3110563420da78d25b8ce77cfbf62f0551a57cf3ba_b

تميز الأعمال الفنية غير المجردة كفن الرواية والشعر وفنون التمثيل بعمومها باحتوائها على مضمون تشير إليه، بل إن بعض الفنون كالرواية مثلًا والشعر لا يمكننا الفصل فيها بين الشكل والمضمون كموضوعين مختلفين، فلابد للأسلوب  كشكل في الرواية أن يحمل أحداثًا تشكل مضمونها، ولابد للقافية أن تحمل كلمات بمعاني تشكل موضوعًا للشعر. وهذا ما يجعل الفنون تعمل كأدوات لتوصيل مضامين ورسائل مختلفة لدرجة أن بعض الفنانين يكرسون أعمالهم الفنية لخدمة قضايا معينة تظهر في مضمون أعمالهم.

يلجأ البعض في محاولات تعريف الفن إلى الاعتماد على المضمون بحيث أن رسالة أو مغزى أو قضية الفنان التي تبان في ثنايا أعماله هي التي تحدد جودة عمله من غيره بل إن البعض يعتبر الفنون غير الهادفة أو غير المحملة برسائل ايجابية مجرد هراء أو شيء لا فائدة منه “فنان ما عندو رسالة ما فنان” وهذه المقولة التي تردد كثير يقصد بالرسالة فيها وجود مضمون قائم غير الفن بذاته، هذه الآراء تتماشى مع بعض الآراء الفلسفية التي كانت ترى في الفن جانبًا معرفيًا بالضرورة، حيث يرى مؤيدو هذه النظرية  انه يمكن تصنيف الفنون اعتمادًا على ما تحملها من معارف أو رسائل أو مضامين ويمكن تقييمها بناءً على قيمة وعمق ما تحمله من معارف.

وقبل مناقشة أهمية المضمون كضرورة في العمل الفني يجدر بنا أن نتساءل هل يفوق المضمون الشكل أهمية في الفن؟

للإجابة يمكننا عقد مقارنة بين أعمال فنية مقدمة في شكل فني جيد ولكنها لا تحوي مضمونًا جيدًا وأعمال أخرى مقدمة في شكل فني سيئ ولكنها تحوي مضمونًا قيمًا، أو هل يمكننا اعتبار قصيدة ركيكة تتحدث عن فقراء العالم أكثر جودة فنية من قصيدة أخرى تتكلم عن أي قضية غير مهمة ومبتذلة، مثلًا؟

إذًا، مهما كانت أهمية الرسالة أو المعرفة التي يحملها العمل الفني للفن ذاته فإنها لا تميز الفن بقدر ما يميز الشكل الفن، الشكل يحدد إذا ما كان المنتوج الماثل شعرًا أو رواية أو فنًا تشكيليًا أو نحتًا، الشكل الفني تكونه أدوات مجردة وهي التي تجعل الفن فنًا بينما المضمون يأتي عرضًا، وهذا لا يعني بالضرورة عدم أهمية المضمون، فنظم شعري جيد القافية بكلمات لا تحمل معاني لا يعتبر شعرًا جيدًا. في المحصلة النهائية فان الشكل يحدد الإطار العام للفن أما المضمون فيتدخل في تحديد جودة العمل من حيث توافقه مع الشكل لا من حيث جودته أو أهميته.

مما يؤكد ثانوية المضمون في الفن هو وجود أشكال فنية كاملة لا تحوى مضمونًا واضحًا كالموسيقى والفنون التشكيلية المجردة والتي لا يمكن إخراجها من نطاق الفنون لمجرد أنها لا تحوي مضمونًا، ورغم أن البعض يجادل بأن الموسيقى والتشكيل يحملان مضمونًا ورسالة تعبر عنها الأنغام والألوان غير الإحساس المجرد بها، إلا انه وفي كل حال لا تعتبر الموسيقى  المجردة وسيلة جيدة لإيصال معاني ليست بوضوح الشعر أو الرواية أو الرسم.

ما هو مهم في العلاقة بين الشكل والمضمون في الفن هو درجة التوافق بينهما هذه الدرجة هي التي تجعل أي محاولة لتفسير مضمون العمل فني في قالب آخر تبوء بالفشل بمقدار جودة العمل الفني، وهذا بدوره يبين أن مضمون الأعمال الفنية لا يحمل أي قيمة خارج إطار الفن أو خارج الشكل الفني، فالترجمة النثرية لأبيات قصيدة شعرية لا تعتبر فنًا رغم أنها تحوي نفس مضمون الأبيات فهي مجرد تلميح أو اختزال له ولا تعبر عن جوهر الفن، وأي محاولة لشرح لوحة تشكيلية مؤكدًا لن تكون بجمال اللوحة ذاته.، والاهم أن التفسير يفقد العمل تأثيره الجمالي على النفس مما يعني أن المضمون لوحده لا يشكل فناً، ولربما هذا يجعلنا نقول من ناحية أخرى أن الأشعار كلما صعب تفسيرها بلغة النثر زادت قيمتها أو أن عدم إمكانية الفصل بين الشكل والمضمون هو علامة لجودة العمل الفني ” كلما كان الشعر عظيمًا كان عصيًا على الشرح”.

 

 

 

 

 

تعليقات الفيسبوك

‫شاهد أيضًا‬

من الغبي الذي سيفوز بنوبل ؟

ماذا إن رن هاتفك وتم إبلاغك أنك فزت بجائزة نوبل؟ بالتأكيد هو أمر بعيد عن الاحتمال. كل عام …