54600b98d63772071554093

 

الهدف من الدراسة :

تسليط الضوء على خطر التطرّف الديني وتبيان واقعيته كأيدولوجية متواجدة في الديانات الأخرى وليست منحصرة في الدين الإسلامي، فضلاً عن ضرورة إعطاء مفهوم الحرية الواقعية من ناحيتها الإيجابية في سبيل الأخذ به.

المقدمة :

بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر، وجدنا أنفسنا في حالة حرب لا نهائية، حرب ضد التطرّف الديني تتساوى تداعياتها في صعوبة تفسيرها مع الإرهاب نفسه. قبل هجمات الحادي عشر من سبتمبر كان التطرّف منطوي نحو زوايا ضيقة في صورتها الدينية البعيدة عن السياسة والإرهاب، لكن مع تنامي صور الإرهاب بعد هجمات سبتمبر، نظر إلى التطرّف الديني كوجه آخر من الإرهاب، تستدعي إجراءات وقائية، كأيدولوجية تتطلب سحق الآخر المخالف والمختلف -وهذا ما يهدد الأمن والسلم الدوليين- وبالتالي يقفز إلى قمة الاجندات السياسية وضرورة محاربتها.

في سبيل أخذ المجتمعات الصورة الواقعية للحرية، فلا بد من إعطاء تعريف مبسط لها:

الحرية أن تُمارس حياتك دون أن يترتب عليها ضرر على الآخرين . تزاول مهامك دون أن يجبرك شخص ما على فعله ، سواء كان مادي أم معنوي . أيضاً ، أن تُمارسها دون انحراف . بمعنى ، تأخذها بصورتها الإيجابية : هدف ، منفعة ، و التغيير للأفضل . تكسر القيود التي وضعت – توضع – دون الاخلال بالقانون و الدين .

حريتك تنتهي إذا مست الآخر بضرر ما .

تتميز الحرية بين ثلاثة مستويات: الاستقلالية الكاملة، والاستقلالية المتقنة التي تعني القبول الطوعي بضوابط معينة متفق عليها، وأخيراً الفوضى العارمة، بمعنى غياب أي نظام شرعي أو طبيعي. الفوضى العارمة التي تتمثل في الوقت الحاضر بتصاعد الاصوليات الدينية المتطرفة، والتي تصاعدت معها الممارسات التعصبية والاقصائية والتي تزاول فكرها بتصفية الآخر.()

أن طبيعة الدين – جميع الأديان – وأثره في المجتمع لا بد أن يكون مساند للنظام والبيئة الاجتماعية، وليس معارض له، فإذا كان النظام مصان من قبل الدين ويعمل على عدم المساس بحرية الاخرين، فسيصبح النظام هنا عاملاً من عوامل تحقيق الوحدة. أما إذا حصل العكس، فأن تأثيره يؤدي إلى بروز الدين الذي يعمل على التشكيك بشرعية النظام.

الإسلام ينبذ الايدولوجيات العنصرية، وأفكارها المبنية على العنف، والمساس بحرية الاخرين. والذي ينظر إلى الرسالة المحمدية يجدها قد حفظت حق الإنسان وحريته، فالناس سواء المسلم وغير المسلم. حيث لم يأتي ليسلب الحرية من غير المسلمين، ومن لم يتبعوه، بل تعامل معهم بتسامح. ومن أهم المبادئ التي تعامل فيها الإسلام هي:

  1. لا إكراه في الدين

  2. العدالة والمساواة

  3. الحرية

الإسلام لم ينفِ الأديان وإنما ترك معتنقيه لهم شأنهم الخاص ولهم حريتهم ولم يمارس عليهم الضغوط حيث كانوا أحراراً. أما الآن، فقد تجاوز الأمر ماهية الدين الفعلي، وأكتفى رجال الدين بالاجتهاد الشخصي وفق ما يمليه عليهم مصلحتهم الشخصية بعيداً عن المصلحة العامة والتي أمر بها الله. ماذا نتوقع من قيادات نشأت على مبدأ سحق الآخر؟ على أفكار جاهلية تقوم بالقتل والتكفير؟ وماذا يرجى من شباب زرع في عقولهم أن فكرة الجهاد هو الحل؟ المشكلة أحياناً لا تكون في وجود الانقسام بقدر ما تكون في كيفية التعامل معها.

ما تراه الآن من فعل باسم الاسلام من قتل، تفجير، خطف وسلب حرية الآخر. ليس هذا الإسلام. المشكلة ليست في الدين، بل في معتنقيه. التطرف والذي يمارسه القادة يجعل من نفسه الله. يدافع عن الدين الإسلامي كإرهاب ويعكسه كسلبيات في الغرب، في الوقت الذي يهمش فيه البيئة الغير مسلمة حريات المسلمين.

الآن، تمس الحريات للمسلمين في اوروبا، لا سيما فرنسا. لماذا يمارس التطرف والاختلاف تجاه المسلم فقط؟ لم لا يمارس تجاه الغير مسلم أيضاً؟ أليس منع الآخر من ممارسة حريته تطرف؟ التطرف لا يوجد فقط لدى المسلمين، بل لدى الغير أيضاً، ومنذ الأزل:()

  1. سيطرة الكنيسة البابوية في العصور الوسطى.

  2. بداية حكم الإرهاب في فرنسا الثورية، أول حكم إعدام بالمقصلة في قصر كاروسل بباريس في 13 أغسطس 1792.

  3. الحرب الاهلية عام 1861، والتي أثارت الرأي العام الأميركي على حياة الزنوج الأميركيين.

  4. القاء قنبلة هايماركت في شيكاغو في 4 مايو 1886، على قوات الشرطة التي كانت تسعى إلى تفريق تجمع للاسلطويين، معظمهم من المهاجرين الألمان الجدد.

  5. الترويع والذي مارسته بعض المنظمات المتمردة كحرب عصابات في كل من ايرلندا بين عامي 1920 و 1921، وفيتنام بين عامي 1945 و 1950.

  6. ثلاثة تفجيرات بالسيارات المفخخة في شارع ساوث لينستر بدبلن، نفذتها قوات ألستر شبه العسكرية الموالية للعرش البريطاني في 17 مايو 1974، التي أسفرت عن مقتل 23 شخصاً إجمالاً.

  7. تفجير المبنى الفيدرالي في مدينة أوكلاهوما في أبريل 1995، والذي كان هدفاً يرمز إلى سلطة الحكومة بالنسبة لمعارضيها في الميلشيات المسيحية. في ذكرى حرق مجمع الدافيديين في واكو بتكساس.

  8. الممارسة الصهيونية منذ أواخر القرن التاسع عشر حتى الآن.

خلال العقدين الأخيرين، زادت حدة النقد الأصولي لدول المسلمين، لا سيما من قبل الدعوة السلفية. لا يزال السؤال هنا عما إذا كان هذا النقد يجب أن يتخذ شكلاً عنيفاً؛ مسألة في غاية التعقيد. والمفهوم الذي يتحدثون عنه في المناقشات حول الإرهاب والتطرف، ألا وهو الجهاد. يرى بعض المسلمين المحدثين أن الجهاد يشير إلى النضال الروحي، أو على أقصى تقدير إلى الحرب الدفاعية لا الحرب الهجومية، لكن لا يتقبل الجهاديون الأصوليون ذلك -توجه سياسي فكري- لكن إذا كان الجهاد -مثلما يشير هؤلاء- واجبًا دينيًّا للحفاظ على حالة من الحرب مع أولئك الذين لا ينتمون إلى مجتمع الإسلام، فهل يمكن أن يؤدي الإرهاب -إذا فُهم على نحو صحيح- هذه الوظيفة؟()

الخاتمة :

أصبح السائد الذي نشاهده يومياً بعيداً عن المتطلبات الضرورية التي نحاول أن نحققها في سبيل نهضة المجتمع. كل شخص أصبح يعبر عن وجه نظره بمنظور ضيق، بمجرد أن تنتهي يحاول جاهداً أن يتبنى منظوراً آخر، وكأن وجهة النظر هذه تلازمه مدى الحياة. علينا أن ننظر للأمور التي ولدنا لأجلها كقضية تستحق الموت من أجلها. الإيمان بالثبات واستمراريتها، هذا ما وجدنا لأجله. لكن علينا أن نوضحها كخير ذات منفعة، وليست باطلة كشك تجعلنا مشركين.

المصادر :

(١) تشارلز تاونزند، الارهاب: مقدمة قصيرة جداً، ط١، ت: محمد سعد طنطاوي، مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، القاهرة، ٢٠١٢.

(٢) رمزي المنياوي، الفوضى الخلاقة .. الربيع العربي بين الثورة والفوضى، ط١، دار الكتاب العربي، دمشق – القاهرة، ٢٠١٢.

تعليقات الفيسبوك

اترك تعليقاً

‫شاهد أيضًا‬

الأزمة السورية وانعكاساتها على العلاقات الإيرانية – السعودية

سنسلط الضوء على انعكاسات الأزمة على العلاقات الإيرانية – السعودية كأطراف فاعلة في الأزمة م…