سانديوس

سانديوس كودي:

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

كثيراً ما أثيرت تلك التساؤلات التى تحاول سبر غور العلاقة بين الكاتب والقاري، وطالما إن النص يشكل محور الإرتباط الرئيسي في تلك العلاقة، فإن خصائص العلاقة بين الكاتب والقاري تتمحور حول ما بالنص من آليات وخصوصيات، ورغم إن النص يؤول فكرياً للكاتب إلا ان القاري بدوره يمتلك حق قراءة النص بأي مما يحمل من أدوات لغوية ومعرفية تستنبط للنص من معاني ربما قد لا تكون في مقصد الكاتب، وكما يقول أحد الكتّاب في تشبيه العلاقة بين القارئ والكاتب: ” العمل الأدبي أشبه بنزهة مشتركة يشارك فيها الكاتب بالنصوص بينما يساهم القاري بالمعاني”

هذا ما يجعل القارئ شريكاً اصيلاً في صناعة أي عمل أدبي مثله مثل الكاتب، والأمر بديهي جداً يتفق عليه أغلب المفكرون المهتمون بأمر الكتابة والنص، فهذا على حرب يقول عن القاري والقراءة في كتابه نقد الحقيقة : ” كل قارئ، يعرض ذاته ويتحدث عما يعرض له من معنى او صورة أو رسم، حين يتعرض للنص بالشرح والتفسير أو بالنقد أو التأويل، ولذا فإن القارئ، إذ يقرأ إنما يعيد إنتاج المقروء بمعنى من المعاني، وعلى صورة من الصور”. ويضيف في نفس الكتاب، “فليست القراءة إذن مجرد صدى للنص ، إنها إحتمال من بين إحتمالاته الكثيرة”. إذاً فالقارئ يشارك الكاتب بفعالية وحركية في صناعة أي نص، والنص بعد إن يصبح متاحاً للقراة فإنه يصبح ملكاً لهم يفسرونه كما يشاءون ويأولونه كيفما توفر لهم من ذخير لغوية، ولربما هذا ما يجعل العلاقة بين الكاتب والقارئ مفتوحة بقدر إحتمالات معاني النصوص، والنص إذ يزداد جمالاً كلما كثرت تأويلاته وتوسعت معانيه لدى جمهور القراء ،فإن القارئ يشكل بقراءته ضلعاً أساسياً في تحديد جودة أي عمل أدبي متاح للقراءة. والحقيقة يوجد عامل أهم يعتمد على علاقة آخرى بين القارئ والكاتب تساهم بدرجة اكبر في تجويد عمل أي كاتب، هي تلك العلاقة الخاصة التى تجمع بين الكاتب ونفسه القارئة، فالكاتب هو قارئٌ جيّد قبل أن يصبحُ كاتباً، وفي مرحلةِ ما من مراحلِ كتابةُ أي نص يحتاجُ الكاتبُ لإن ينفصلُ عن كونهِ كاتباً ليقرأ نصهِ، يحتاج أن يتقمص دور أي من قرّاءهِ ليطلُ على نصهِ من زاويةٍ أخرى، تلك المرحلة هي التى تسبقُ قرار نشر أي نصٍ وتعميمهُ لجمهور القرّاء، وخلالها تتمزقُ الكثير من النصوص التى لا ترضي ذوق الكاتب القرائي رغم إنها قد لا تكونُ بتلك الدرجةِ من السوء، ولكن الكاتبُ – في الأغلب – لا يخاطرُ بنشرِ نصٍ يراهُ هو سيئاً، وبما إن درجة إستذواق النصوص تتناسبُ طردياً ومعدل القراءةِ، فان نصوصُ الكاتبِ المنشورةِ تزدادُ جودتها كلما اكثر من القراءةِ ومن ناحيةٍ تزدادُ سلةِ مهملاتهِ امتلاءاً بنصوصٍ ربما تكونُ اجود من نصوصٍ أخرى منشورة لكتّاب اخرون اقل استذواقاً للقراءةِ، وفي شان تمزيق النصوص يقول الروائي العالمي غابرييل قارسيا ماركيز في مقال له عن الكتابة : “فقد عُدت مؤخراً الى مكتبي في مكسيكو، حيث تركت منذ سنة كاملة عدداً من القصص القصيرة غير المكتملة ورواية كنت قد بدأت بكتابتها، ووجدت اني لم أجد طرف الخيط كي تكرّ اللفافة، بالنسبة للقصص القصيرة، لم أجد أي مشكلة، لقد صارت الى سلة المهملات، فبعد قراءتها اثر سنة من الغياب الصحي، اتجرأ على أن أقسم-وربما كنت محقاً- بانني لست كاتبها، إنها تشكل جزءاً من مشروع قديم يتألف من ستين قصة قصيرة أو أكثر، تتناول حياة الامريكيين اللاتينيين في اوربا، وكان عيب هذا القصص الاساسي والسبب في تمزيقها هو اني انا نفسي لم اقتنع بها”. والسبب ذاته هو الذي جعل الكاتب الارجنتيني بورخيس يرى نفسه في مرحلة ما من عمره غير كفوءا لكتابة القصة رغم إنه كان يحب القصص ورغم إنه كان قد قرأ العديد من المجلدات “طفولتي مرت كلها في المكتبة، مكتبة أبي الكبيرة، سمح لي بقراءة كل الكتب حتى المحرمة على سني… قرأت الف ليلة وليلة من أولها لأخرها، احتشدت بالسحر كنت ماخوذ به.. ثم اكتشفت اني لم اخرج قط من هذه المكتبة.. ولمدة طويلة شعرت اني غير كفء لكتابة القصص، ورغم ذلك كانت النوع الذي فضلته على الدوام”. بورخيس وماركيز وغيرهم من الكتاب العظماء عانوا من ذلك الهاجس الذي ربما أضاع الكثير من النصوص، تلك التى عدلوا عن كتابتها منذ الوهلة الاولى أو تلك التى ألقوا بها في سلة المهملات لأنها لم ترضي ذوقهم كقرّاء، تلك النصوص التي ربما لو تركت لكانت أجمل من كثير من النصوص التي قرأناها لكتاب اخرون ولكنه هاجس “الرقيب الذاتي”، والذي- كما يقول صديقي مامون الجاك في مقال له عن هواجس الكتابة- لا يستطيع الكاتب مهما فعل الفكاك منه، “يمكن للكاتب أن يتخلص من ضميره وحتى من ظله لكنه لا يقدر على الفكاك من أسر رقيبه الذاتي ، لذا إذا أردت أن تصير كاتباً فاحذر رقيبك الذاتي ، راوغه عندما تكتب ان استطعت ، اعقد معه هدنة ، لا تقتله – لأنك ستحتاجه عند مراجعتك لنصوصك لا عند كتابته”. ثم يقتبس مامون في نفس المقال مقولة لماركيز “الكاتب الجيد يُعرف بما مزقه لا بما نشره ” هذا ما قاله ماركيز ، لكن من سيعرفك عندئذ ؟ السلة التي ترمي فيها أوراقك ؟. ورغم ما يقوله رائد الواقعية السحرية ماركيز، فان قرّاء رواياته في كل أصقاع العالم لم يحسوا يوماً بانهم في حوجة ليبعثروا سلة مهملاته ليتيقنوا من جوده أعماله فما نشره كان مقنعاً جداً، وربما أعطت اعماله العظيمة موشراً بأن سلة مهملاته دفنت الكثير من الاعمال الجيدة، بل إن ذاك يبدو في إطار المؤكد، فقد إستطاع احدهم مرة أن يعيد جمع بعض ما بسلة ماركيز، ويقول هو عن ذلك: “عشية سفري الى اوربا كموفد خاص من صحيفة الاسبيكتادور، حين جاء الشاعر خورخي غيتان دوران الى غرفتي في بوغوتا ليطلب مني أن أترك شيئاً ينشره في مجلة ميتو، كنت قد انتهيت من مراجعة اوراقي، فوضعت في مكان أمين ما رايت انه جدير بالحفظ، ومزقت ما هو ميؤوس منه، بدأ غيتان دوران بالبحث في سلة المهملات عن الاوراق الممزقة بنهمه الذي لا يرتوي نحو الأدب، وخصوصا نحو إمكانية اكتشاف قيم مغمورة، وفجاءة وجد شئ لفت انتباهه، فقال لي: “لكن هذا صالح جداً للنشر” فاوضحت له لماذا مزقته: “إنه فصل كامل انتزعته من روايتي الاولي عاصفة الاوراق- وكانت الرواية قد نشرت ذلك الحين-ولا يمكن أن يلقى مصيراً مشرفاً إلا في سلة المهملات”. لم يتفق غيتان دوران مع وجهة نظري، ورأى أن النص قد يكون فائضاً عن الحاجة في مسار الرواية، ولكن له قيمة مختلفة بذاته، فخولته- ليس لقناعتي بوجهة نظره بقدر ما كان ذلك لإرضائه- صلاحية ترقيع الأوراق الممزقة بشريط لاصق، ونشر الفصل على انه قصة قصيرة. “واي العناوين نضع له؟” سالني مستخدماً صيغة الجمع قلما كانت دقيقة كما هي في تلك الحالة، فقلت له: “لست ادري، فهذا لم يكن سوى منولوج ايزابيل وهي ترى هطول المطر في في ماكندو”، وكتب غيتان دوران في الهامش العلوي للورقة الاولى، وفي الوقت نفسه الذي كنت اقول فيه: “منولوج ايزابيل وهي ترى هطول المطر في ماكندو” وهكذا استعيدت من القمامة احدى قصصي القصيرة التى قوبلت بافضل اطراء من جانب النقاد، ومن جانب القراء على وجة الخصوص. اذاً فالرقيب الذاتي هو ضمير الكاتب، الذي يثنيه عن نشر أي عمل لمجرد أن يشك في جودته، حيث أن الكاتب يضع نفسه محل القارئ مباشرة كلما أنهى كتابة نص من نصوصه، ثم بعدها يقرر أن يشارك عمله الاخرين أم لا. فان كنت كاتباً وقارئا جيداً فانك لا محال ستلقى بين الحين والاخر بنص من نصوصك في سلة مهملاتك ولكن -على سبيل النصح- يجدر بك تمزيق نصوصك بطريقة لا يمكن معها اعادة ترقيعها ثانية حتى لا يستعيدها احد مرة اخرى، فالكاتب الجيد يُعرف بما مزقه لا بما نشره، نعم، ولكن ليس كل الكتاب ماركيز !

تعليقات الفيسبوك

تعليق واحد

اترك تعليقاً

‫شاهد أيضًا‬

من الغبي الذي سيفوز بنوبل ؟

ماذا إن رن هاتفك وتم إبلاغك أنك فزت بجائزة نوبل؟ بالتأكيد هو أمر بعيد عن الاحتمال. كل عام …