فوزي

 

فوزي بسام :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

شهد تاريخ الإنسانية صراعاً مستمراً بين الفن و الأخلاق ، ظهر في أحايين كثيرة في شكل صراع بين الدين و الفن ، و يعتبر الكثير اليوم أن من علامات تخلف الأمم ، هو الاستبداد على الفن … و يمكننا القول حول القول الأخير : كلمة حق أريد بها باطل ، فقائله يرمي سهام الاتهام نحو الأخلاق … إذ يبدو بعد الاستفاضة في هذا الرأي ، أن قائله يعتقد أن الأخلاق لطالما لعبت دور السجان على التعبير الفني … فهل صحيح وجود هذه العداوة للأخلاق ضد الفن ؟

في الواقع لا يمكننا أن نفهم هذا الرأي ، إلا على ضوء اطلاعنا على ما يعتبر اليوم فناً … فقد أصبح كل ما يصح و لا يصح من السلوكيات تعتبر فناً ، بل صارت الكثير من المضامين الفنية غامضة ، ليس شرطاً بسبب عمقها ، بل يمكن أن يكون بسبب سطحيتها الشديدة و مضمونها الغير واضح في كثير من الأحيان ، و في بعض الأحيان : قلة الأدب  … و لعل من أعجب ما حدث في عصرنا هذا ، أن قام أحد التشكيليين الفرنسيين ، بصنع تماثيل ببراز الكلاب –أعزكم الله-  و المشكلة أنها بيعت بشكل سريع ! … فهل لهذه الدرجة انحط الذوق الجمالي في الفن ؟! و هل هذه هي أهداف ما يسميها المسيري –رحمه الله- بـ “ثورة البيكيني” ؟

يبدو لنا من خلال المثالين الأخيرين ، و الأمثلة كثيرة غيرهما لا تعد و لا تحصى ، أن الفن اليوم هو من يعادي الاخلاق و الدين ، و ليس العكس ، و يتضح أكثر في مطالبة ما يسمون أنفسهم اليوم بالفنانين ، بأن لا يتدخل الدين (و هم بكل تأكيد يقصدون الأخلاق على وجه التحديد) في شأن الفن ، فهم يعتبرون أن الفن خلق أساساً لكي يعبر الفنان عن ذاته بدون رادع !

و الحق أن الفن و إن كان يعبر عن ذات الفنان ، و لكن بالمقابل الفنان يعلم جيداً أن له جمهوراً عليه أن يراعيه ، لذلك لا تكاد ترى فنان – إلا في النادر- إلا و يصر على أن عمله الفني –سواء ارتفع مستوى عمله الفني أخلاقيا ، أم انحط- يصر على أن عمله الفني يحمل رسالة … فأي رسالة يمكن أن يحمله براز الكلاب و هلوسات المخدرين بالمخدرات و الشياطين ؟!

مهما يكن ،  لنترك عنا الجواب لمرحلة لاحقة … و لنضع في حسباننا ، أن الرسالة الفنية نوعين : الأولى يوصل فيها الفنان رسالة وعظية أو اصلاحية للمجتمع ، و هذا لا يصدر إلا من فنان مثقف ، و الثانية رسالة يبرز فيها الفنان معاناة و مآسي مجتمعه (وهو الطابع الغالب اليوم) .

و الواقع اليوم ، يخبر بأن النوع الأول قد إندثر تقريبا ، و حل محله النوع الذي يبرز فيه الفنان ذاتيته بشكل مطلق ، و بثورته على تقاليد المجتمع ، في إطار الجو العام الذي فرضته ثقافة ما بعد الحداثة ، فإذا لم يكن الأمر واضحاً في ثورة البيكيني ، فإن الأمر لا يبقى غامضاً و لو قيد أنملة في الأغلبية الساحقة من أغاني “الراب”  … كما يخبر الواقع ، بأن النوع الثاني قد سيطر عليه الطابع التقريري للمفاسد التي أصابت المجتمع !

و كأن الرسالة الفنية ، يحملها سيل الانحطاط الجمالي ، المتسارع خاصة في العقود الأخيرة ، فهل هذه هي الرسالة التي يود الفنانون إيصالها  للعالم ؟!

نحن إذا وضعنا في الحسبان ، أن الفن اليوم بكسره الرادع الأخلاقي ، فإنه لم يعد بإمكان شيء أن يردعه … فكل شيء أصبح مسموحاً به ، في اطار ممارسة الفن .

و بغض النظر عن كون فكرة أن “الأخلاق هي التي تجمع الأفراد بالشكل الصحيح” تبدو غامضة … فإننا نلاحظ بنوع من التدقيق في حال الفن أنه يتميزبشيئين اثنين : أنه اتجه نحو اللاأخلاقية بشكل أكبر ، و أنه يتجه نحو الأنانية … و أكثر من ذلك ، نجد أنه يلقى قبولاً كبيراً بين الجماهير ، و لذلك ، فإن نظرية أن الفن هو تعبير ذاتي محض ، لا تبدو ثابتة ، إذ تبين أن الفن تشاركي بطبعه .

و إذا عرف السبب بطل العجب … فكون أن الفن يعبر عن حال المجتمعات ، و هو أمر ثابت لا يتغير ، فإن هذا يعني أن الفرد في هذه الجماهير العريضة ، يعاني من الأنانية و اللاأخلاقية … أو بمعنى أصح ، يكون جامعا للأمرين ، أن الفرد يعاني من اللاأخلاقية في مساحته الخاصة ، مساحة الأنانية ، و مقصد الفن أكثر ما يكون ، هو تلك المساحة الشخصية .

و ذلك لأن الفرد اليوم يعيش في ظل ثقافة علمانية ، لها ميزتان ، عرضية و طولية ، فأما عن العرضية ، فهي أن الفرد يعيش حياته في مساحته بمحض ارادته المطلقة ، كيفما شاء شكلها ، من دون رقيب و لا حسيب ، ذلك لأن العلمانية من ناحية ميزتها الطولية ، أنها قطعت كل العلاقات المتعالية ، و بالأخص مع الدين (الذي جعلته محض شعائر و شرائع ، تطبيقها يخضع للرغبة الفردية) الأصل الأول و الأخير للأخلاق .

باستثناء علاقة الفرد مع المجتمع ، لغاية التعايش بين الأفراد ، و لذلك فإن الفرد مجبر على التعايش مع الاتفاقات التي يدونها البشر فيما بينهم في المجتمع الواحد ، و التي تسمى ” أخلاقيات المدنية ” … و إن كنا نلاحظ أن الفرد من خلال فنونه التي يصنعها أو يتبناها ، غير راض عليها ، و يظهر سخطه عليها في هذه الفنون  … هذا بغض النظر عن التشخيص الديني ، الذي يتحدث عن افتقاد الفرد لروحانيته ، فأصبحت معيشته ضنكة ، لما تكبر عن عبادة الله ! … لأن الاستدلال عليها يحتاج إلى تعمق أكبر ، ليس المقام يتسع له هنا …

فإذا ، العلمانية بأنظمتها السياسية و الاقتصادية ( الديموقراطية و الرأسمالية) ، جعلت الفرد يعيش حياته الشخصية بمعزل عن كل قيد أو رادع ، بل أرادت أن تأصلها و تحميها ، بحجة أن هذا يجعل انتاجية الفرد أعلى من جهة ، و من جهة أخرى ، أن مفهوم الحرية أصبح هو : الإطلاقية من كل شيء ، ما عدا نوازع الفرد الذاتية … فلا عجب أن تتخذ اللاأخلاقية سبيلها في الفنون ، ما دام أن لا يحدها أي رادع أو قيد …

و ليت شعري كيف أن البعض ، يحاول تبرير و تبرئة الفن ، من اتجاهه اليوم الذي يرسخ فيه هذه المفاسد ، بقوله أن : دور الفن يقتصر على تبليغ ما يكتنفه المجتمع من أفكار و عوائد ، متناسيا الحكمة العظيمة من الحديث الشريف : “قل خيرا أو اصمت” … اللهم ان كان هو ذاته ، كما فئة كبيرة من المجتمع ، لا تعمل بها … فهنا يصبح الفنان يلعب دوره بكل أمانة  … على أنه يجب الوضع بعين الحسبان بأن مثل هذا التوجه ، يرسخ ثم يوسع من تأثير اللاأخلاقية ، فلا وجود للحياد في المشكلات الثقافية ، فهي إما تنتشر بالتساهل معها أو تنكمش بالشد عليها و محاربتها … و لعل الاحتمال الأخير هو الحكمة من الحديث الشريف المذكور سلفاً …

و لا ينفع أن يقال ، أن أولى خطوات الاصلاح ، هو مواجهة المشكلة بالاعتراف بها ، كحجة تبريرية ، إذ ثمة فرق بين التحقيق في الجريمة و بين ممارستها … فالمعالجة لا تكون فقط بالاعتناء بقلب الوسيلة (أي غايتها) ، بل تكون بالاعتناء بقلبها و قالبها (أي بالغاية و الوسيلة) …

و لنا في ثورة البيكيني خير دليل ، فلما ظن مطلق الأغنية الشهيرة التي تتمجد بالبكيني ، ظنا منه بهذا الشكل ، أنه أظهر شجاعة بإظهار ما تكتنفه النفوس من ارادة لبس البيكيني (من النساء و الرجال على حد سواء !) … و لكنه نسي أو تناسى أن يعقب هذا الاظهار بالحكم الأخلاقي ، فكان كمن يمارس الجريمة لا كمن يحقق فيها  … و لكن ، فاقد الشيء لا يعطيه ، فهو قد كان يعترف به ، و يرى ردعه بدون مبرر ، معلنا بذلك ثورته على الرادع و المبرر الأخلاقي الذي يعجز عن رؤيته … ذلك لأنه كغيره من المجتمع ، ضعفت علاقته الوجودية الطولية ، و بالتالي ضعفت فيه الروح الأخلاقية …

فإن كان يبدو لنا لحد الآن ، السطحية التي تعتري هذا المنطق ، أو على الأقل يبدو غامضا ، فيكفينا أن نذكر ، أن تذمر الفرد في ظل الثقافة العلمانية ، من ضيق الالتزامات الاجتماعية العلمانية ، التي تضمن سيرورة التعايش ، لابد أن يتحول إلى سلوك يظهره الفرد للمجتمع ، لابد أن ينعكس على نفس السيرورة الحضارية التي أرادت العلمانية الحفاظ عليها ، بالمنطق العصبي فتخرقه .

فإن قيل أن ثقافة الهيب هوب ، لا يمكن القياس عليها ، لأنها ظهرت من زبالة المجتمع الأمريكي –على حسبهم- ، و المجتمع الأمريكي أصلا نشأ من المجرمين … فبماذا نفسر انتشارها ؟ و بماذا نفسر ظهور فئة “الهوليغانز” في مجتمع داروين الراقي (المجتمع البريطاني) ، أو الأصلح على حسب نظرية الأخير ؟!

و عليه ، ما عاد ينفع أن نتعامل مع المجتمع و الفرد بالعقلية الداروينية أو الفرويدية (أي كان ، ما دام أن احداهما امتداد للأخرى) ، و انما وجب أن نتعامل معهما من منطلق أخلاقيته المفطور على قبولها … فالفرد بالفعل قد بدأ يتذمر من هذا التعامل العرضي معه ، و بدأ عقد المجتمع ينفرط في ظل العلمانية … و لذلك ، وجب العودة إلى شمولية الأخلاق ، و اتصالها الوجودي الطولي …

فقد تبين أن الأخلاق لما تعقلنت ، و أن الدين لما أزيح ، تركت الفرد خواءا ، فلا عجب أن ينحط الذوق الجمالي ، فالنفس الخربة لا يصدر منها إلا كل قبيح … و لعل كهربة أغاني “الروك اند رول” خير دليل ، و أقوى و أظهر دليل من فن البراز ! … و ليست ثورة البيكيني إلا تعبير عن الرؤية القاصرة للذات الإنسانية ، و على وجه التحديد ، ليست سوى التعبير عن الإنسان الفرويدي !

فليست الأخلاق مجرد التزامات مجتمعية محضة ، كما يعتقد منظرو العلمانية ، و انما هي امتداد وجودي طولي للكون ، و لا عجب أن يكون الدين هو أصل الأخلاق … و هو الذي يجمع الناس على كلمة سواء (بغض النظر عن ادعاءات العلمانية ، التي لما رأت أن الدين هو محض شرائع و شعائر ، طارئة عليها طواريء التاريخ ، من قدم و تآكل !) من حيث تعاليه على كل الجهود الوضعية المتجزئة ، و بالتالي قدرته من مكانه أن يجمع بين كل الجهود الفردية … و ربطها بالأنفس و بالأفق ، ليكون مصدر هداية .

الإنسان مستوى ، يكون فنه تعبيراً عن ذات انسانية ، و حاملا لرسالة راقية ، لها اسهامات حضارية ، لا تعادي انسانية الانسان ، و لا سنن الله في خلقه … هذا ناهيك عن كون الأخلاق ذات الأصول الدينية ، هي الوسيلة الوحيدة لاستشفاف و استكشاف الذات الإنسانية بعمق ، و التعبير عنها ، بحيث تظهرها في أبهى مظاهر اتزانها ، ليكون الفن الناتج عنها ، غذاء للروح بحق … لا غذاء للشراهة الأنانية !

و بهذا تتحطم أسطورة معاداة الأخلاق للفن ، فقد ظهر من المقال أن الحقيقة هي ، أن : الفنانون بتأثرهم و بمسايرتهم للانحطاط الأخلاقي ، و بالتالي الحضاري ، هم الذين يعادون الأخلاق ، في سبيل ارضاء نوازعهم الغرائزية الحيوانية (برعاية انسان داروين !) ، ثم يختبئون وراء الرسالة المزعومة بهتانا و افتراءا ! … فقد تبين شمولية الأخلاق الحقة ، ذات المصدر الديني ، و تمكينها الفن من الوصول إلى أعمق أغوار النفس الانسانية و الوجود الكوني …

و في النهاية ، يمكننا الآن أن نضع الأخلاق كشرط أساسي للفن ، فمن دون أخلاق لا يوجد فن ، و انما هي مجرد هلوسات لا معنى لها ، لأنها في الحقيقة لا تصل إلى الروح الإنسانية ، و لا تسهم في نهضة حضارية ، و لا تطرح رسالة راقية … كما يمكننا القول استنادا على ما سبق ، أن الفن الجميل لا يصدر إلا من الأنفس الجميلة ، و الأنفس الجميلة لا تكون إلا بالأخلاق ، و الأخلاق لا تتعالى إلا إذا ارتبطت أكثر بعقيدة دينية صحيحة .

تعليقات الفيسبوك

اترك تعليقاً

‫شاهد أيضًا‬

رمضان

مرة أخرى يهل علينا شهر رمضان المبارك ، و مرة أخرى يهل علينا و أوضاع الأمة الإسلامية في ترا…