نسرين

 أنت عالقٌ، تحتك ماء ومن فوقك حريق، أصوات تتعالى لإنقاذك، أيادٍ ملطخة بالدماء، كأنها بترت للتوّ، كلما ارتفعت تتلاشى. يخيفك الدم أكثر من النار التي بدأت تأكل شعرك، تتساقط رويدًا رويدًا.
 رائحة شواء ، يجتمع كلاب حولك كمائدة دسمة، تنتاش وجهَك الذي لطالما فطرت قلوب العذارى بسببه؛ وكأنها تثأر منك!
تستيقظ في هلع. تتذكر موعد عمل حظيت به بعد فترة بحث دامت لأعوام. السابعة صباحًا؛ التيار منقطع. 
صنبور الماء – كحلقك – كأنما لدهرٍ لم تمرَّ عبره قطرة ماء.
بنطالٌ أسود، قميص أبيض، ربطة عنق سوداء؛ كانت آخر ما تركه لك صديقك قبل مغادرته البلاد.
فر هاربًا من كل شيء. تركتك تائها تمسك بآمال واهية، لا تمل من الوعود، تهرب بها من واقعك. أعطتك جارتك العجوز ما لديها من ماء. غسلتَ وجهك وأجزاءَ من يديك. وها أنت تتجه مسرعًا نحو ثيابك. فعلت قطتك المشاكسة ما رأته مناسبًا على القميص. تلعن المدينة وحظك، تخرج كما أنت. تمسك جزءًا من أوراق تدل على أنك خريج في جامعةٍ كنت تتباهى بها أمام رفقائك الذين اختصروا الطريق، واختاروا صنعة أخرى غير عبادة الورق.
تمشي وأنت تفكر في ذلك؛ تفاجئك فردة الحذاء، تمضي في طريقك غير آبه بها. عندما يراك موظف الاستقبال، يخرح مافي جيبه من مال؛ لعله ظنك متسولًا. لم تجدِ محاولاتك نفعًا في تغير رأيه..
ماذا عن تلك الشهادات؟ رميتها في البحر حيث تقف. 
 الدهشة التي تكون في أول كل شيء. وأنت أبعد ما تكون عنها، الميزة الوحيدة أنك تصلح لتكون بحجم تلك الدهشة وما يليها، ثابتًا لا يخيفك أن ينكشف وجهك.
الإنسان غريب 
*
“ما المميزة في أن نبكي لأن أحدهم اكتمل عمره، ونسعد لأن آخرَ زاد في أعوامه رقم إضافي؟!”
هكذا كنت تحدث ذاتك
تستيقظ على نبأ وفاة والد صديقك. تخرج مسرعًا لمواساته. تتقدم – بعد التحية – رافعًا كلتا يديك، كما يفعل الناس عادةً. لكنك تنسى أمر (الفاتحة) عندما وقعت عيناك على طفلة ذات ثلاثة أعوام أو أكثر، ترفع يدك ملوح بالتحية.
تصيح: “مبروك”، وباستغراب ودهشة يردد 
الواقفون خلفك: “مبروووووووك!!!!”.
يتحول (صيوان) العزاء إلى مسرح للضحك، لكنك تشعر بشيء من الغرابة، كما لو أو أنك فعلت شيئًا يدعو للخجل.
 تعانق صديقك، تعزي نفسك جيدًا. لم تشعر بالخوف حتى صاح أحدهم باسمك: 
“فلان الميت…”.
تنهض في فزع، تتحسس جسدك، تتساءل: “هل أنا ميت ؟”.
سؤال يصعب عليك الإجابة عنه؛ أنت الآن رهن الاعتقال. صفعة تلو أخرى على عنقك. صياح الضباط،
 ومنهم قادتك؟.
متى دخلت البلاد وكيف؟.
كم عدد المهمات التي كلفت بها؟
لصمتك المستمر، تعود للزنزانة مرة أخرى لا تقوى قدماك على حملك، من أثر التعذيب. 
سؤال وراء آخر…
مضى شهرٌ، ولم يأتِ أحدٌ لرؤيتك. ثبتت التهمة عليك.
عُرض اعترافك في التلفاز. كان انتصارًا لمن نفذ مهمة القبض عليك. في صبيحة اليوم التالي نال مكافأته؛ ترقى لرتبة أعلى.
لم تكن رائحة الزانزنة تصل لأنوف المصفقين بالنصر.
كان حلمك الأخير أن ترى وجوهم.
تستيقظ قبل الحكم الأخير 
تردد : ليت ذلك حدث 

تعليقات الفيسبوك