44b65ba1cb4c49918a8dbf3abda5103d

**

في الفناء الخلفي للفندق الذي كنا نقيم فيه مؤقتا” أنا و أبي ، كانت هنالك بحيرة صغيرة تمتد في مساحة هي أقرب للمثلث ، بحيرة عادية ، ولكن ليس كما يصورها لنا الخيال المولود عن قراءة القصص القديمة ، ليس حولها بجع و نوارس و لا حشائش نابتة ، فقط مجرد ماء متجمع تتصاعد منه أبخرة رفيعة في النهار، ربما لحرارة الجو.. أعتقد أنها عميقة نوعا” ما ،لأني رأيت إمرأة تحذر طفلها الصغير بشدة من تجريب النزول و العوم.. حولها كانت الأبنية العالية و الشوارع الضيقة المتلاصقة بحذر غريب ، و الناس الذين تركوا سطح الأرض أبداً ما زالوا كثر .. لا أعني أنهم سافروا إلى الفضاء مثلاً ، بل تركوا سطح القشرة الأرضية لأنهم يعتقدون بضراوة الجراثيم الفتاكة على الجلود..و التي تطورت حتى صارت ترى بالعين المجردة المجهدة.. كلهم صاروا متشائمون ، بل و لا يطاقون ، كسالى ، و ينتقلون بممرات إسمنتية من خلال الأبنية و الأسطح.

 لقد حدث و اختفت كل الأنهار .. أو أنني منذ نشأتي لم أر بحراً حقيقياً . الماء كان موجوداً بأماكن كثيرة عندما ولدت ، أمي أخبرتني بذلك .. أذكر أنني صحوت فزعا” و أخبرتها بأن الأرض ستجف ، و أننا لن نرى سحاباً بعد الآن ، كنت أبكي بتشنج فضمتني و طمأنتني و لكن بعد عامين فقط تغيرت الأجواء و حدث ما كنت أخشاه.

في الفناء الخلفي للفندق .. و نحن في الطابق الواحد و الخمسين ، رأيت بوضوح عبر النافذة الكبيرة حذاءً” رياضيا” يطير ، نعم ، حذاء رياضي مقاسه كبير مهترأ و يقطر منه ماء ، تتبعته بسرعة فضولية فوجدته مربوط بخيط سنارة كبيرة تعود ليد رجل جالس على سطح الفندق المجاور ، لوهلة تخيلت أنه يستخدم الحذاء كطعم لصيد غريب ، لم يسعفني عقلي بأية أفكار أخرى ، فتبين لي أنهم يصطادون الأحذية من البحيرة العميقة.! كيف هذا ؟ حذاء خلف حذاء ، و ظهر الصيادون المندسون خلف النوافذ ، و تعالت أصواتهم بالهتاف المتحفز ، لقد وفر الصيد و بدأت الأحذية بالتطاير ثم الغطس داخل البحيرة و أنا مندهش ، الماء الوحيد الذي تبقى بصورة طبيعية ينتج شيئا” غريبا” عليه ، ركضت ناحية أبي النائم لأخبره ، فكان عارفا”.

لقد أحضرتك لترى هذا بالضبط يا بني. في الليلة السابقة عندما نظرت للبحيرة ،التي تم تسويرها لتبدو كحوض سباحة كبير فكرت أن أسبح فيها فعلا”في الصباح ..متجاهلا” تحذير تلك الأم لإبنها ، فلطالما منعتنا الأمهات الكثير من المتع بدافع الخوف.. فقمت على سبيل التجربة و ألقيت إلى البحيرة بمنفضة السجائر .. لطالما قرأت في الروايات القديمة عن أحجار تلقى في البرك و الأنهر ، و اعتقدت أن هذا الفعل له دلالة خاصة على المرح و حب الماء ..تخيلت القاع مرصوفا” بالأحجار الملقاة بدقة هي نتاج العشوائية ، تخيلت الناس يلعبون حول الشواطئ بملابس السباحة و كيف أن شمسهم كانت ذهبية مصفرة ، منذ ولادتي أو ما قبل ذلك تحول لون الشمس للون آخر ثم منع عنا السحاب فاستهلك الناس الأنهار .. عندما وصلت المنفضة لسطح ماء البحيرة طفت قليلا” ثم انقلبت على جنبها و غاصت ببطء كسفينة تودع مشهد الحياة .. لا دوائر ولا موجات كما زعم التاريخ، و الآن هاهي الأحذية تنتج منها .

 إستغربت من أبي  تكتمه ، ربما لم يقصد أن يريني هذا بل صادفناه ، تركت الشك جانبا” و قلت له بأنني ذاهب لأرى ما يحدث. ركضت مسرعا” عبر أحد الممرات التي ما بين الأبنية و شاهدت تكدس الناس على السطح ، رأيت الكثير من الباعة و المشترين و الأسعار التي تحدد نفسها بعد أن يجرب أحدهم الحذاء. رأيت بعضهم فرحا” جدا” و بعضهم حزين و يبكي .. رأيتهم يتهافتون على الأحذية المخنوقة بشوكة السنارة الغادرة .. أحذية من عمق لا أدريه و سبب مجهول. نظرت من الأعلى للأحذية الصاعدة على سنانيرها و كأنها طائرات حربية مقاتلة تراوغ أيادي ساحبيها لتفلت.. بدت لي كأنها تدور .. أو كأن هنالك بخار كثيف يتصاعد ليعبر عن غضب البحيرة المنهوبة ، شكلت في تكاتف جمادي رهيب .. بؤرة لعاصفة محتملة ، و لا يراها غيري أنا. فزعت و تراجعت ، فكرت في الهرب و لكن ثبات من حولي أذهلني. أنا لا أحلم ، فالنساء أمامي حقيقيات.. و جادات بشكل غريب يخبرك أنهن انتظرن أن تفرغ هذه البركة أحشاءها لينلن خبراً ما. كنت واقفاً و مندهشاً .. أفكر في حفاوة الحياة و الناس بفكرة كهذه ، بالأحذية ، بالأسرار المدفونة في المياه منذ عهد بعيد ، ثم ما الذي يجعلنا نتزحلق مسرعين نحو نهاية من المؤكد أنها تعيسة ، ربما لأنها قد تكون أكثر تشويقا” من ملل التي نعيشها ، نهاجر لنرى مصيرنا في حذاء قديم .. تلفت حولي ، كان هنالك رجل كبير يجلس على يمين باب الممر الذي أفضى بي إلى السطح ، كان يضع رجلاً على أخرى و يرتدي نظارة سوداء ، أحسست بأنه ينظر إلي ، ثم ابتسم لما ركزت نظري عليه، كأنه علم بأفكاري تلك ، و أيقن حداثة هذا المنظر على عيني لأنني لم أتهافت كما البقية ، جلست على حجر كان بجواره ثم طلبت منه أن يخبرني ، متجاوزاً حاجز التعرف الأساسي. تحدث كمن يقول شيئاً يكرره كل يوم : كل هذه المدينة يا بني ، و أشار لها بيده المفرودة ، كلها كانت المحيط ، المحيط الأطلسي ! قبل أن يجف و تصبح أرضه متشققة ، و قبل أن يزحف البشر كالنمل على كل الأرض. و هذه البحيرة المثلثة ، مشيرا بأصبعه للبحيرة ، هذه البحيرة المهينة الميتة القلقة ، هي مثلث برمودا ، بكل عظمته السابقة ! مازال يقاوم.. أما هذه الأحذية ، فهي لعنة هذا المثلث ، كل حذاء يمثل روح صاحبه التي ابتلعتها برمودا ، هي الغصة التي في حلق المحيط ، صار الناس يأتون هاهنا ليروا بعض الأمل ، ليشعروا بشيء ما قادم من الأعماق السحيقة ، ليتبنوا حلماً غارقاً كان سيحققه صاحب الحذاء الملعون ، ليمشوا بهذه الأحذية مسافات أخرى أطول ..أو ليأخذوا مصيره نيابة عنه .. فكرت قليلاً ولم أجد حكمة بائنة من اصطياد الأحذية ، هنالك مراحل مختلفة من الغباء البشري ، أو أنني أغبى مما أظن لحظة ، هل قلت الأطلسي ؟ نعم..إنه من ابتلع تايتنك أيضاً .. السفينة العظيمة. تركت العجوز لأني شعرت بأن كلامه هذيان فقط ، تحركت ناحية حافة السطح ، لأنظر للبحيرة مرة أخرى ، فرأيت تلك البؤرة الخفية ، و قد تعاظمت لتخلق دوامة هائجة ، تظهر من بين عمق العمارات حولها ككذبة سافرة ، خرج منها خيط عاصفي طويل ظننته يتجه ناحيتي فصدق ظني .. لفني حوله كلسان طويل لأفعى هائجة ، و نزل بي – وحدي أنا الذي لم أصدق – لعمق سحيق سحيق. من الغرابة التي أصابتني لم أشعر بهول الموقف ، بل بحذائي ينخلع .. لأسمع لاحقا” صياد ما يهلل

تعليقات الفيسبوك

اترك تعليقاً

‫شاهد أيضًا‬

الذاكرة واللغة

الجائزة كانت جنيهًا كاملًا .. في حين أن كل الذي كان ينقدونه لي أهلي في اليوم هو نصف جنيه ،…