ستكبُر البنت -مممم سأُسمِيها راِحيلْ .

حسناً,

وهي ما تزالُ تحبُو , سأُحبِّبُها في الكتب ..

سأقرأُ أمامها مئةَ عامٍ من عُزلةِ غابريال غارسِيا ماركيز , وروايات إيفواندُريتش .. سوف لن تفهمَ شيئاً .. نعم أعلمُ ذلكْ .. لن تفهمَ شيئا ً, ستظلُ تُحمـلِقُ فِيَّ , ربما تظنُ وأنا دافنٌ رأسي بين دفّتي الكتاب , أنني ألعبُ معها (البُمبَه بمبه), ستضحكُ ضحكةً ملائِكية , وهي على الأرض تُرفرِفُ بيديها كمن يريدُ أن يطير .. لذا سأجعلُها في مراتٍ كثيرة , تُمرِّر يديها البَضّة على الكُتبِ كمن يتحسّــسُ وردةً حريريـّـةَ الملمسْ , ثم أعتادُ لأن أجعلها تشْتـَـمَّ الكتب التي دائماً ما أُشبِّه رائحتَها برائحةِ الخُــبزِ الساخِن .. لذا أعتقدُ أنها ستُحِبها , وستعشقُ الورقَ والكتب , منذ وهي تحبُو , وبالكاد تسْتطِع أن تقولَ ” بابَا” ..

ممم , ولكن أتخيـّـلُني ذاتَ يومٍ وأنا قادِمٌ من العمل , فأراها تحبو , وخلفها كتابٌ وقد نُــثِر ورقُه , وتشتّت مثلُ الذُّباب .. وورقٌ آخر محشُورٌ في فمِها الصّغير ! حينها, سأصرخ بأعلى صوتي , ودون وعيٌ مني : ياااااااااا إلهيْ !!

ستلتفتُ نحوي , وتفتحُ فمَها الصّغير لتُشرِق عبره ســِنّتان بيضَاوتان صغِيرتان , وابتسامةٌ وضيئةٌ مثلُ ابتسامةِ أمها الجميله ..

وهي تبتسم هكذا ابتسامَتها النّورانيـّـة الملائكية هذه , (أُدنقِرُ) نحوها , وبانفعالْ , أعُضُّها في يدها , حتى تحفُر أسناني الكبيرة في يدِها البَضّه , وستصرخ !!

سأقف مُتجهِّماً ..

وأنظرُ إليها وهي تصرُخُ مثل ملسُوعٍ , لسعته عقربْ !

ستبدأُ ملامِحُ وجهي الغاضبة في الارتِخاءْ ..

سأزُمُّ شغتيَّ , وعينيَّ كذلك , وأنا أعتصِرُ من الألمْ ..

سينتابُني شُعورٌ حينها , بأنني وغدٌ وحقِيرٌ بِشَهاده !

سأبتسم -وأنا أهــُزُّ رأسي- بمرارةٍ بالغه , سأبتسم في وجهِها الملائِكيِّ الباكِيْ ..

(سأُدنقِرُ) مرةً ثانية , وأحمِلُ الصــّغيرةَ إلى حُضني ..

سأقولُ لها إني أُحـِـبكْ ..

أُحِــبكْ , يا صغيرتي ..

وأحمِلها إلى البِقالة ..

سنشتري الشِّــيبسَ وكثيراً من الحلوى التي تُحِــبُّها ..

وكذلك قطعتا إســنِيكَرزْ ..

ستُمسكُ قطعة إســنِيكرز بعد أن أُعرِّيها لها .. وتقضُمُ بِسِــنّتاها الصغيرتان الإســنيكرْز ..

فيمتلئُ فمُها وما حولُه بالكاكاوِ البنيِّ المحرُوق , وتبتسمُ لي تلك الإبتسامةُ البرّاقة , والدُّموعُ النازّة تجُفُّ في مُقلتيها وقد رسمت على خدّيها خطّين مُتعرِّجين يابِسين , مثل دربين في حقلٍ مُهمَل , وفمُها (مُجلبَطٌ) بالكاكاو .. فتشبه ابتسامَتها بِسِــنّتاها البيضَاوَتان الصّغيرتان البارزتان , تشبه لي شقشقةَ العصافيرِ الصّــغيرة ..

سأطبعُ على خدِّها قُبله , وأنا أُرقِدُها فوقَ صدريْ .. فتنامُ مُبتسِمة , وفمُها ما يزالُ (مُجلبَطٌ) بالشِيكُولاتةِ ذاتِ اللون البُنيِّ المحرُوق , بينما أتخيّــلُني أقرأُ في(كافْكا عَلـى الشَّاطِئْ) …

تعليقات الفيسبوك

اترك تعليقاً

‫شاهد أيضًا‬

مَقتلُ ناوكا

    (1) الجثةُ مسجيةً على الكرسي، مُمدِّدةٌ أطرافَها، باردةٌ وقد بدَت بعض التورُّماتِ الطّ…