محي الدين

محي الدين هارون:

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

 

فـطـيـب كـــان لـلإبــداع نـجـمــا        وكان وحيـد شمـس فـى السمـاء

فبعـدك ظــل فــى الإبــداع قــول       و لفَّ الشك صنوك فـى العطـاء

” الشاعر حسن الافندي “

تمر علينا هذه الأيام ذكرى رحيل الأديب العظيم الطيب صالح أو عبقري الرواية العربيه كما أطلق عليه النقاد  ، حيث تعتلي سيرته وأعماله هرم المشهد الثقافي لتكون حديث مجالس أهل الثقافة  ، ومناسبة حيوية لانطلاق بعض الفعاليات  المختصة بالأدب بمدينة الخرطوم والتي  اقترن معظمها بإسمه تخليدآ لذكراه ، واحتفاءآ بتاريخه الذي وضع إسم السودان في الخارطه العالميه للأدب ، حيث ترجمت أعماله لأكثر من عشرين لغة حول العالم  ، لتناولها قضايا إنسان العالم الثالث الذي آمن به وعبر عن همومه وآلامه ، أفراحه وإحباطاته ، وعندما كان الولوج لعوالم الطيب صالح يبتدر من عظيم أعماله الخالدة ” موسم الهجرة ، عرس الزين ” ، كنت أنا أتلمس الطريق في متاهات القراءة المتشابكة  فكان ولوجي إلى تلك العوالم متميزآ من  نافذة السيرة الذاتيه ، وكانت سيرة (منسي إنسان نادر على طريقته) هي نافذتي نحو فيض إبداعه اللامنتهي ، ولها الفضل في دفع عجلات إدراكي الخاصة لفهم فلسفته الأدبية من صميم حياته التي إستعرض بعضآ منها في مقاطع كثيرة من أجزاء الكتاب.

هذا العمل والذي إذا ماتجاوزت فيه محور الشخصية الرئيسة ” منسي ”  فإنك ستكون بلاشك قد عشت ردحآ من الزمن في ذاكرة الأديب مرافقآ له في رحلاته وأسفاره شرقآ وغربآ ، وهنا تكمن عبقرية غير مكتشفة من الراحل الطيب صالح الذي وثق لسيرته الذاتية دون إحداث فرقعه بتمجيدها علانية كحال بعض الكتاب .

في تخليد ذكرى صديقه الراحل منسي صاحب الشخصيه الهزلية والمتفرده ، والتي قد لاتجدها إلا بين أسطر الروايات فكان نادرآ على طريقته كما وصفته استاذته الكاتبه الانجليزيه باربرا براي ، ومن البديهي جدآ ان نتلمس قدر تلك العلاقه التي جمعت بين الراحلان حيث يقول الكاتب في مستهل الكتاب :

” في مثل هذا اليوم من العام الماضي توفي رجل لم يكن مهمآ بموازين الدنيا ، ولكنه كان مهمآ في عرف ناس قليلين مثلي قبلوه على عواهنه , وأحبوه على علاّته رجل قطع رحلة الحياة القصيره وثبآ , وشغل مساحة أكبر مما كان متاحآ له , وأحدث في حدود العالم الذي تحرك فيه ضوضاء عظيمه “

ولك أن تستشِف عاطفة الحزن التي يخلفها رحيل الاحباء وهي تغمر شخص الكاتب فتدفعه لاستدرار شريط الذكريات ليسرد لنا حكاياته مع منسي , مآثره , تقلباته , ومغامرته ,بطولاته ومواقفه المحرجه والمثيره للضحك ، وبرغم أنها كانت ضاربه في الواقعية من حيث الشخوص والأحداث بعيدآ عن بحور الخيال كحال السير الذاتيه وهذا ماقد أكده الراحل في أحد لقاءاته التلفزيونيه إلا أن قلمه وأسلوبه العفوي المسترسل دفع بعض النقاد لأن يذهبوا بتحليلهم وقراءاتهم من منطق نقدي خالص لتصنيفها كعمل روائي من صميم فن الروايه وأن الراحل قد جعل من ذكر واقعيتها مجرد أيقونه لحصد المزيد من الاصداء لغرائبية  شخصية منسي وماتخللها من عمق ، ككل ما أتسمت به شخوص الطيب صالح في أعماله الروائيه والقصصيه ، وبصورة شخصية أعترف أنني قد أعدت قراءة هذا العمل لثماني مرات ظنآ مني أنها رواية من محض خيال الكاتب .

 

* منسي الذي  حمل عدة اسماء

أحمد منسي يوسف , ومنسي يوسف بسطاوروس ، ومايكل جوزف ، وكما يحكي الأديب :

” مثل على مسرح الحياة عدة أدوار حمالاً ومدرسآ وممرضآ وممثلآ ومترجمآ وكاتبآ واستاذآ جامعيآ ورجل أعمال ومهرج، ولد على مله ومات على مله آخرى ، ترك أبناء مسيحيين وأرمله وأبناء مسلمين ، حين عرفته أول مرة كان فقيرآ معدمآ ولما مات ترك مزرعة من مائتي فدان من أجود الأراضي في جنوب إنجلترا ، وقصرآ ذا أجنحه وحمام سباحه وأسطولآ من السيارات من مختلف الماركات ومزرعة من مائة فدان في ولاية فيرجينيا في الولايات المتحده “

من هنا يستنبط القارئ أنه على شفا الإطلاع على تجربة حياتيه خالصه مليئه بحكايا الكفاح التي تمخضت عنها تلك الإمبراطوريه ولكنه سرعان مايندهش بذلك الغموض الذي يحيط بسيرة منسي عندما يعبر بحادثة دفنه وكيف أنه كان لغزآ أربك الناس في حياته وفي مماته  فبينما كانت أسرته المسيحيه التي تقيم في الولايات المتحده تنتظر إكتمال الإجراءات  لحرق جثمانه ، يظهر الكاتب ليؤكد حقيقة إسلامه والذي يبدو أنهم لايعلمون عنه شيئآ ، ولا عن زوجته المسلمه المقيمه بالمملكة والتي تستعين عندما يبلغها النبآ بوزارة الخارجية السعودية لايقاف الإجراءات ، ودفنه في مقابر المسلمين فيتم الأمر بهدوء ، وتكون هذه الحادثة استدرارآ لسلسلة طويلة من المواقف والأحداث المثيرة والمضحكه التي يقوم ببطولتها منسي .

والطيب ينادم نفسه و يتذكر منسي وحوادثه التي ما كان لعاقل أن يفعلها وما كان لمجنونٍ أن يفلت منها ، كانتحاله شخصية رئيس القسم العربي بالبي بي سي ومقابلة ملكة انكلترا ، والتحدث اليها في حادثة كادت أن تسفر عن طرده لولا الكثير من الوساطات وتصديه لرئيس وزراء بريطانيا سير انتوني ايدن في مناظره أقامها نادي شباب حزب المحافظين في لندن مهاجمآ سياسة حكومته العدوانية تجاه مصر تلك البلاد التي قدم من صعيدها ، ومن ثم تلك الحادثه التي جعلت منه بطلآ قوميآ تكتب عنه الصحف عندما مسح الأرض بيرتشارد كروسمان أحد مفكري اليسار الفطاحله في مناظرة أقامها إتحاد الطلاب في جامعة لندن في دفاعه عن قضية فلسطين وهو لايعلم عنها الا كما يعلم عن راعي الإبل في بادية كردفان ، معتمدآ على شغل الحلبسه والأونطه كما قال الطيب الصالح .

منسي الذي  تزوج من حفيدة الوزير الفيلسوف مؤلف كتاب يوتوبيا  سير توماس مور وبين عشية وضحاها إنتقل من غرفته البسيطة في حي فولهام الشعبي إلى دار من طابقين  في شارع سيدني الشهير عايش حياة متقلبه ، كان الطيب صالح شاهدآ على كل فصولها ، مثل صداقته للكاتب المسرحي المشهور صامويل بيكت وإقتحامه لحياته وهو الذي كان في عزلة عن المجتمع ، والكثير الكثير من الطرائف والأحداث التي جعلت من منسي شخصية أقرب ماتكون الى الخيال .

 الطيب صالح يثري ثقافتك الجغرافيه والتاريخية في هذا العمل ، حيث لم يفته أن يحكي عن أسفاره الكثيرة  بمايمتلك من ناصية الكتابه ، ليجعلك بلاوعي تعيش تلك الأجواء السياسيه التي عاصرها في تلك الحقبه ، فتارةً تجد ذاتك تسابق الخطى في شوارع بيروت تلك المدينه التي أحبها كثيرآ لتعايش تلك الفتره المربكه التي سبقت قيام الحرب اللبنانيه عام 1975 ، فتشعر حقيقةً بخيبات الأمل الكثيرة التي مر بها بوصفه رجل عمل على نشر الثقافة وعكس صورة طيبة عن العالم العربي في وسائل الإعلام الغربية  ، وتارةً ينتقل بك إلى سيدني وباريس والقاهرة ودلهي وبانكوك والدوحه رجوعآ إلى عمله في إذاعة البي بي سي ومنظمة اليونسكو،  تلك الأسفار التي كان لها الفضل في صقل تجربته الأدبيه  ، بإطلاعه على نمط الحياة في كل جغرافيا كان قد شد الرحال اليها فخالط أنواع وأجناس من البشر وبالتالي لم يفت منسي ان يقتفي أثره في تلك الأسفار ويدهشه في كل مرة بظهوره المباغت ، ألم يكن هو منسي النادر على طريقته ؟!

تعليقات الفيسبوك

اترك تعليقاً

‫شاهد أيضًا‬

تأملات في اللغة وأشياء أخرى

-١-       يذكر كيف أنه كان صبياً مشاغباً رغم قصر قامته – الأقصر بين أقرانه – و…