n51c1c774947f0 (1)

تغريد علي :

للتواصل مع صفحة الكاتبة على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

**

كنت واثقة بأن الجيران لم يناموا من فرط الضوضاء التي تصدر من منزلي ..صوت إرتجاف غسالة الثياب و صوت أغنية قديمة و مزعجة تلائم مزاجي في ذاك المساء ،أتحرك بعصبية في أرجاء المنزل و أقوم بالكثير من الأعمال في لحظة واحدة ، لم أكن أجد تفسيراً لإصراري على صنع كعكة الشوكولا وسط كل هذه الفوضى ،و على الرغم من أني أحرقتها لكني إلتهمتها بشراهة و ربما بعض “الغضب” .

كانت عقارب الساعة تشير إلى الرابعة صباحاً حين تكومت فوق فراشي مغشياً علي من شدة التعب ،لم أنس أن أضبط المنبه على تمام الساعة السادسة . المنزل نظيف بالكامل ، حقائبي مصفوفة بترتيب و كل أغراضي أنهيت توضيبها ، ما علي سوى أن أستعد ﻷحزمها في الصباح الباكر و أغادر بهدوء ، إرتديت ملابس خفيفة و حملت حقيبتي بعد أن تأكدت من أن العربة التي إستأجرتها قد توقفت بالخارج ..أدرت المفتاح و خرجت لأجده نائماً مسنداً ظهره إلى الجدار ، توقفت مندهشة أتأمل ملامحه الوديعة المسالمة ، إستيقظ فجأة .. و حرك رأسه كأن عنقه تؤلمه ، و وضع راحته عليها و نظر إلي بعين واحده نصف مفتوحة بينما الأخرى لا تزال مغمضة ، سألني بصوت مثقل بالنعاس : إلى أين أنت ذاهبة ؟ كان سؤاله في غاية الغباء بالنسبة لي فأجبته و أنا أضغط على أسناني بإبتسامة مصطنعة : سأذهب كما ترى ..

  • إلى أين ؟ .. بالأمس كنت مريضة للغاية ، هل عثرت على منزل ؟

  • سأمكث مع بعض أقربائي ريثما أستطيع ترتيب الأمر .

ثم أضفت سائلة إياه : ما الذي تفعله هنا ؟ نهض عن الأرض و إستقام ينفض ثيابه ، ثم أمسك بالحقيبة التي أجرها قائلاً لي : ﻻ تذهبي .

يا إلهي !! هل جننت ؟ أم تود أن تصيبني بالجنون ؟؟ إرحلي .. ﻻ ترحلي .. إذهبي .. إبقي !! ما الذي يدفعني للبقاء برأيك ؟

أجاب بهدوء : قلت لك لا تذهبي ، ليس عليك فعل ذلك .. أو لست مضطرة بعد .

الأمر ليس مزحة أليس كذلك ؟ طلبت أن أذهب و ها أنا أذهب .. ها هي مفاتيح المنزل ” و وضعتها في يده ” يمكنك أن تتأكد أن المنزل بحال جيد كما تسلمته من عمتك .

نظر للمفاتيح و أعاد نظره إلي : أنا جاد يمكنك البقاء

أنا جادة .. أود الذهاب

كان سائق العربة قد بدأ يصاب بالضجر و راح يضغط على كلكس السيارة بصورة متتابعة ،و يلوح بيده من النافذة و تبدو ملامحه غاضبة : هل ستذهبين يا سيدة ؟ أم قررت بالبقاء !!! لدي أعمال أخرى غير متابعة حواركم هذا ؟

و من سمح لك بمتابعة حوارنا .. ها ؟ ما دامت ستدفع لك عليك الإنتظار و الصمت فقط . ثم تقدم منه و سأله : كم المبلغ الذي إتفقتما عليه ؟

ثم أخرج رزمة نقد حسب منها بعض الورقات و وضعها في يد السائق . ثم رأيت السائق يبتسم و يحدجني بنظرة غريبة قبل أن يدير عربته و يمضي . كل هذا و أنا أقف مشلولة و أرقب بذهول ثم كأنما فهمت الأمر أخيرآ ..

ما هذا بحق السماء ؟؟ هيي !!! عد إلى هناااا .. قلت لك عد ،لكنه كان قد إختفى مخلفاً وراءه الكثير من الدخان . إلتفت و أنا أفتح فمي و عيني على وسعهما ، فرأيته يعيد الحقائب للمنزل .

أنت غير معقول بالمرة !! أظنني بحاجة لمساعدة الشرطة ، ﻻبد و أنك مجنون هارب من المشفى . كان يضحك غير آبه بما أقوله ولا بأني أنزع الحقائب عن قبضته و أعيدها للخارج

. قال ” كأنه لم يفعل شيء ” : هل يمكنك أن تهدئي ؟ لست مضطرة بالفعل للرحيل .. سأخبرك : لقد وقعت بالأمس على عقد شراء منزل في مكان قريب من هنا . عدت بالأمس في وقت متأخر ، ظننت أنه ربما تحتاجين لشيء ، لذا بقيت جوارك ظناً مني بأنك ﻻ تزالين مريضة . أعرف أنك ساخطة بعض الشيء ، ثم نظر لعيني ثم إستدرك قائلاً: حسناً ساخطة كثيراً ، لكن لم يخطر ببالي أنه بوسعي إيجاد منزل هنا ، لذا كنت أرغب في إستعادة منزلي . و حين إكتشفت أني أفسدت الكثير من الأشياء بالنسبة لك ، و رأيت لأي حد كنت محبطة و بائسة و بدوت كأنك إزددت عشر سنوات على عمرك الأساسي ، علمت فداحة الأمر ، بالرغم من أن طلبي مشروع . هل ستظلين صامته هكذا ؟

إستخرجت هاتفي من الحقيبة و إتصلت بالسائق طالبة منه العودة على الفور .. وعدته بأن أدفع له المبلغ المتفق عليه كما يمكنه الإحتفاظ بالمبلغ الذي حصل عليه . لوﻻ ذلك لا أظن بأنه كان سيوافق على أن يعود .. نظرت له في عينيه مباشرة و قلت له بحسم : ” لست لعبة في يدك يا سيد “” سحبت حقائبي فور وصول السائق و مضيت دون أن ألتفت له .

مضى أكثر الليل و لم يتبقى إﻻ سويعات قبل أن تشرق الشمس .. و أنا ﻻ أزال أقلب رأسي إلى الجانب الأيسر لبرهة ثم أعيده للجانب الأيمن ، أنهض و أختبر قوام الوسادة و ألقي برأسي عليها من جديد .. هو حال الليلة الأولى في أي منزل غريب ، ليس إﻻ الكثير من السهر .. الكثير من الرهق،ثبت عيني على السقف الخشبي ، تذكرت كل الأشياء التي كنت أجاهد كي ﻻ أتذكرها على وجه الخصوص . كانت جداً كثيرة .. جداً ثقيلة و أنا متعبة للغاية .

لسعت جفني ألسنة الشمس المشاكسة ، دائماً تتسلل من النوافذ المشرعة ، دون أن يأذن لها أحد ،خبأت عيني بكلتا يدي ، إنتصف النهار و ما زلت متعبة ، فتحت عيني ببطء تأملت الفراش الواسع على الطراز القديم ، و اللوحة التي تضم أفراد للأسرة لم أتعرف على وجه أي منهم .. مرآة بيضاوية تأخذ مساحة ﻻ بأس بها من الجدار المغطى بورق الجدران ذو الزخارف الصغيرة . تمتمت في سري .. ( يا إلهي .. من أي زمن تعيش هذه العمة ) ؟

نهضت بكسل ، كان كل شيء مرتب لدرجة تدعو للإعجاب و كان علي أن أقر بذلك ، على الأقل بيني و بيني . إرتديت الشبشب الذي وجدته بالقرب من سريري و سرت بخطى هادئة نحو الباب ، لم أكن أنوي إثارة أي نوع من الضوضاء ،و كان علي أن أخمن مكان الحمام بالطابق العلوي دون أن أضطر لسؤال أحد، إتخذت الإتجاه الأيسر من الرواق .. فوجدت أني في بهو كبير ، به أريكة و مقعدين برؤوس مذهبة مع كمية كبيرة من الأناتيك و المجسمات الصغيرة .. تراجعت حيث إستنتجت أنه من المستحيل أن يكون هذا هو الإتجاه الصحيح .

إستدرت لأجد فتاة صغيرة ترتدي تنورة قصيرة للغاية و يرتفع شعرها الناعم على هيئة ذيل الحصان و توكة الشعر مثبته على نحو أنيق ،كانت تمسك بدميتها و تنظر لي بارتياب ، إبتسمت لها و رفعت كفي بتلويحة صغيرة هامسة لها : مرحبا . ألقت علي نظرة من أعلى شعري إلى أخمص قدمي ، ثم قالت لي : تبدين بحالة مزرية ، الحمام من الإتجاه الآخر .. عليك الإستحمام و تبديل ثيابك لأن جدتي تنتظرك منذ وقت طويل لتنضمي معنا إلى المائدة .

لويت فمي بطريقة ﻻ إرادية ، أحسست بأني ربما لن أحبها ، أو أنها غير لطيفة .. رغم إمتناني الخفي لها كونها أنقذتني من ورطة العثور على الحمام . شكرتها بإقتضاب ، ثم أضفت قائلة : حسناً .. هي دقائق و أنضم إليكم .نظرت لي كأنها ﻻ تبالي و أخذت تعدو صوب الدرج .

عندما رأيت شعري المبعثر في المرآة و عيناي المحمرة من أثر السهر ، إلتمست للطفلة العذر في تعليقها ، فقد كنت بشعة بالفعل ،لو أني إنتبهت لإرشادات العمة و إستبدلت ثيابي قبل أن أخلد للفراش من شدة التعب فور وصولي ، كنت جنبت نفسي كل هذا السخف .

و أنا أنزل الدرج ، وجدت أني بمواجهة مائدة طويلة تسع لإثني عشر مقعداً ، تبقى منهم مقعدين شاغرين فقط .. أحدهما بجانب العمة ، و الآخر بجانب شاب أظنه إبنها ، كان بديهياً أن أختار المقعد الذي بجوار العمة ، كانت تنظر لي بإبتسام و أنا أنزل آخر درجتين .. تقدمت نحوهم و قدمت إعتذاري ، بعد أن ألقيت تحية الصباح .

توجهت نحوها لآخذ مكاني بجانبها ، لكني تفاجأت بها تشير إلي بالجلوس في المقعد الآخر ، تبين لي فيما بعد أن المقعد مشغول ، تجلس عليه قطتها المدللة رافعة ذيلها الكثيف و تحدق صوبي بتشفي و شماتة واضحة ، أحسست بالإحراج ، لكني توجهت حيث أشارت لي .. سحبت المقعد بهدوء و جلست صامتة .

قالت العمة : يبدو أنك عانيت من ليلة شاقة !أتمنى أن يكون رهق البدايات الجديدة فقط ، أهلاً بك .. و آمل أن يطيب لك المقام بيننا ،كان لكلماتها وقع المهدئ ، فخفض من حدة توتري ، شكرتها مبتسمة .. و شرعت في تناول إفطاري .

الأكل طيب للغاية ، هكذا قلت لها و أنا أمسح فمي بالفوطة و أسحب الكرسي للخلف في محاولة للنهوض “وقد كان كذلك بالفعل” . ساعدتهم في جمع الأطباق ، ثم دعتني للجلوس معها قليلاً .. لنتناول القهوة (تشبهين أباك كثيراً) .. كانت أول عبارة تتفوه بها بعد أن تفحصت وجهي للحظات من وراء دخان فنجانها الذي يتصاعد أمام وجهها .

الجميع يقولون ذات الشيء و أحب ذلك ، أحسست أن إجابتي لم ترقها ربما .. لكننا إنتقلنا لمواضيع أخرى . حدثتني عن الكثير من الأشياء ، و حكت لي عن جدي و جدتي و قامت بتعريفي بشكل كامل بأبنائها و بناتها . سردت لها بدوري القصة في إيجاز و متاعب الطريق و كيف أن العربة تعطلت بي أكثر من مرة ما جعلني أصل في وقت متأخر بكثير عن الوقت المتوقع للرحلة .

في الحقيقة مررت بيوم رهيب ، و إضطررت ﻹستئجار سيارة أخرى بعد أن تعطلت الأولى تماماً عند منتصف الطريق ، الشطائر اللذيذة التي تناولتها في المطعم الصغير بطرف المدينة ريثما تصل العربة الأخرى ، لم تخفف من سوء الرحلة ولا إجهادي حين بلغت منزل العمة قبل غروب الشمس بقليل ! كنت دائماً أعرف أنها تقطن في مكان غير ( بعيد جداً ) عن مسكني ، و تذكرت بعض المرات القليلة التي زرتها فيها بصحبة أبي في طفولتي ،لا أعرف لم لم نعد نرى بعضنا مذ ذاك الحين . و لم أسأل قط ، و هي لم تنطق ببنت شفه .

لسبب ما أحسست أني فتحت باباً مؤصداً .. و أني براقش التي جلبت لنفسها المتاعب ! مرت الكثير من الأيام التي تشبه نفسها ، و بدأت أعتاد طريقتهم الصارمة و الدقيقة في الحياة ، كنت أفتقد جداً لهمجيتي و فوضاي التي باتت كحلم بعيد يلوح لي و يختفي .. خارج أسوار هذا المنزل !

تعليقات الفيسبوك

اترك تعليقاً

‫شاهد أيضًا‬

سعيدة

مع بواكير الصباح ، عندما ترسل الشمس أشعتها لتكنس الليل عن الطرقات .. و تقبل تلك الوجوه الم…