Holding-World

فوزي بسام:

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط  هنا

**

يعتقد كثير من الناس ، و خاصة في بلادنا العربية ، أن إجراء بعض الترتيبات الإجرائية في الوسط الاجتماعي كفيل بأن يغير الوضع الحضاري في الوسط الاجتماعي ، و ما هذا إلا للاعتقاد السطحي السائد حول سير الأمور ، و الذي جوهره مركزية الدولة ، و لا يخفى على أحد بأن هذه النظرة السطحية هي من نتائج الثقافة الاستهلاكية السائدة بالعولمة في هذا العصر …

و على هذا الأساس لا يعود مستغربا أن نجد أن الحكم اليوم ، أو كلمة أصح و أدق : الجاه ، هو من نصيب أولئك الذي يبرعون في الظهور للناس ، سواء بصورة القوة مثل القادة العسكريين ، أو صورة اللين مثل الإعلاميين و السياسيين ، على أننا اليوم ، نرى بأن الكفة قد مالت للحزب الثاني على حساب الحزب الأول في صراع الجاه ، و ما ذلك إلا لتغلغل المنطق الديمقراطي في ثقافات الجماهير حول العالم ، في إطار عولمة الثقافة الاستهلاكية العلمانية …

فكان من نتائج هذا التغلغل ، أن انفض الناس من مجامع العلماء نحو عروض البارعين في الظهور ، و بكلمة أخرى : أُهمل أهل العلم أمام أهل الإعلام ، حتى إننا اليوم نشهد ظاهرة جديدة و غريبة ، و هي ظهور فئة من أهل العلم و الإعلام في نفس الوقت ، و الذين يمكن أن نطلق عليهم : “مثقفي الإعلام” ، أو “علماء التلفاز” … ، و هم كما هو واضح فئة من العلماء و المثقفين ، أدركوا فاعلية الإعلام و أهميته بالنسبة للجماهير ، خاصة في ظل الثقافة الاستهلاكية التي نعاني منها اليوم ، فما كان لهم إلا أن صنعوا لهم خطابا هو بين العلم و الإعلام ، فنتج ذلك أن دخلوا حياة المشاهير ، كمشاهير الفن و الإعلام و الرياضة ووو …. الخ ، فصارت تصيبهم آفات الشهرة ، أو بمعنى أعم : أصبحوا من فئة الظاهرين ، و التي هي من المفروض أنها فئة ضد فئة الراسخين في العلم ، فهل تجتمع مميزات الفئتين المتضادتين في جوف واحد ؟!

سنؤجل الإجابة عن هذا السؤال إلى حين ، و سنتحدث الآن عن مميزات الفئة الوسيطة ، أعني فئة “مثقفي الإعلام” ، أو “علماء التلفاز” ، الذين قلنا فيما سبق من السطور ، بأنهم فئة تملك النجاعة الخطابية للوصول إلى عامة الناس ، تكون في ذلك مادتهم الإعلامية مختارات من علمهم الواسع ، و الحق أن ظهور هذه الفئة قد ساهم في رفع الوعي الجماعي بشكل نسبي

إلا أن إدراكهم استحالة طرح كل محصلتهم العلمية بمناهجها المعقدة و المتعددة على وسائل الإعلام و التواصل ، أجبرهم على وضع خطاب يشبه إلى حد كبير ذلك الذي يتميز به دربوا التنمية البشرية ، و الذي هو خطاب دوره تنمية الشعور بالذات ، إلى الحد الذي يجعلها قادرة على المنافسة في عالم يميزه الظهورية ، أي بمعنى آخر : هو خطاب يشبه إلى حد كبير خطاب السياسي في ظل الديمقراطية ، الذي يخاطب النزعة الظهورية في الجماهير ، بمعنى أنه بدل أن يساهم في ترسيخ العلم في الناس ، نجده قد قام بالعكس ! فقد جعلهم ظاهرين ظهوريين ، و هذا ما يفسر أننا نجد كثير من الشباب اليوم ، ينعتون كثير من العلماء بالجهل ، و بأنهم لا يفقهون شيئا ، و هم لم يقرؤوا لهم كتابا واحدا ، لا لهم و لا لغيرهم ، رغم أهمية الكتاب في ترسيخ العلم !

فالشاب المندفع بعنفوانيته ، و المدعمة بثقافة الاستهلاك ، لما يجد أمامه نوعين من الخطاب ، الأول يدعوهم إلى التعلم أو سؤال أهل العلم ، و هو خطاب الراسخين في العلم ، و الثاني يدعي بأن عقل الإنسان (و خاصة الشاب) أنه كامل بذاته ، و بأن ما سيقوله لابد أنه متوافق مع عقولهم ، و بأن الحكم أولا و آخرا هو لهم –على مقتضى هذا الادعاء- ، و هو خطاب الظهوريين ، فبالتأكيد أنه سيختار الثاني ! الذي يشبه في دعواه دعوى الفلاسفة القدامى الذين ادعوا كمال العقل بذاته ، إلا أن دعوى الفلاسفة على الأقل قد بنيت على تفلسف ، على عكس نظيرتها الظهورية التي بنيت على التغرير ، الذي يشبه شبيهتها السياسية …… !

و لهذا نكاد نجد أن عامة الجماهير حول العالم اليوم ، تعتبر ضمنيا الديمقراطية دينا جديدا ! لأنها تظهر فيهم بأقوى ما يكون نزعة الظهور ، فالديمقراطية لما ثارت على الكنيسة ، قامت بإحلال روح الإله في الإنسان ، فصار بذلك الإنسان يتقرب إلى ذاته بالعبادة بدين الديمقراطية ! في إطار مشهد التعددية الوثنية ، و هذا بالضبط الذي يمكن أن ندعوه بـ : الظهورية الأنانية …

و عليه يتبين لنا بأن طلب العلم اليوم ، قد أصيب بداء الظهورية ، فتعطل بذلك . فبزيادة عن تعالي المتعلمين عن بعضهم البعض -فما بالك عن بقية الناس !- ، ليتحولوا إلى “متعالمين” ! نجدهم بتعاليهم هذا و ظهوريتهم ، يغفلون عن كثرة التساؤلات التي تحف مجموع محصلاتهم العلمية ، من الخارج و من بين الخلال … في رحلة تعلمهم ، حتى لا نقول في رحلة الرسوخ في العلم ، إذ يبدوا بأن تبيان معنى هذا المصطلح الأخير ، لم يحن وقته بعد

فالمتعالم الظهوري إذا ، هو شخص تعطلت رحلته العلمية ، أو على الأقل تعاني من عقبات ذاتية ، تجعل تحصيله العلمي و انتفاعه بعلمه أقل بكثير ، لا لشيء إلا لأن تعاليه يجعله منقطعا عن الفعل ، و يحبسه في التنظير ، إذ إن الفعل يتطلب مستوى أخلاقيا معينا ، لا يملكه ذلك المتعالم لافتقاده للتواضع …

و هذه النقطة بالذات هي ما يستغلها بعض عتاة الظهور من السياسيين و الإعلاميين و مثقفي الإعلام و علماء التلفاز ، فيكون بذلك الحكم للظهوريين ، بشكل غير مباشر …

فإذا قد تبين بأنه لا يجتمع الظهور و الرسوخ في العلم …

ذلك لأن الرسوخ في العلم يقتضي التواضع ، لأن التواضع فقط من يسمح بمواصلة رحلة التعلم بعمق ، أو الرسوخ في العلم لأنه يسمح بظهور السؤال (فلا يقمعه استبداد الكبر الظهوري) كلما ازداد طالب العلم تبحرا في العلم ، ثم يسمح له بالبحث عن الجواب أينما كان ، و من أي كان …

ثم إن طلب العلم في حقيقته ، من حيث كونه رحلة غير منتهية ، كأنه في الواقع لا يطلب حقيقة عينية ثابتة ، بل كأنه يطلب حقيقة تعادل الحياة في الوجود ، و معلوم أن الحياة لا تمسك عينيا ، بل تعاش ، و بالتالي فإن طلب العلم في حقيقته هو حياة تعاش ، و ليست مجرد معرفة تدون على أوراق !

ففي النهاية ، الرسوخ في العلم هو عمل ، و العمل لا يؤتاه المتكبر …

فإذا كان الأمر كذلك ، كانت رحلة طلب العلم ، من زاوية أخرى ، هي طلب معرفة موقع الإنسان في الوجود ، في كل لحظة من لحظات وجوده ، و معلوم أن هذا ممتنع عن التحديد الفيزيائي ، بالأبعاد الأربعة الأينشتاينية !

لأن الأمر يتطلب إدراكا أعلى من الإدراك العقلي ، و يفيض منه الأخير ، إنه إدراك أخلاقي (عملي) يسميه الصوفية بالفتح –و الذي تناولناه في مقالنا السابق- ، لأن العلم المطلوب هنا ليس العلم بالمكان و الزمان فحسب ، و لا بالتاريخ فحسب ، بل العلم هو معرفة موقع الإنسان في الوجود (متضمنا في ذلك معرفة المكان و الزمان ، و معرفة التاريخ)

فطلب العلم و هو بهذا المعنى الواسع ، يصبح ممتنعا عن فخ الظهورية و سلطان الظهوريين ، لأنه يستقي من أصل الوجود ، قبل أي مصدر معرفي آخر ، بما فيهم الراسخون في العلم ، الذين بالأساس لن يهتدي اليهم إلا بادراك أصل الوجود –أن صح التعبير- ، فهم لن يظهروا في الساحة الاجتماعية بغير اعتناق هذا المفهوم الواسع للعلم (الأخلاقي) …

فإذا ظهروا ، أصبحوا هم المطلوبون ، بدل أن يكونوا معروضين كما هو الحال مع مثقفي الإعلام أو علماء التلفاز ! … و يقتضى على هذا ، أن يكونوا نجوما هادية للجماهير ، لا أن يكونوا سلاطين على رقاب الناس ! … و أن يكونوا بذلك سببا لهداية الناس ، لا في تضليلهم بتغريرهم !

فإذا حدث هذا ، عرف الإنسان مكانه في المجتمع و في التاريخ و في الوجود ، ثم انطلق بعد ذلك متحملا مسؤولياته ، ترافقه نجوم الهداية من الراسخون في العلم ، لينتج عن ذلك تلقائيا أن يتغير حالهم ، و حال الأمة الحضارية بالجملة ، فتنبعث الحضارة التي ترد للإنسان كرامته …

و هذا هو السبيل التغييري الذي يغفل عنه معظم الناس اليوم ، و على هذا يمكننا القول بأن الثورة الثقافية ، و الأخص الأخلاقية ، أولى من الثورة السياسية ، باعتبار السياسة هي وسيلة تدبير لشؤون الناس الحضرية …

 

 

تعليقات الفيسبوك

اترك تعليقاً

‫شاهد أيضًا‬

رمضان

مرة أخرى يهل علينا شهر رمضان المبارك ، و مرة أخرى يهل علينا و أوضاع الأمة الإسلامية في ترا…