رجب

     اليوم أتمَّ ربيع يومه الثلاثون في عمله الجديد: كافيه (أجنحة الفراشات). يستبدل ملابس عمله الرسمية بملابسه العادية المجهولة الهوية، المدنية، متأهباً للرحيل إلى منزله. ينفض عن ممسحته القماشية الغبار، ويضع القماشة بشكل مهذب، إذ يبرز اسم المطعم على القماشة (أجنحة الفراشات). يتجه نحو عم راضي ليذكره بأنه قد أتمَّ الشهر معهم، فيذهب العم راضي إلى حيث تجلس السيدة جوهرة ويهمس في أذنها:

     – الولد الجديد تم اليوم معانا شهر .. تحبي تقبضيه الليلة؟

     – ايوا . . خليه يجي حالاً .. عاوزاه.

     يقترب ربيع من كرسي السيدة، في خجل وحياء، وينطق بكلمة واحدة:

     – أمرك.

     – أهلاً يا ربيع .. أنت كملت معانا النهارده شهر .. مبسوط في الشغل؟

     – طبعاً يا ست هانم .. وكل اللي شاغلني أنول الرضا بسّ.

     – طيب يا ربيع شد حيلك معانا .. إتفضل .. الظرف ده فيه راتب الشهر بتاعك.

     – شكراً يا مدام جوهرة .. تؤمريني بشيء قبل ما أمشي؟

     – شكراً يا ربيع .. مع السلامة.

     وبعد هنيهة قدرها خطوتين بالتمام، جاءه صوتها وهي تخبره:

     – يا ربيع .. على فكرة .. إنت أجازتك هتكون الحد .. يعني إنت بكرة أجازة .. إنبسط.

     – متشكر جداً مدام جوهرة .. مساءك سعادة وإسعاد يا مدام.

     ويذهب ربيع إلى حيث سبيله، وكله إنتشاء براتبه الجديد، وزاد النشوة نشوة فكرة إجازته، واستراحته بعد عمل دام شهر بلا إجازة.

    في يوم الأحد يزدحم مطعم أجنحة الفراشات بالزبائن، ويكون فيه من كل لون رمز. يوم الأحد يلتقي في المطعم أجناس كثيرون، العربي وغير العربي، والشرقي والغربي، بعضهم من الهند والصين، وبعضهم من الخليج واليمن، وأرض الحضارات القديمة، وبعضهم من أوروبا، وغيرهم من شمال أفريقية، وآخرون من جنوبها. إلا أن الثقافتين الغالبتين في المطعم هما: المصرية والفرنسية.

     وعلى يسار الداخل من بوابة المطعم يقف العم راضي بملابسه الأنيقة جداً، ونظراته الممتزجة بين الطيبة والحدة، لإستقبال الوافدين من الأثرياء والأثرياء مؤقتاً. وعن شمال العم راضي يقف صبي نوبيّ لا يتجاوز عمره الثامنة عشرة. وأقصى يمين الداخل من البوابة، هنالك تجلس السيدة جوهرة مالكة المطعم. وفي الممر الواقع بين صفوف الطاولات تمَّ إطلاق ثلاث من الشباب لخدمة الزبائن. كل شيء قد جعلناه بقدر معلوم.

      يدخل ربيع من بوابة المطعم كأنه زبون، غير آبه بالعم راضي، ولا بالسيدة جوهرة، ولا بالزبائن الأعلى منه مرتبة. يتفحص الطاولات، حتى تستقر عينه على واحدة، فيتخذها لنفسه مقعداً. وعند ذلك يتبادل العم راضي والسيدة جوهر نظرات تعجب، ولم تمر دقيقة حتى تحولت نظرات التعجب إلى شرارات غضب ونفور.

     يميل العم راضي بظهره ببطء، حتى تلمس شفتاه أُذنا ربيع، فيهمس له بنبرة خافتة غاضبة: “مدام جوهرة بتقولك تقوم تمشي حالاً، وتلزم حدودك.” ولكن ربيع العجيب جداً، سَحَبَ دفتر الفهرست من تحت إبط العم راضي، وأخذ ينظر تلك النظرات نفسها التي تدل على خبرته بعالم البشوات، ثم أشار بإصبعه إلى طبقه المفضل ومشروبه، ثم يسلِّم الدفتر للعم راضي مع الشكر.

     يعود العم راضي إلى السيدة جوهرة، مهزوماً منكسراً، ليخبرها بإصرار ربيع على البقاء هنا كأي زبون. ويهتز عرشها من أثر الغضب، وتتكلم بجنون إلى طاقم العمل الحائر بشأن تلك الأزمة: “ماينفعش .. الزباين اللي شافوه امبارح بيخدّم عليهم، غلط يشوفوه دلوقت واحد منهم!” وبعد عدة مفاوضات هادئة – باءت كلها بالفشل – تقوم السيدة جوهرة بنفسها نحو أرض المعركة، لتنتصر على ذلك الأحمق. ولما وقفت عن يساره، وإستفزتها إستكانته كأنه لا يعرفها، قبضت بيدها على قميصه، وشدّته بعنف مهين، غير آبهة بالزبائن، صرخت فيه:

     – إطلع بره يا صعلوك.

     – أنا زبون هنا، ومن حقي أقعد بفلوسي على أي طاولة!

     – من تظن نفسك؟ لقد جئت شيئاً لم يأت به الأولون.

     ولم تدري السيدة جوهرة بنفسها إلا وهي تصفعه صفعة مهينة.

    تهافتت أصوات المعالق والشوك والكؤوس رويداً رويداً، حتى تبددت كل الأصوات تماماً، ولم تبق إلا تلك النظرات المندهشة، الناظرون نحو خشبة المسرح، إذ يقف الثنائي المبدع: مدام جوهرة الآسرة، وربيع العجيب. ولكن ربيع يعاود على إصراره أن يجلس كأي زبون، وإذ لات يهم عدد من الزبائن بالرحيل، وهم متقززين مما يرون. وفجأة يرمي لها أحد الراحلون عبارة تدل على هزيمتها أمام ربيع: “هو إنسان في المقام الأول.”

    وصكتْ على أسنانها بغرور ملكة لا يمكن هزيمتها، وبعد لحظات من التفكر، إتخذت لنفسها حيلة أخرى، تنتصر بها إنتصاراً غير مكتمل الأركان – قررتْ أن تقسم كعكة النصر بينها وبين ربيع – ورضيتْ لنفسها بالإنتصار البسيط، فقالت: “الطاولة دي محجوزة، قم واجلس هناك؟” وأشارت بإصبعها نحو الركن البعيد جداً، حيث الطاولة المجاورة للحمام. وإستجاب لها ربيع جبراً، وأحضر له العم راضي ما طلبه من الطعام.

     وأصرَّ ربيع الصعلوك جداً على الشغب اللذيذ، فأشار للعم راضي وأمره بإحضار زجاجة بيرة للحسناء الجميلة التي تجلس وحدها، وأمره أن يخبرها بأن تلك الزجاجة تحية منه، وإنتصر ربيع لما غمزت له المرأة الوحيدة وتقبلت منه تحيته. وعادتْ السيدة جوهرة إلى حيث مجلسها السري في الغرفة المخصصة لها، وعضتْ على أصابعها، ومصمصتْ شفتيها إشتهاءً لذلك الصعلوك المثير لجنس الملكات.

تعليقات الفيسبوك

‫شاهد أيضًا‬

الضبع والقاضي

    بسرعةٍ، أعدَّتْ انشراح كوب القهوة الصباحي لحضرة المستشار الذي تعمل في بيته خادمةً مخلص…