حوار: محمد نجيب محمد علي

“الجوائز أسهمت بشدة في خلق كتاب جدد للرواية.”
“المترجم الأجنبي يبحث عن موضوع يثير به القراء في بلده.”
“الفنية الروائية عند الطيب صالح لا تطالها أي فنية لكاتب روائي عربي حتي الآن.”

يعد إبراهيم إسحق أحد أبرز كُتّاب السرد في السودان، إذ أنه أصدر روايته الأولي (حدث في القرية) في ذات العام الذي أصدر فيه الطيب صالح روايته (موسم الهجرة إلي الشمال) عام 1969م، وقد صدرت له حتي الآن ست روايات وثلاث مجموعات قصصية بجانب دراسته عن الحكاية الشعبية في أفريقيا وهجرات الهلاليين. وله العديد من الدراسات والقراءات التي نشرت بالملاحق الثقافية. وقد تناول العديد من النقاد أعماله، وأثار إستخدامه للغة المحلية الدارفورية في حوارات رواياته الكثير من الإختلاف. جلست إليه في حوار شمل تجربته والراهن الثقافي.

– اللغة الدارفورية التي إستخدمتها في رواياتك الأولي أثارت كثيرا من الجدل، حتي أن البعض ذهب إلي أنها السبب في عدم وصول أعمالك للآخرين، والآن أصبحت لغتك في رواياتك الأخيرة لغة عربية مفهومة للكافة ما قولك؟

كانت بداياتي في معهد المعلمين العالي بأمدرمان في عام 1968، وقررت أن أتجاوب مع التحدي الذي يمثله كتاب جيمس جويس “العوليسة” ( (Uylles إذ تدور رواياته كلها “600” صفحة في يوم واحد، فقررت أن أكتب (حدث في القرية) لتستغرق يوماً واحداً. وكان لابد من أن أحل هذا الإشكال الفني وهو صدق الشخوص. ولا يتم ذلك في رأيي إلا بأن أجعلهم يتحدثون باللغة الدارجة المحلية في شرق دارفور في حواراتهم، إذاً فالسرد كان باللغة العربية الفصحي لكن الحوار بالدارجية الدارفورية، مع غرابة البيئة التي كنت أكتب عنها، تسبب ذلك في مشكلة شعور من يقرأون لي بأنني بالنسبة لهم لغز. لم يكن هناك خيار. فوضعت في ذهني أن المزيد من الكتابة سيحل الإشكال. فبعد سنة واحدة صدرت الرواية الثانية (أعمال الليل والبلدة) على نفس النهج، وبعد سنة كتبت (مهرجان المدرسة القديمة) على نفس النهج، وبعد سنة أخرى كتبت (فضيحة آل نورين) على نفس النهج. رغم تأخر طباعة هذه الأعمال إلا أن تواليها مع نشر القصص القصيرة في الجرائد منح القارئ الجاد شعوراً في السبعينات بأن ليس هناك مجال لحل آخر إلا قبول عملي على ما هو عليه، هذا أثر في كمية القارئين، لكن قيمة العمل الفنية ظلت محفوظة. الأعمال التي صدرت بعد عشرة سنوات من ذلك التاريخ تغيرت فيها لغة الحوار، ولم تعد هناك مشكلة. لماذا؟ لأن التواصل الحضاري بين القرية التي أكتب عنها والعالم الفسيح غيّر اللغة عند أهالينا حتي صارت شبيهة بلغة أمدرمان. فلا تعود هناك مشكلة إلا في غرابة نوع الحياة التي أكتب عنها، وهذه مشكلة يجب علي القاريء الجاد أن يحلها لنفسه. فروايتي الأخيرة (وبالٌ في كليمندو) الصادرة لأول مرة في 1998 لم تواجه أي مشكلة في اللغة، لكن مسميات النباتات والحيوانات والعادات الإجتماعية قد تظل معضلة لمن لا يكترث لمعرفتها .. أنا مسرور لأن كاتب مثل السوري نبيل سليمان قرأ هذه الرواية في 1999 وأعجب بها وكتب عنها، كما أن الطيب صالح –يرحمه الله– أشاد دائماً بالقصص القصيرة التي قرأها لي في الجرائد، وكذلك عبّر عن إعجابه بـ (وبالٌ في كليمندو).

– كتبت القصة والروايات .. ما الذي يدفع الكاتب للتنقل، وما هي الفروق الجوهرية، ولماذا يلجأ الروائي لكتابة القصة القصيرة علماً بأنك بدأت بكتابة الرواية أولاً؟

بدأتُ بكتابة الرواية ولم أكتب القصة القصيرة إلا بعدما تحدث الوسط الثقافي السوداني بأن إبراهيم إسحق لا يجيد كتابة القصة القصيرة. إذاً فالأمر كله بالنسبة لي في القصة القصيرة أمر تحدي، لا أعرف مفهوم الكتاب الآخرين، لكن مفهومي الخاص بأن الحادث العريض وطويل الزمن المشحون بعدد من الشخصيات يحتاج إلي عينة الرواية، وهذه تأخذ مني ما بين الشهر إلي الثلاثة أسابيع، أما القصة القصيرة فهي حادثة محددة، قليلة الشخصيات والإحداثيات مركزة، لكن الدراما والمعطى قد يكون بنفس الأهمية الموجودة في الرواية، هذا قالب يناسب الرواية وهذا قالب يناسب القصة القصيرة، وأنا أصدرت أعمالي “6” روايات و”3″ مجموعات قصصية على هذه الصورة. هنالك سهل عريض ممتلئ بالأشجار، من بينها أشجار سامقة كالتبلدي. كلها منظور واحد متكامل، الأشجار الصغيرة هي القصص القصيرة وأشجار التبلدي هي الروايات. وما دام النقاد يتحدثون عن أن هذا العالم متكامل برواياته وقصصه القصيرة، فالمجاز عن المنظر الواحد المتكامل ينبني علي شيء كبير من الواقع في نظري.

– دراستك حول السيرة الهلالية في السودان (أبوزيد الهلالي) أرجو أن تعقد لنا مقارنة بينها وبين السيرة الهلالية في مصر وفي تونس ودول المغرب العربي ومثيلاتها في البلاد الأخري؟

عندما وجدت نفسي أختار موضوعاً لرسالة الدكتوراة كان أمامي خياران: دراسة السيرة الهلالية كأدب أو دراسة السيرة الهلالية كتراث شعبي تاريخي. الإقتراح الأول من سيد حامد حريز والثاني مستخرج من كتاب بروفسير يوسف فضل المسمى “العرب والسودان”. في شمال السودان تحكي قصص أبوزيد كمادة ترفيهية وتعليمية. لكن في غرب السودان وفي تشاد وشمال افريقيا غالباً ما يروي الأعراب قصص أبي زيد الهلالي كجد لهم، نسبة لأنهم يمثلون أخلافا للقبائل الهلالية التي دخلت إلى بلاد السودان بعد القرن الحادي عشر الميلادي. لذلك اخترت أن أجعل دراستي في جانب التراث الشعبي التاريخي وألتقط الموضوع من جنوب المملكة العربية، وأنتقل مع بني هلال عبر نجد والصحراء الشامية وسيناء وصعيد مصر، عبوراً بالمغرب العربي العريض، حتي يظهر الأعراب الذين جاءوا مع بني هلال في شمال مملكة البرنو بوثيقة تاريخية أوردها القلقشندي في القرن الرابع عشر الميلادي عندما تدفق هؤلاء الأعراب إلى شمال تشاد وصولاً إلى جنوب تشاد وإلى شمال دارفور، ثم تمددوا حتى وصلت طلائعهم الآن إلي افريقيا الوسطي. لذلك سميت الكتاب (هجرات الهلاليين من جزيرة العرب إلى شمال افريقيا وبلاد السودان). لا أمدح هذا العمل لكني راجعت معظم الأدبيات الخاصة لبني هلال في كل هذا الوسع من الأرض. والدليل على قبول هذا العمل أن الممتحن الخارجي الراحل عبد المجيد عابدين أشاد بخصوصيته، ثم عناية جمعية الملك فيصل الخيرية بالرياض سنة 1996وتوزعه كان دليلا على القبول الذي يجده، ثم إهتم السودانيون به وطبعت هيئة الخرطوم الطبعة الثانية منه. سررت لأن الكتاب انتشر حتى وصلت الإشادة به ولو شفهيا من المنصف المرزوقي الرئيس السابق للجمهورية التونسية.

– الآن بعد رحيل الطيب صالح ومرور عقد من السنوات. ما هي الإضافة التي قدمها الطيب صالح للرواية العربية والسودانية؟

إذا أنصفنا يجب أن نقول بأن الفنية الروائية عند الطيب صالح لا تطالها أي فنية لكاتب روائي عربي حتى الآن، ولا ينقص من هذا كون القمة في (موسم الهجرة إلي الشمال). فهي الرواية العربية الوحيدة التي انتخبت من ضمن أحسن مائة رواية عالمياً في هذه العينة. إذاً الطيب صالح ترك بصمة في الخيال السردي، وترك بصمته في الكتابة النقدية في صفحته لمجلة (المجلة)، وترك بصمته في الهم الثقافي العربي كله بمقابلاته ومشاركاته في المواسم الثقافية، وعلى رأس تلك المشاركات عمله في قطر كوكيل لوزارة الثقافة، وكذلك كخبير لليونسكو. عندما يحتفي الناس على وسط العالم بإنجاز الطيب صالح يجب أن نفخر نحن السودانيون بأنه قد منحنا من كل أعماله هذه المكالنة الرفيعة.

– يذهب بعض النقاد إلى أنك تستعير تكنيك فوكنر والرواية الدائرية في كتاباتك؟
لا أنكر ذلك. أنا لا أنكر أنني استلهمت تصوري لبيئتي من العالم المتكامل الذي خلقه جيمس جويس ووليم فوكنر وميخائيل شيخوف. هؤلاء من أرفع كتاب الخيال السردي في العالم، وانتاجهم أثرى معرفتنا بمكنونات الإنسان، ثم أن الطيب صالح أيضاً يحصر كل أعماله في دائرة الخروج من والدوران داخل عالم ود حامد. إذاً فهناك كتاب يكتبون بطريقة متناثرة شخصية من هنا، وواقع من هناك، حسب التقاطهم لمواضيعهم، وهناك كتاب ينحصر همهم في تقديم عالمٍ معين بأدق ما في ذلك العالم من المكونات، ولا يجدر بنا أن نلوم أي منهم أو أن نتغول على حريته الإبداعية.

– ما رأيك في منابر الرواية العربية؟ المسابقات في كل هذه المنابر تجمع بين المحترفين والشباب الجدد، ما عدا مسابقة الطيب صالح العالمية لا يوجد فيها محترفين؟

أولاً أنا أرى أن الجوائز أسهمت بشدة في خلق كتاب جدد للرواية، وخروج كاتب جيد من داخل هذه المسابقات أمر متوقع، مثل ما رأينا في علي الرفاعي. ربما يتباعد المحترفون عن المشاركة في هذه المسابقات لأنهم لا يريدون أن يحكموا المحكمين في أعمالهم. وهذا يمنحنا فرصة في أن تخدم الجوائز على صعيدين: فهناك جوائز تقديرية مثل (العويس) و(البابطين) و(نجيب محفوظ)، وهناك جوائز تشجيعية مثل (كتارا) و(البوكر) و(جائزة الطيب صالح العالمية) من شركة زين. فإذا كان القصد هو أن نفسح المجال لكمية طوفانية من الروايات التي تستحق الإنتماء لهذه العينة، تحفز هذه الجوائز التشجيعية الكتاب المبتدئين من كل أعمالهم للمشاركة فتطلع لنا بعض الروايات الجيدة، وقد تصل إلى كاتب استطاع أن يطور نفسه حتى مستويات رفيعة. وبجانب ذلك نتمنى أن تمنح الجوائز التقديرية فرصة للكتاب المحترفين من خلال الإطلاع على أعمالهم ومنحها ما تستحق من التقدير.

– هناك من يري أن عدم ترجمة أعمال إبراهيم إسحق للغات الأخرى هي من أسباب عدم وصوله للآخرين؟

ليس في يدي أن أطلب من الناس أن يترجموا أعمالي للغة الأجنبية، لأن هذا الأمر يتأتي من مدخلين: المدخل الأول هو أن تعني الدولة بأن تنشر أعمال المتميزين من كتابها من خلال ترجمة أعمالهم كما كان يفعل عبد الناصر، والمدخل الثاني هو أن يحس المترجمون الأجانب بالقيمة الفنية والمعنوية لهذا العمل فيسعون لترجمته كما فعل دينس جونسون بالنسبة للطيب صالح. ومن المؤكد أن ترجمة الأعمال للغات الأخرى قد تفيد الكاتب بأن يلتفت إلى عمله القراء الأجانب، والقيمة الموجودة فيه، لكن في هذه الظروف الحالية الذهاب إلى ترجمة أعمال ليست بقدر كبير من الجودة، نسبة فقط لما فيها من الموضوعات التي تتلمسها، هذه الحالة في السودان كثيرة ولها شواهد يعلمها الناس. الكاتب السوداني أمير تاج السر أشار في واحد من مقالاته إلى هذه الناحية، وقال الكثير من الأعمال التي ترجمت وهي ضعيفة أساساً وترجمت فقط لما فيها من القضايا اللصيقة بالحاضر لم ينتج عنها أي شيء، أنا كنت أتمنى لو وجد الناس رغبة أن يترجموا أعمالي لكني بنفس الوقت لا أستطيع أن أطلب منهم أن يترجموا هذه الأعمال، وأتحسر لأن الدولة لا تفعل شيئاً.

– والترجمة هي من الأسباب التي لم توصل إبراهيم اسحق للعالم؟
هذا إحتمال، ولكن لا أستطيع أن أقنع نفسي أيضا بأن أعمالي جيدة وعدم ترجمتها هو المانع. لماذا؟ لأنك لا تستطيع أن تتحكم في أمزجة الناس، أمزجة القراء الأجانب في الوقت الحاضر هي أمزجة مبنية على تناول هذه الأعمال للمسكوت عنه سياسياً، أو دينياً أو جنسياً.

– ما أشرت إليه فيما قاله أمير تاج السر هل هذا يشير إلى فساد الترجمة؟
لا نقول فساد الترجمة بقدر ما نقول أن المترجم الأجنبي فتش عن موضوع يثير به القراء في بلده، وأن القراء في بلده مع هذا الإنتشار الإعلامي الرهيب عن قضايا العالم، مثلاً رواية (مسيح دارفور) تجد أقبالاً كبيراً بالنسبة للجمهور في أوروبا دون اعتبار لمحتوى الرواية، ويمكن أن يؤدي ذلك لشراء الرواية من قِبَلهم. لكن (وبالٌ في كليمندو) ماذا يعني لهم؟ أعتقد أن المواضيع واختيارها من جانب المترجمين هو السبب الأساسي وكما قال أمير تاج السر كثيرٌ من الروايات التي تُرجمت تحكمت فيها السياسة وليس الجوانب الفنية.

تعليقات الفيسبوك

‫شاهد أيضًا‬

علمٌ لم تره إلا الأعين الحرة!

أبت روح الأديب إبراهيم اسحق إبراهيم أن تقبل تكريم “جيل جديد” لها، واختارت النأ…