15151557_1122910681098043_126551295_n

دخلت غرفتي,أغلقت الباب, فتحت النافذة, وجلست أمام مكتبي.    

قبل أن أستعد للترجمة, تخيلتُ أن اللغة شيء عارض, شيء كمالي جاء متأخراً على البشرية, تخيلت أننا دون لغات, فقط كل ما أردته حينها هو أن أرى ما رأيته أنت, وأشعر بما شعرته أنت, لأكمل الشعور دون لغتك وكلماتك, دائماً ما تأتي الرؤية والشعور والتفكير قبل الكلمات, الكلمات ليست كل شيء, الكلمات آخر وسيلة للتعبير, سيبقى خلفها على الدوام شيء عصي على الترجمة, شيء يشبه الصمت والتأمل العميق قبل الحديث. وهذا ما سعيت له.

دائماً ما نبحث عن المعنى في كل شيء, ليس في الكلمات فقط,بل في طريقة فهمها, ومتى قيلت, ولماذا؟

يبدو لي أن الترجمة ظهرت قبل الإنسان, والتاريخ, والذاكرة البشرية, كلمات ولغات وألسنة كانت تختبئ بانتظار من يكتشفها ويعبّر عن ذاته بها, ثمّة إنسان بعيد كان يرسم ويحفر الكلمات داخل تعرجات الكهوف وجدران السدود قبل أن يبدأ في النطق، ثمّة إنسانية كانت في انتظار ترجمة ذاتها لنفسها أولاً.وهذا معنى الترجمة بالنسبة لي.

وبشكل عكسي:”فالكتابة هي دوماً ترجمة,حتى عندما نستخدم لغتنا الأم” كما يقول ساراماغو.

اللغة هناك مخيفة, اللغة التي أبحث عنها وكأنها مخبأة, مجهولة, شبحية, مربوطة اللسان ودون ترجمة بعد, ولكني تخيلت حينها أن حروفها وطريقة نطقها الجديدة تراود لغة فمي الأولى. تلك الكلمات ومعانيها  التي  تواصل المرور بهشاشة, بشك,وتعثر عبر ذهني العاري لم تضئ بعد.

يُشبه الأمر وكأن حشدًا من معاني عمياء تقودك وتدفعك عبر دهليز ضيق, دهليز سينتهي نحو باب,لا تعلم ماذا خلفه بعد.

الأوراق البيضاء,شاشة اللابتوب النائمة,الإيحاء الذي لم يأتي بعد,مرادفات الكلمات, قلم الرصاص, النافذة, الموسيقى,والقاموس العتيق..الجميع يحاول البحث معي عن معنى تلك الكلمات.

الترجمة ليست أحرف,الترجمة لحظة خارجة عن حجرتي,طاولتي,وفنجان مشروبي الساخن هذا,الترجمة جسد حي ينقل كامل دمائه لعروق جسد آخر دون أن يموت الإثنان.

هكذا أحدث نفسي وأنا في حالة الترجمة, شعرت أني أنجزتُ شيئاً خارج غرفتي,شعرت بنوع سعادة جديد دون رتابة وتكرار..شعرت بالحلم ولا أعلم هل تركت كل ذلك ونمت,أم ماذا حدث؟

تخيلت ساحة واسعة بمجموعة كتَّاب من نيويورك, من بكّين,من برلين,من طوكيو,من أمستردام, وباريس, وأمريكا اللاتينية.شعرت بألسنتهم الملونة و الخرساء تحاول أن تقترب مني وتلعق ذهني,كتَّاب كلماتهم كانت تتناثر وتحوم حول المكان.

أحدهم كان يسأل بغضب: لماذا تَتعقبنا؟

  وآخر بكبرياء: كيف ستقرؤنا؟

آخر من بعيد وبخوف : مَا هي لغتك؟

انفجرت ساحة الكتّاب بالأسئلة: ذكورًا, وإناثًا, روائيين, وشعراءً, وموسيقيين, استمرت الحشود في الأسئلة:

كيف تترجم كلماتي للغة أنا لا أفهمها؟

هل نحن كما نحن في لغتك؟

كيف ستحافظ على عاطفتي, وغموضي ,متعتي وسخطي؟

ماذا ستحذف وماذا ستضيف؟

كيف سَتترجم أحلامنا, و واقعنا, ووهمنا؟

قصة أخرى وبما أننا كنّا نتحدث عن الأحلام, كنت أترجم لكاتبة تعاني من شخصيات أعمالها باستمرار, لدرجة أن وزن جسدها  يتغير ويتبّدل مع أحوال واضطراب كل شخصية!! الكاتبة “Hilary Mantel” كانت تتحدث عن قوة الخيال والحلم أثناء الكتابة, الكاتبة كانت تتساءل من يتخيل أولاَ الكاتب أم شخصياته؟ من يتأثر أولاً بمزاج الآخر, وطريقة أكله ,وعيشه, وملبسه؟

الكاتبة كانت تتغير بحقيقة واقعية, بقوة وفضل الخيال فقط!

الخيال الذي أخرجها من الواقع, وأعادها إليه بشكل آخر!!

ما أقصده هو: أنه كان عليّ أن أفهم صدق خيال الكاتب و أتخيل معه سخونة و معنى كلماته بمعنى لغتي الجديد,أنّ أراها وأستسلم لقوة تأثري بخيالها, وخيالي قبل فعل الترجمة.

عليّ أن أخرج من الواقع, ومن حجرتي, لأعود إليها بترجمة جديدة.

لحظات كثيرة تمر, أشعر أني نائم, ولكن أصابعي تستمر في النقر بجدَّية, وبشكل أعمى على الحروف.

حروف هوائية, ويُشبه النقر عليها وملاحقتها: السقوط في هاوية ستنتهي هذه المرة بالضوء.. هاوية سحيقة من العمى المنتهي ببياض المعرفة, هاوية تسقط فيها, لتصعد وتعود للواقع دون أن تقع..

تعود لي الأسئلة الآن وكأنني دخلت بغلطة أخرى باب ذلك الخيال من جديد, لابد أن أجيب أولئك الكتّاب لأتفرغ للترجمة وأنهي هذه الليلة:

 لماذا أتعقبكم؟

لأني أراكم كهدف دقيق من مرمى لغتي, أنا وحدي بينما أنتَ أيها الكاتب أمامي بلغتك الأصلية, بثقافتك, بنصك الأصلي, بموضوعك الجديد, وصمتك ونواياك قبل كل ما كتبته.

كيف سأقرؤكم؟

 لا بأس أيها الكاتب, فأنا أعرف لغتك, ولكن هذا لا يعني أن أيّ شخص يعرف لغتك يستطيع أن يترجمك, ولكني سأترجمك من خارج لغتك وداخل لغتي. هكذا سأتصل بك ظاهرياً عبر لغتك ولكن ليس كلغة بل كرموز وشيفرات ستنتج لغتي الخاصة.

مَا هي لغتك؟     

وكيف ستحافظ على عاطفتي ومتعتي ,غموضي وسخطي؟

أيها الكاتب بعد أن أنظر للغتك, سأنظر للغتي وأتعلمها أكثر وأعمق, لدي معاني لغة ليس في قاموسها جملة “غير قابل للترجمة” لديّ معاني توسع الجمال,والكره, والأضداد, والاستعارات , والانفعال,معاني متجددة بعاطفة متفجرة وكلمات متداعية  ستجعل لغتك تشعر بالدهشة والمفاجأة..

هل نحن كما نحن في لغتك؟

 لا تهمني لغتك, يهمني معناها, معناها الخارج عن مجرد اللغة, معناها الذي بالضرورة سيلازمني كشعور أكثر من منظر اللغة. أعذرني, الترجمة ليست لغة, الترجمة ليست مقارنة بين لغتين, ولذلك سأتخلى عن أشكال حروفك وأترجم معناكَ فقط.

ماذا ستحذف وماذا ستضيف؟

كيف سَتترجم أحلامنا, و واقعنا, و وهمنا؟

أيها الكتَّاب, سأحذف الكثير من لغتكم, وأضيف الكثير من لغتي,سأحوّل كل شيء.. بطبيعتي أكره اللغة المختصرة, ولكن لا تقلق فترجمتي تتم بين نصين وليست لغتين, سأحفظ جوهر حلمك و وهمك, ولكن بمعنى لغتي الجديد, سأغير الأسلوب, لن أترجم كلمة أمام كلمة, بل معنى أمام معنى.. الترجمة ليست خيانة. الترجمة: اكتشافنا معاً عبر لغتك, و إضافة المزيد من ذاتي لك..

هدأ الكتَّاب الآن بعد هذه الإجابات, هادئون هم ولكني شعرت بهم مازالوا غاضبين ومتسائلين بصمت:

ماذا لو تم خداع ذوات كلماتهم؟

 ماذا لو تم التلاعب بحقيقتها؟

 ماذا لو تم تسييسها, أو أصبحت عنصرية؟

ماذا لو تم نزع جذور شعورهم بشكل خاطئ ومشوّه؟

وبما أنهم هادئين الآن ولو ظاهرياً كان عليّ أن أسلّيهم بثقتي بهم, أن أسألهم, لدي جميع صورهم الشخصية: الضاحكة منها والمتجّهمة. لدي تاريخ مولدهم, وموتهم, وكامل سيرهم الذاتية, أعتقد من المفيد أن أعرف طباعهم خلال الكتابة.. متى  يستيقظ الواحد منهم؟ ماذا يتناولون؟ أحدهم كان لا يتناول طعام الإفطار.أحدهم كان يبدأ الكتابة بغرابة قبل حتى أن يفتح النافذة, ويدخل الحمّام.

بعضهم كتبوا أولى مسودّاتهم بخط اليد العادي:بأقلام من ماركة “باركر” الفرنسية أو “لانكستر” الإيطالية. آخرين بأزرار الكيبورد المضيئة, والبعض إلى اللحظة ما زال يحنّ إلى النقر على آلة الكتابة القديمة ماركة “أوليفيتي” أو “آبل”. وذلك الصوت العتيق: “تك تكتكتك”…

كاتب آخر كان لا يستطيع الكتابة إلاّ  وسط غرفة علوية منعزلة, آخر كان يقطع مئات الأمتار في الريف حتى يصل لسقيفة الكتابة تحت أوراق الشجر.. يستغرقهم العمل أشهر, وسنوات: مراحل الانقطاع, ودفقات الإلهام, أريد أن اعرف طقوس آخر ليلة من تنقيح المسودة الأخيرة, وتسليمها؟ الكثير منهم سيكون على متن قطار, أو باخرة أو طائرة..

بالعادة تنتهي المسوّدة مع نهاية الساعة السادسة وبدء المساء, بعضهم سيحتفل وحيداً بتوتر وريبة مع تَلألأ أضواء المدينة من الشرفة, البعض الآخر سيستمتع بكأس من النبيذ الأحمر أو الأبيض, آخرون سيخرجون لأقرب حانة هادئين بتأمل وهم يحتسون “البراندي” بقطع الليمون.

أكثرهم كان يسلم مخطوطه الأخير, ويغادر مدينة كتابته حتى تصدر مراجعات كتبه وتهدأ.. كاتب آخر كان يشرع مباشرة في الكتاب التالي دون حاجة لتتبع النقد والإطراء.. أمّا الأخير فكان يحب التنزه مع كلبه في أقرب حديقة مجاورة..

بدأت أرى شيئًا يكتمل ويواصل الاكتمال داخلي, اختفت الأسئلة فجأةً, اختفت تعرجات البدايات, وطارت النقاط الغامضة. وظهر المعنى…

شعرت ببداية إرهاق وسعادة على السواء.

بدأت أشعر بغرفتي وكأني للتّو دخلتها, تجولت بعيني فيها, وفكرت:

يبدو أن الجميع قد هدأ الآن..

بما فيهم أنا والموسيقى والنافذة وشاشة اللابتوب الممتلئة بالكلمات أخيراً..

عرفت حينها أنني لم أنم, ولم أستيقظ

 ولكن يبدو أنني أنهيت الترجمة

 كنتُ أترجم

كنتُ في حالة ترجمة

أقفلتُ كل شيء ونمت…

 

تعليقات الفيسبوك

3 تعليقات

اترك تعليقاً

‫شاهد أيضًا‬

لماذا الحرب؟

  لماذا الحرب؟ ترجمة : علي زين كتاب جيل جديد ( 20) أفريل 2020م  تصميم الغلاف: سحر مشع…