غلاف الطلياني

عمر الفاروق نور الدائم :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

**

أطلّ بطل الحكاية، عبد الناصر وهو يصفع الشيخ ” علاّلة العنين” بشكل وحشي أثناء مراسم دفن والده الحاج محمود، ولم يتبين أحد من الحاضرين يومها ما السبب الذي دفع المناضل الطلابي اليساري الفذ، الطلياني، إلى ما قام به من فعلة، ألجمت المشيعين ووضعت حداً لعزاء والده المرموق الحاج محمود، وقد بدأت الرواية بهذا المشهد. 
هذا المشهد تشكلت عليه الرواية بناءً، براوٍ شبه عليم هو صديق عبد الناصر، أصر إلى النهاية أن يروي لنا حياة عبد الناصر، وانثالت القصة على لسانه إلى غير قرار متوهجةً تارة، وخبيئة تارةً أخرى، لعق فيها الطلياني –كما لقب- منذ صغره في الحي نسبة لوسامته اللافتة، خيباته شديدة المرار، رغم اتقاده ذكاءً ووسامة، بلاغة وجاهاً، علماً وسياسة، صحافة وعدماً.

ما تونس الحديثة؟، وكيف تشكلت ومن هو أباها؟، كيف هو المجتمع التونسي، كيف تعيش قمته وكيف يعيش أفراده في القاع، هل الريف فقير وبحاجة إلى التنمية، أم أنه غير متحضر، وهل الحقبة البورقيبية الحداثوية، انتشلت المجتمع التونسي من أمراضه، ووضعت المرأة أمام الرجل مساواةً وندا للند؟ 
كلها تساؤلات وغيرها، ساقتها رواية “الطلياني”، (دار التنوير-تونس-2014) لكاتبها التونسي الأستاذ الجامعي شكري المبخوت الحائزة على جائزة البوكر العربية أخيرا، في السادس من مايو/أيار المنصرم، وقد مثّل عبد الناصر بطل الرواية بشخصيته الحية الخيط الناظم لتشريح حقبة سياسية تاريخية، لكنها تمركزت في عقد (الثمانينات) من القرن العشرين، من خلال تزعمه لتيار يساري في الجامعة وعمله صحافياً فيما بعد، فخلال هذين الحدثين في مسيرة الرجل- عبد الناصر، تغلغل الكاتب في نسيج المجتمع التونسي سياسياً واجتماعياً، ليلد هذا الحراك في النهاية زين العابدين بن علي، إذ يتقدم هذا الأخير لسدة الحكم في تونس خلفاً للمجاهد الأكبر بوريقبة، في انقلاب أبيض لم ترق فيه الدماء. 
تبدو الحقيقة جليةً، فالطلياني، رواية البطل الأوحد، الخالد ربما، فبطلها عبد الناصر قد يعيش حيوات طويلة، ليس لأنه رجل فذ وجهبذ فحسب، كما قدمته الحكاية، ولكن كونه رُسِم بدقة متناهية، فالكاتب استطاع أن يجسده، ما أخرجه من حيز الورق إلى فوران الواقع. حينما تصارع شخصية روائية أو قصصية الورق، فالمؤكد أنها ستخرج منه إلى لحمة الحياة، وهذا ما أخرج عبد الناصر إلى الوجود مضيئاً كل العتمات التي تحجز النور لدى النخبة المثقفة والطبقات العليا. من جانب آخر، فقد كان هو مثالاً حياً للإيمان العميق بالأفكار مهما تكن صالحة أو أنها بلا جدوى، ولكن ما ميزه، قدرته على الدفاع عنها، وفصاحته غير المُخطئة ذات كل حوار “نقاشاته مع سي عبد الحميد وزينة وأخوه صلاح الدين”.
لا يزال المجتمع التونسي النخبوي –في الرواية-، أسيراً للوصاية الأبوية من قبل المجاهد الأكبر “بورقيبة”، فبينما تعجُ ساحات الجامعات بالحراك الطلابي الثوري، يساراً ويميناً، تُدبج الصحف، ناطقةً بالعربية، أم بالفرنسية كانت تعاليم الأب الناجزة، يدور الصّحافيون في فلك الرقابة، ويدور الطلبة في فلك الصراع الأيدلوجي، يُبرِّز المشهد وبجلاء؛ أن العالم في قبضة ما بنته يدا المجاهد الأكبر “بورقيبة” من بوليسه السري إلى رقيبه الذي يبتز الحرية في مطابخ الصحف.
ينحدر عبد الناصر، في أثناء وأعقاب، حياته الطلابية والصحافية اللامعة إلى أتون مغامرات نسائية محمومة بالشهوة وتنز بهدير المتعة وتحاط بغلالة بوهيمية، الحق أنه ابتدر صباه بلذته الأولى (للا جنينة)، وأنهاها من غير قدرة على الفعل أمام ريم الساذجة، وهنا تتضح رمزية الألم الذي مزّق (اكتماله) “محاولات علاَلة العنين شدّ حبله المرتخي على مؤخرته”، إذ هوى به إنساناً مركباً من النقائض سحيقة الأثر. بل إن شريكته الريفية مكتملة الألق والبهاء في ورقة الصداق، زينة، كما يحلو لها أن تذكره كلما مرة، حين تخمد بينهما الأشواق، مُزّقت بالألم الدفين ذاته، لحظة إيلاج قسري وطيء ما بين مفرقيها، وهي ما زالت صبية في قرويتها النائية. 
كانت الرواية حبلى وغنية بالشخصيات، لكن قوة مصداقية شخصية عبد الناصر، أجهضتها، كما أجهضت زينة بقرار منفرد بذرة الطلياني، التي استوت على أرضها، إرضاء لطموحها الأكاديمي الجنوني.
هل الجامعات التونسية، على الأقل تلك التي عشناها في فضاء الرواية، جزءاً من الانتكاسة للجغرافيا العربية، في مغاربها ومشارقها؟ ربما وضع الأستاذ الجامعي، شكري المبخوت، يده على حبل الشهوة المنتصب الذي يتستر أحياناً في هيئة أستاذ جامعي، وقد أحال النص القارئ، عبر ما حدث لطالبة الفلسفة الاستثنائية زينة، “في امتحان التبريز”، إلى ذلك النوع من الوحوش التي تلبس عباءة الأكاديميا، ففي جامعة 9 افريل –داخل الرواية- عض أستاذ زينة على شهوة الجسد بالنواجذ، فانسربت إحدى النوابغ إلى الريف الباريسي، في كنف أكاديمي عجوز، اختارت ذلك بعدما مزقت ورقة الصداق في وجه الرجل الاستثنائي عبد الناصر. 
عالم الصحافة، هو الزيف الأكبر والخواء العظيم الذي يخيم على عقل الجغرافيا العربية، وعلى وجه أخص الجغرافيا السياسية التونسية التي رسمها المجاهد الأكبر بورقيبة وأتمها خلفه زين العابدين بن علي. هو ذا ما اكتشفه، الطلياني، بعدما ولج هذا العالم من باب كواليسه، في أعقاب تخرجه، عمل مصححاً لغوياً في جريدة الدولة الرسمية الناطقة بالفرنسية، وسرعان ما لمع نجمه، لما يتمتع به من قدرات فذة وثقافة أصيلة ودقة ملاحظة عظيمة، فبات واحداً من ألمع الصحافيين، وهنا تكشف له العالم المغطى بأوراق الهشاشة والمصاب بأمراض الحسد وتهيؤات الذات العظيمة.
كما في عالم الأوهام؛ إذ تغدو فيه العوالم مطيرة بالسوريالية والبوهيمية، هكذا عاش عبد الناصر، لم يمت بعد، لكن أباه الحاج محمود مات وانفلتت منه زينة القروية، كما أفلت هو من مقولات لينين وماركس، فلم يتحقق حلمه بسيادة ديكتاتورية البولتاريا، فجاءت افتتاحياته في صحيفة الدولة الرسمية حيةً باللغة الجزلة، تزيل الشوائب عن المجاهد الأكبر. وتضع الحبر فيها نقداً وفق ما تيسر له من حذلقة المعنى.
رواية الطلياني لم تذكر بالمفارقات التي تحدث في الحياة عادةً، بل هي صنعت مفارقتها داخل النص، ويتضح أنها عصارة تجربة مركزية في عوالم الأدب والسياسة والاجتماع والفلسفة والأكاديميا، لذا حفلت بالجدلية العميقة التي وسمت حوارات شخوصها، وغنى أصداء أحداثها.
أوّلت الرواية، حياة بطلها عبد الناصر؛ ورفيقته السابقة زينة، إلى أنها نقطة ذروة مضغوطة في زمن الحياة المتصلبة.

 

تعليقات الفيسبوك

اترك تعليقاً

‫شاهد أيضًا‬

قراءة نقدية لرواية خرائط

بقلم: فائز حسن   عن الكاتب: نور الدين فارح كاتب وروائي صومالي يكتب بالإنجليزية ولد في…