eisa_barow_tambor_484446610

حتى نتمكن من معرفة مراحل تطور الأغنية السودانية؛ لا بد من الرجوع إلى بداياتها وتاريخ نشأتها، والتي كانت سابقةً لظهور ” أغنية الحَقيبة ” التي يعتبرها الكثيرون الحقبة التأسيسية للأغنية السودانية، كما ولابد من استصحاب التاريخ الموجود داخل الأغنية الشعبية، وعليه فإن الباحث الملم بطبيعة ودور الآلات الإيقاعية ووظيفتها والأساليب اللحنية المتعددة لن يجد صعوبة في تتبع مراحل تَشكّل النغم السوداني ومعرفة مسيرة تطوره، فهو يلاحظ أن هنالك بحورًا كثيرةً في الفن الشعبي، هي التي تشكلت منها الأغنية الحديثة (الحقيبة وما بعدها)، وهذه البحور التي أقصدها هي نفسها التي تحدث عنها قرشي محمد حسن رحمه الله في أجزاء موسوعته التي خصصها لفن المدائح الشعبية السودانية، وأطلق عليها اسم (بحور الشعر الشعبي) وهو الشعر الغنائي بطبعه، حيث يوجد فيها ما هو مستمد من بحور الشعر العربي، وفيها ما هو قائمٌ على أصواتٍ محليةٍ مثل أصوات السواقي وأنغامها، خرير الجداول عند سريانها، صوت الخيل عند حركتها وهيجانها، الأصوات الناتجة عن حركة طحن العيش باستخدام (المحراكة)، وكذلك الأصوات التي يصدرها الفلاحون وتصدرها آلاتهم عند مراحل الحصاد المختلفة، هذا إلى جانب الأنغام الراقصة التي لم يستطع أي أحدٍ تحديد مصدرها حتى الآن، وإن كُنتُ أرجح أنها على صلةٍ بطقوس طرد الأرواح الشريرة الموجودة في المعتقدات والديانات القديمة، وهي مثل الإيقاع النوبي القديم، الذي يوجد في بعض الأغاني الشعبية، ويصاحب قصائد المتصوفة في حلقات الذكر، وهو موجد في أغنية الحقيبة أيضًا كما في المثال التالي:

أهلًا وسهلًا يا ليلى

شرفتي نورتي الليلة

كما ويوجد في بعض الأغاني الحماسية أيضًا.

الشاهد في الأمر أن القصيدة الشعبية التي سبقت الحقيبة كانت تقوم على نغمٍ خارجيٍ، ويتم تقديمها بنظام وبحر معلوم تعرضه أساليب لحنيةٍ كثيرةٍ، منها على سبيل المثال:

* النَم: وهو ما يعرف بالدوبيت في مناطق وسط السودان، والدوبادي في البوادي والمناطق الريفية والمشاع عندهم لفظ (الغناء)، وهو نفسه كان متعدد القوالب والأشكال والإيقاعات، ومن النماذج التي أوردها الشاعر عمر البنا في حديثه عن المرحلة التي سبقت الحقيبة قوله:

طَولّتَ ما بَدّرعِن

بي أريَلن في أدْرُعن

جَابني القَدر بي مُشرعِن

يا الله من ديني أقْرَعِن

وكلمة (نَم) نفسها موجودة كلفظ إلى جانب استخدامها كوصف لهذا الأسلوب، فهي كقول شعراء المديح قديمًا

نِم يا فمي ليهم

وبمدح وانِم                   

ويقول شاعر المهدية الشيخ أحمد ود سليمان:

يا فمي أرْبِق ونِم

فوق بدرك لا تَهِم

وعليه يُعتبر النَم إلى جانب الربَقي من أقدم الأساليب اللحنية الشعبية في الغناء السوداني القبلي والقومي المتمثل في المديح وغيره، كما توجد هناك أنواع أخرى للغناء الشعبي، نذكرها الآن ونأتي بنماذج منها عندما ندخل على الحَقيبة في ما بعد، فمنها على سبيل المثال لا الحصر:

1/ البُوبَاي.

2/ الهوهاي.

3/ الشَاشَاي.

4/ العَطَوي.

5/ الحَربي.

ونجد أن لكل واحد من هذه الأصناف ما يميزه عن غيره، ففيها الذي يعتبر أسلوب لحني، وفيها الذي يعتمد على الإيقاع الخارجي، وفيها الذي يعتمد على الأداء الجماعي، وهكذا.

عادةً ما نجد أن شعراء هذه الأغاني مجهولين، ونادرًا ما يعرف عنهم شيئًا، وذلك لموقف المجتمع الرافض لتعاطي هذا النوع من الفن بشكل علني في ذلك الوقت، برغم استماعه له واستمتاعه به سرًا!، وقد نبذ الكثير من مؤدي هذه الأغاني ورفضوا مجتمعيًا بسبب ذلك، وإن كان أبناء كبوشية هم الأكثر شهرةً لدورهم الكبير في أغنية امدرمان وعهد الطَنابِرة. ومن خلال تتبعي لتاريخ النموذج الذي أورده عمر البنا في توثيق الغِناء مع محمد سليمان بالتلفزيون القومي، وجَدتُ أن هذا النموذج يرجع تاريخه إلى بدايات العهد التركي، وهو منسوب لشاعر المديح الشاعر درمه العاليابي، الذي كان هو أيضًا مُغنٍ في الأصل، فهو يقول:

تُقَال ماهِن نُشَاط

لاقني عند سِتّ المُشَاط

ضَربَني بي صُوت القُشَاط

لامِن عَقلي شَاط

وبعده بزمن طويل ظهر الفراش، وسار هو أيضًا على ما وجده في تلك البيئة، وهذا النوع من الغناء الخفيف تم استعماله في عهد الحَقيبة كمقدمة للنص الغنائي أو ما يعرف (بالرمية). ومن الذين كانوا يفعلون ذلك في التاريخ البعيد الشاعر عبد القادر ود جبور، الذي عاش في العهد السناري، فكان يكتب المدائح وعادةً ما يبدأ قصيدته بأسلوب النَم، ومن ثم يدخل على اللحن، وهو أول من عرف بما يسمى (بالكسرة)، وإليه تنسب عدة بحور في الفن الشعبي، أشهرها الحربي الذي تفرع من إيقاع السيرة وهو متعدد أيضًا وتفرعت منه إيقاعات أخرى. وقد تحدث قرشي كثير عن الأساليب اللحنية والإيقاعات التي أدخلها ود جبور، ومن أشهر قصائده نَجِدُ هذه القصيدة التي يقول في مطلعها:

صَلوا يا أمم

لي نبي الكرم

وسيلتنا طه

مونتنا

نلاحظ أن أسلوب الأداء في هذه القصيدة متعدد، وظهر منه أسلوب الرميات في ما بعد في أغنية الحقيبة، وللشيخ قدورة دور كبير في قومية النغم السوداني، حيث وضع نماذج أخرى، كانت جميعها مُلهِمةٌ في ما بعد لمحترفي الغناء السوداني.

ولنتعرف أكثر على خصائص ومقومات الأغنية الشعبية السودانية في فترة ما قبل الحقيبة، لا بد أن نتعرف على بعض الآلات الموسيقية المُصاحبة للأداء الصوتي للفنانين في ذلك العهد، ومنها:

1/  الطمّبور أو الرَبَابة:

تحدث الأستاذ معاوية حسن يس في كتابه (من تاريخ الغناء والموسيقي في السودان – من أقدم العصور وحتى 1940 ) عن الطمّبور، الذي كان يستخدم في بداياته للترويح على العمال والنفير، وكتب عنه كثيرٌ من الباحثين أيضًا ، ولكن الذي كنا نجهله هو دور آلة الطمّبور أو الرَبَابة في استخراج إيقاعات أخرى تصاغ عليها القصائد، ومن هذه الإيقاعات إيقاع يقال له الدقلاشي، فإيقاع الدقلاشي الذي يرجع أسمه إلى الشيخ إسماعيل الدقلاش، وهو الذي أخذه من شعراء المديح، حتى أصبح بحر ينظم عليه القصيد، وهو نغم أصيل في الإنسان السوداني، نجده في مدرجات الكورة، وفي أغاني البنات، ويبقى أصله في فن المديح الذي يخرجه بشكل أكثر انضباطًا، وفي الشمال عند الشايقية يوجد دقلاشي راقص أقرب للدليب، وهو يختلف عن دقلاشي إسماعيل الذي راج في الوسط وفي بلاد سنار قديمًا.

2/ النِحَاس الشعبي:

يعتبر النِحَاس أيضًا آلة لها دورٌ كبيرٌ في انتشار الأغنية الشعبية وتعزيز قوميتها، كما ويعتبره الكثير من الناس أداةً مهمةً من أدوات الحُكم في السودان، ولكن علينا أن نعلم أن إيقاعه خارجه، فهنالك هناك إيقاع للنحاس القبلي دخل في الأغنية الشعبية، وأصبح يُضْرَب بالآلات الأخرى خلاف النحاس، منها الطَار والدَلوكَة والنَوبَة، وبالرغم من أنها جميعها آلات إيقاعية؛ إلا أن لكل منها إيقاعات واستخدامات مختلفة عن الأخرى، ومن أقدم إيقاعات الحرب الإيقاع الذي كان يُضْرَب بالنحاس، وتصاغ عليه كلمات الحماس، لتشجيع الفرسان على القتال والحرب.

 إن تاريخ هذه الآلات مَبحثٌ آخرٌ لا يهمنا الآن، فالذي يهمنا هنا هو دورها في الأغنية الشعبية وأغنية الحقيبة في ما بعد. فنجد أن أحد الشعراء قديمًا يقول:

قائد الخيل

علي حس الدَنَاقر

يمشي

لفظ دنقر تعني طبل الحرب، ويرجع أصلها للفُور حسب إفادة أبو سليم، والذي يفعله هذا الدِنقر أنه يقوم بما يقوم به النِحَاس الذي يصعب حَمله في ميادين الحرب لكبر حجمه، ولكنه يُخْرِج إيقاع النحاس نفسه، وله ارتباط وثيق بالخيل، وذلك لارتباطهما معًا بالحرب، فعلى صوته وحركة الخيل نشأ إيقاع الحَربي الذي نشأ منه إيقاع السيرة، والذي تعددت أنغامه بعد ذلك، وبالرغم من أن قرشي نسبه إلى شاعر المديح في العهد السناري، إلا أنني أرجح أنه مُتوارث منذ الحضارات القديمة، نسبة لدور الخيل قديمًا، وارتباطها بالحضارة، راجع أبو سليم ( أدوات الحكم والولاية في السودان ).

ونواصل في الحلقة القادمة فنتحدث عن أغاني الكرامة والفيضان والكف وإيقاع العصا ( والمخبوت )

تعليقات الفيسبوك

اترك تعليقاً

‫شاهد أيضًا‬

الشعر الشعبي في السودان … التراث والهوية

      يذخر الشعر الشعبي السوداني بموضوعاته المختلفة، وأغراضه العديدة، إلى جانب اللهجات وال…