622207109016_893823_1_932929_large

الجائزة كانت جنيهًا كاملًا .. في حين أن كل الذي كان ينقدونه لي أهلي في اليوم هو نصف جنيه ، لذلك كان علي أن أناضل لأجلها.

.. ما هو موقع ( الله ) من الإعراب في الآية ( إنما يخشى الله من عباده العلماء ) ؟؟؟

هذا هو سؤال أستاذة اللغة العربية الذي سأغتني إن جاوبته.. أفكر بسرعة محاولة لاستباق زميلاتي النبيهات اللاتي دائمًا ما ينازعنني في ما أستحق ، كنا أطفالًا و نغار من بعضنا بوضوح و لا نخفي أهمية أن نسبق بعضنا ، فكرت أنه من المستحيل أن يخشى الله العلماء رغم أن الآية توحي بذلك لعقلي الصغير .. و إيماني يقول بأن الله لن يصبح مفعولًا به أبدًا.. و لكنه هو تعالى من سيقع عليه فعل الخشية ! حسمت أمري و رفعت إصبعي بحماس رهيب ( أستاذة أستاذة أستاذة ) تجاهلتني قليلًا لتبحث عن خيارات أخرى ولكن لم ترفع إحداهن يديها. أشارت إلي في استسلام فجاوبت:

اسم الجلالة مفعول به منصوب بالفتحة الظاهرة على آخره.

فرحت الأستاذة لأنني أخبرتها ما أرادت بالضبط ، صاحت بالبنات : صفقوا ليها ! فصفقن لي ، ياللزهو ! و قاسمنني الجنيه الذي كنت أستطيع أن أشتري به عشر حلويات مختلفة.

و كان هذا الجنيه هو أول هدية تقدمها لي اللغة العربية .

و اللغة مفاتيح ، و مفاتح ، و أضابير قد لا ترى بالفهم المجرد ، و أنا كنت ضالة فيها و أتبع حدسي في دراستها ، و التواصل معها و بها، كانت تلهيني في كثير من الأحايين بطرق كثيرة ، مطابقتها أو مفاضلتها باللغة الدارجة كانت شيئاً صعباً ، و سهلاً في نفس الوقت حسب فروقات الحالة الذهنية.

تدرجت في مخيلتي تراكيب الأفعال الثلاثية و الرباعية و الخماسية و حتى السباعية منها .. صارت هرماً ضخماً أعرف إنني إن لم أتبع النظام في استلال ما يناسب كتابتي فسيسقط هرمي مغشياً عليه ، و كنت أظنني وحدي في هذا العالم من تعد النقاط التي على الحروف.

و بما أن اللغة هي وسيلة العقل للتخاطب مع العالم فقد كنت كثيرة الأسئلة ، كثيرة المماطلة حتى فيما صغر منها و كان أبي له بال طويل كنهر ، و معرفة واسعة أغنتني عن عناء البحث في مرحلة ما ، لن تصدقوا و لكن أبي كان يدفع لي لأقرأ أو لأكتب قصيدة ! ألم أقل لكم أن للغة هدايا كثيرة..

و لن أنسى بأن القراءة كانت فتحاً عظيماً لعقلي المتثائب تواً من طفولته ، أنضجتني بصورة هادئة و تعلمت اللغة العربية الفصحى .. من الكتب وحدها .. لا من أستاذ بعينه.

و أبي له مكتبة مليئة بما أحب ، كتب و مجلات و روايات .. كلها اجتهد مدونوها في تجويد و تدقيق لغتها لتخرج برصانة للمتلقي النهم ، أشكال لا تحصى من الجمل و التعابير المدهشة نستطيع استخراجها من لغة لها ثمان و عشرين حرفاً .. أكوان و مجتمعات بعيدة وغريبة عني ، و بنات أخريات لهن قصص لا تنتهي و يتحدثن بلغات أخرى و بأحرف مغايرة عن عربيتي ، كل هذا أستطيع أن أصل لفحواه بمجرد أن أفتح كتابًا ما ..

و لكني عرفت فيما بعد أننا كلما مضينا أكثر واجهتنا مصاعب أكثر ، و أن النافذة التي نفتحها لننظر بها للعالم قد تضيق طالما نحن لا نتغذى أكثر بما يفيد العقل و الذاكرة لنفهم حقيقة ما نراه ، المصاعب نفسها قد تواجهنا في خذلاننا لأنفسنا بعدم اختيار الكلام المناسب لنعبر عن موقف بعينه أو لنعبره ، قد أمر بموقف حياتي صعب فلا أستطيع أن أقول حينها للناس إلا كما قال عيسى بن عمر النحوي و قد سقط عن دابته فأجتمع الناس حوله فقال: مالكم تكأكأتم على كتكأكئكم على ذي جنة فأفرنقعوا )

تعليقات الفيسبوك

تعليق واحد

اترك تعليقاً

‫شاهد أيضًا‬

الغريق الأخير

  ** في الفناء الخلفي للفندق الذي كنا نقيم فيه مؤقتا” أنا و أبي ، كانت هنالك بح…