san-galgano-1610962_1280-489x275

مرة أخرى تقام الانتخابات ، ومرة أخرى يصاب الشعب بخيبة أمل كبيرة ، ومرة أخرى تنطفئ شمعة الأمل في التغيير أكثر ، و مرة أخرى يصدق المتشائمون في توقعاتهم ! … و الحال نفسه في كل الدول العربية فضلاً عن الإسلامية.

إننا لن نقول : “إلى متى ينتظر الشعب ؟” كما يفعل الحانقون من النتائج ، لأننا ببساطة ندرك أن الحراك ينتج عن إرادة ، و الإرادة غائبة في الأوساط الشعبية ، لذلك هم ينتظرون البطل المخلص الذي سيغير أوضاعهم البائسة ! ذلك الانتظار الذي يعطل الحراك ، أي أنه يقتل الإرادة في مهدها.

و يا للمفارقة ، أولئك الذين يدعون الشعب إلى الحراك، هم في الحقيقة يساهمون في تعطيل إرادة الشعب ، من حيث أرادوا تحريكها و هم لا يدرون ! لأنهم ببساطة أقنعوا الشعب بقداسة الدولة ، و بالتالي فإن النظم الحاكمة ستظل حاكمة على رقابهم ، ما دامت تحكم الدولة ، فما الذي سيفعله شعب ضعيف أمام من يحكم الدولة المقدسة ؟؟!!

أي بمعنى أن النظم صار يبدو أن لها قوة شيطانية تحكم بها الدولة المقدسة ، الأمر الذي يجعل الفرد من الشعب ترتعد فرائسه من هذه القوة ، رافعًا يديه إلى السماء ، لسان حاله يقول : “ليس باليد حيلة” !

بهذا يمكن أن ندرك أسرار المفارقة ، التي مفادها أن أولئك الذين يدعون إلى حراك الشعوب ، هم الأبطال الذين تنتظرهم الشعوب ، و مع ذلك فالجماهير لا تحرك ساكنًا !

فهل للدولة هذه القداسة ، حتى يعتبر حاكمها مقدسًا إن صلح صلحت أحوال الرعية و إن فسد ساءت أحوالهم فكان الشيطان المطلق في أحكامه ؟!

معلوم أن الدولة هي رقعة جغرافية يقطنها مجموعة من الناس ، ينظم معيشتهم فيها ، أفراد من أولئك الناس ، و يطلق عليهم بـ : “الحكومة” … و معنى أن تكون القداسة للدولة أن كلا من الوطن و الشعب و الحكومة مقدسات اقتضاءً

أما الشعوب التي تعيش في ظل قهر الاستبداد ، فإنها تسقط فيها و عندها قداسة الشعب ، فلا قداسة لمقهور ، و بالتالي تتلخص القداسة في الدولة التي تحكم الوطن ، و الوطن مادام محكومًا فهو لا يرقى إلى مستوى القداسة ، إذ المقدس مطلق ، و الحكومة ما دامت فاسدة مفسدة ، فهي لا ترقى تمامًا إلى مستوى القداسة ، لأن القداسة ترتبط بالطهارة …

و رغم سقوط كل معالم القداسة للدولة ، فإنها و بشكل غريب ، تبقى مقدسة لدى عامة الجماهير !

أيًا كان ، لننظر إلى الإشكالية من زاوية نظر غربية ، فالغرب يعيش حياة ديمقراطية ، أي بمعنى أن الحكومة فيه تخدم الشعوب ، و ما دامت خادمة فهي لا ترقى إلى مستوى القداسة ، و هي تخدمها بقوانين تنظم حياتها ، تلك القوانين التي إن لم نعتبر أنها إرادة الشعوب ، فإنها تكون قيدًا للشعوب ، و إلا فإن قداسة الدولة تتلخص في الشعب و الوطن …

و الشعوب مهما علا شأنها ، فإنها لا تخلى من الجرائم التي تدنس قداستها ، و إذا اعتبرنا أن قداسة الشعب تكمن في روحه و ليس في شخصيته ، أي أن قداسة الشعب تتلخص في ثقافته ، التي منها تفيض القوانين التي تنظم حياته ، فإن الثقافة التي في سننها أنها فاعلة و متفاعلة ، و دامت مفعول فيها أو عليها ، فهي تفتقر إلى الإطلاقية التي تشترطها القداسة

فهي مهما علا شأنها تظل مرتبطة بالحدوث ، ذلك الحدوث الذي يوجد بذاته … و بالتالي تفتقد إلى الإطلاقية ، خاصة إذا علمنا أن أثر ثلة من الجماهير على بقيتها في الثقافة ، أقوى من أثر تلك البقية بأضعاف ، بأي طريق كان … سواء أكان من طريق العلم (و نقصد العلم ذي الصيغة العلمانية) أو الفعل.

و أما الوطن ، فإن الانقسامات الحادثة في كل يوم ، بفعل السياسة ، في مختلف دول العالم ، و بفعلها يصبح الوطن وطنين لدولتين مختلفتين ، يبين بأن قداسته زائفة ، إذ إذا اعتبرنا أن الفعل السياسي هو الإرادة الشعبية في نهاية المطاف ، سواء أكان بطريق مباشر (كالاستفتاء) أو غير مباشر (كالإقتتال) ، فإن قداسة الوطن الظاهرة ، موجودة بفعل الانتساب ، أي بمعنى أن الجماهير إذا ما قررت الانتساب (بفعل الثقافة) لرقعة جغرافية ، كانت له وطن ، و إلا رفضت ، و لو أدى الأمر إلى تقسيم الدولة إلى دولتين !

إن ما يمكن ملاحظته أن الدولة قد أخذت قداستها من أركانها الثلاثة : الشعب … الحكومة … الوطن ، و هي أركان متقلبة لا استقرار لها على حال ، فهي بالتالي أركان حادثة ، و بالتالي لا يمكن أن تكون مقدسة ، إذ شرط القدسية هو الاستقرار ، لأن حاجة البشر إلى المقدس ، يكمن في إمكانية رجوعه إليه إذا ساءت حالهم ، و عليه فإن المقدس هو جوهر استقرارهم ، و إذا كان مقدسهم متقلب فكيف يكون جوهرًا لاستقرارهم ؟

إن هذا الفخ هو ما وقع فيه الدهرانيون (العلمانيون) ، فانقلب حالهم إلى بؤس و شقاء …

فالدولة مركب إنساني وضعي ، احتاج إليه الإنسان لكي ينظم حياته فوق أرض واحدة ، مجتمع مع أخيه الإنسان في أرض واحد (و إن أقدس اجتماع هو ما يقع بين رجل و امرأته) ، لذلك احتاج إلى الاحتكام أو تحكيم حكومة ، حتى يضمن عدم اختراق حق كل فرد من الآخر ، و لما كانت الدولة كذلك ، لم تتعدى كونها مجرد وسيلة لتحقيق الاستقرار ، و لم تكن يومًا جوهرًا.

بالتالي يتضح بأن الدولة لم تأخذ جوهريتها إلا بأخذ الدهر قداسته أو مطلقيته ، الأمر الذي جعل كل موجود دهرانيًا مقدسًا اقتضاءً …

و ما هذا الانغماس في الدهرانية إلا ثقافة الاستهلاك ، التي تجعل الإنسان لا يدمن فقط الاستهلاك ، بل تجعل حتى كل الوسائل اللازمة لتلبية متطلبات هذا الاستهلاك ، مقدسة ما دامت تحقق له أعلى مستويات الاستهلاك ، فضلاً أن تلك الوسائل هي بالأصل موجودات دهرانية ، و بالتالي أخذت قداستها من طريق كونها كذلك …

و من أعظم تلك الوسائل ، هو الدولة بمفهومها الحديث … تلك الصورة التي تنتظرها الجماهير الواقعة تحت طائلة الاستبداد ، في صورة دراماتيكية تسلب الإنسان إرادته … و هو مصير كل من وقع في فخ الدهرانية ، التي حينما أحلت القداسة في الموجودات الدهرانية ، سلبت الإنسان جوهر حريته ، بل و أحلتها في الاستهلاك ، الذي هو حادث ، فاعل متفاعل ! … أي أن الدهرانية حرمت الإنسان من حريته.

و لعلنا عرجنا على حدوث هذا حتى في الدول الغربية ، حينما نبهنا إلى أن الثقافة ، و التي تعتبر الروح الاجتماعية للشعوب ، يمكن أن تكون أداة في يد المستبد الخفي ، أو الاستبداد الناعم ، إذا ما كان جوهر الثقافة : دهرانيًا ، بدل أن يكون مطلقًا …

و إذا ما لاحظنا تسرب الثقافة الاستهلاكية على مستوى كل شعوب الأرض اليوم ، ذات الأصل الدهراني أو العرضي ، فهمنا سر انتظار الشعوب العربية للبطل المخلص المنقذ ، و القواد أمامهم ! و إذا ما أضفنا إلى المعادلة أن هذه الثقافة الاستهلاكية السائدة ، قائمة على مبدأ التفاعل ، فهمنا كيف أنها أصبحت أداة في أيدي سادة الاستبداد الخفي ، تعذب بها شعوب العالم الثالث ، و تنهب بها ثروات الشعوب تحت غطاء تعاملات نظم اقتصادية رأسمالية (ذات الطابع الدهراني التام) ، و تخدر بها آلام الشعوب الغربية ، من أثر تحول أوطانهم إلى مصانع مغلقة ، مغلفة باللون الاستهلاكي الوردي المخدر للعيون ، و المعلق لقلوب المعذبين في بقية الشعوب … و الفائدة المالية تعود دومًا إلى جيوب سادة الاستبداد الخفي …

و عليه فإن قضية الحرية اليوم ، لم تعد متعلقة بمحض سقوط أنظمة حاكمة فحسب ، تتراءى لأعين الجماهير بمشهد الشيطان الرجيم ، بل هي متعلقة بالتحرر من ثقافة استهلاكية غلفت قلوب الناس ، حتى لم تعد تقوى على الحراك على الظلم ، الذي يوقع عليها ، حتى بالمعيار الاستهلاكي الغربي !

تعليقات الفيسبوك

‫شاهد أيضًا‬

رمضان

مرة أخرى يهل علينا شهر رمضان المبارك ، و مرة أخرى يهل علينا و أوضاع الأمة الإسلامية في ترا…