وقاص الصادق:

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط  هنا

**

في کل لیلة کانت تأخذ نجمة من السماء وتدسها في دولابها .. حتی بدأ أهل القریة في ملاحظة تناقص أعداد النجوم، في البدایة لاحظها العشاق؛ “أولئك الساهرون الملتزمون بحساب النجوم في لیالي الشوق!” .. ثم لاحظها الأطفال؛ “قالوا أن الضوء لم یعد یکفیهم للعبة شلیل”، ثم لاحظها المسافرون الذین یمرون بالقریة، إذ قالوا لأهلها: “نجوم سمائکم قلیلة لا تدلنا إلی الجهات”، ثم لاحظها کل الناس حین صار التناقص حادا وکثیفا، فرح العشاق؛ إذ صار باستطاعتهم عد النجوم بسهولة! ..

وتغیرت کل الأغاني التي کانت قد جعلت عد النجوم من المستحیلات، فتحولت من عد النجوم إلی عد النمل! .. “کأنه لابد أن یکون هناک مستحیل ما!” .. بینما حزن الأطفال لهجرهم لعبة شلیل تماما ، أما الطفلة .. فاستمرت یومیا في أخذ نجمة من السماء ودسها في دولابها، إلى أن تبقت بضعة نجمات فقط، خاف الناس وبکوا ودعوا وتضرعوا واستنجدوا بالله من هذا الظلام الکثیف، صار اللیل عندهم عتمة خالصة، ککهف تحت بحار عمیقة، کقلب أسود، لا یر فیه أحد أحدا ولا شيء شیئا، ولا تضیئه نار ولا مصابیح ولا تخفف وحشته أغنیة ولا مؤانسة، و کل الأغاني التي كانت تمدح اللیل وهدوءه وروعته تغيرت وصارت تمدح مطلع الشمس ..”فالناس یحبون النجوم بشرط ألا تنطفئ” ..

ثم مع مرور اللیالي صارت في السماء نجمتین فقط، ثم نجمة واحدة، تأملتها الطفلة ملیا قبل أن تأخذها وتضعها بجانب رفیقاتها في ضلفة دولابها العلیا! .. کان ذلک حلمها؛ القفز حتی النجوم ثم جمعها ورصها في غرفتها کأدوات زینة .. نجمتین فوق الطاولة، نجمتین علی الجدار، نجمتین في السقف، نجمتین بجوار ساعة الحائط، نجمتين في الشباک، ونجمتين في حلقيها وواحدة في خاتمها .. وبضع نجمات قد أدخلتهن في خيط صانعة قلادة جمیلة، أما باقي النجوم فترکتهن في دولابها لأفکار جدیدة في الأيام التالية، لكنها في الأيام التالية أحبطت كثيرا، فقد رأت معاناة الناس من اختفاء النجوم واشتداد الحلکة .. اختفت الجلسات السمریة والمؤانسات والتجولات اللیلیة، سهر العشاق ولعبة شلیل والبمبة، وحتی توقف مجيء الحرامیة وأصوات الضفادع! .. إنتهی غموض اللیل المحبب لیغدو لوحة سوداء قاتمة، النوم صار کما الیقظة، ظلام محتشد حتی داخل الأحلام نفسها، حینها أدرکت الطفلة مقدار أنانیتها وعواقب إحتکارها لکل تلک الأضواء، خصوصا أنها رأت أن النجوم في غرفتها لیست جمیلة بالقدر الذي کانت علیه في السماء، “ولکن لماذا؟” .. سألت نفسها ..

“لماذا النجوم جمیلة في البعد فقط! .. لماذا بعض الأشیاء جمیلة في بعدها فقط، جمیلة باشتهائنا لها دون قدرة الوصول، جمیلة باستحالتها!” ..

فقررت حینها أن تعيد الأشیاء إلى أماکنها، انتظرت حتی المساء ثم أعادت کل نجمة إلى موضعها، ثم حین ثبتت آخر نجمة التفتت إلی الأرض،، لتری المئات من العیون التي تنظر إلى السماء في فرح وبهجة، لکنهم لم یکونوا ینظرون للنجوم وحسب، بل کانو ینظرون لها، لها هي بالذات، ولوجهها الذي منذ ذلک الیوم قد سمي “بالقمر!” .. ثم حین حاولت النزول من السماء ،، لم تستطع !

..

أفکر دائما في القمر کوجه طفلة لمت النجوم من السماء یوما ثم أعادتها لها مرة أخری .. “لکنها لم تستطع النزول!” .. ذلک یفسر الحزن علی وجهها، أو “العتمة علی وجه القمر!”

تعليقات الفيسبوك

اترك تعليقاً

‫شاهد أيضًا‬

طق طق طق “مشاهد من اعتصام القيادة”

_ لمن لا يعرفهم .. هؤلاء هم ناس طق طق طق .. هكذا يعرفون أنفسهم للعالم; عبر الطقطقة اللانها…