c60

التراث ليس بقايا ثقافة الماضي،بل هو تمام وجمال ثقافة الحاضر..

* الرواية لواقعيتها وتعبيرها عن الحاضر لا يمكنها الإبتعاد عن التراث لأن حركة حياتنا ثلاثية الأبعاد (ماضي،حاضر،مستقبل)..

* في روايات الطيب صالح،الشخصية التأريخية،الشخصية الصوفية،الشخصية الأسطورية،الشخصية العصرية ذات الأبعاد التراثية..

* الطيب صالح يصطفي أفكارًا ذات أصل تراثي،يستخدمها في شكل بنيات فكرية صغيرة تفتح كل الأبواب لفكرة الرواية الأساسية،في رواية (ضو البيت)استعان بالفكرة الإفريقية (الغريب الحكيم) التي سادت في تأريخ الممالك الإسلامية في دارفور فرسم شخصية ضو البيت :-

يجيْ من مكان مجهول

يعثرون عليه جريحًا جائعًا

يحمل ملامحًا تختلف كثيرًا عن ملامحهم

يكسب ودهم ويصاهرهم

يُحدث آثارًا بعيدة المدى في مجتمع القرية..

* وظَّف الطيب صالح نصوصًا تراثية منتمية لفكرة واحدة،وأيضًا قام بتوظيف نص واحد محدد تفاعل مع رؤيته ومنطلقاته في روايته (مريود)،والتي أضاءت في الجزء الثالث منها أسلوبًا ارتكز على كتابة الأدب الشعبي المتوارث (العامية السودانية)..

* رواية (عرس الزين) بيئة حكائية لواقع وتراث في قرية سودانية،حلمٌ وقناعات المجتمع بدعوات المتصوفة ونبوءاتهم،هنا توظيف خاص للواقع في امتداده التأريخي،وكذا في رواية (ضو البيت)..

* عند الطيب صالح،هنالك استدعاء للشخصية التأريخية باسم أو فعل أو قول..

* في رواية (عرس الزين) توظيف ملمح بطولي خارق للشخصية الصوفية،ما فعله الطيب صالح في شخصية (الحنين)،منحه قوة خارقة غير مرئية فاقت قوة (الزين)،استطاع بعبارة فقط أن يفعل ما عجزت عنه طاقة ستة من الرجال،(الزين..المبروك..الله يرضي عليك)،فسيطر عليه وارتفع عن صدر سيف الدين الذي كاد أن يموت لولا بركة (الحنين)،غير بعيد من ذاك نبوءة (الحنين) بأن الزين سيتزوج أفضل بنات القرية،(الزين) نفسه يشكل البعد التراثي في اللاممكن،تجسيد لعناصر فيزيولوجية وذهنية،توصيف أنه وليٌ من أولياء الله الصالحين..

* لم يضع الطيب صالح أسطورة من لاشيء،عاش واقعه،ونقله،يلجأ للأسطورة من باب بناء التأريخ الشفاهي للشخصية الروائية،الإضاءات التراثية التي تكشف اتجاهات الشخصيات (بندر شاه، حول علاقة بلال بشيخه نصر الله ود حبيب) في رواية (بندر شاه).

* التراث وتوظيفه تطور للرواية العربية،أبعدها عن دائرة التقليد للروايات الغربية،باتجاه نوعية البنية التراثية نصية كانت أم فكرية،ونوعية التراث نفسه المستفاد منه في طقس الرواية (عقديًا أم سلطويًا أم قوميًا)..

* هذا التكوين،رواية في شأن نص وشخصيات،نص للإنسانية،شخصيات تفتح اتجاهين من الهدوء والصخب،نقرأ التأريخ والناس،المرئي وغير المرئي،كل شخصية تشكل رواية لوحدها،في حركتها قراءة لملمح المجتمع..

* روايات الطيب صالح،حياة تحتاج لتكوين مثل هذا،يصنع مسرحًا برؤية (الحياة)،منطلقًا لمسرح إنساني لصياغة فن الإستغراق في طِيب الطيب صالح ..

* كل رواياته فيها (المسرح موثوقًا به،يمكن أن يكون المسرح طيبًا وصالحًا،نحتاج لمسرح يقول لنا،إن الحياة التي نسجها الطيب صالح في كل رواياته هي في أصلها،عرض مسرحي حقيقي،المسرح والرواية (متواثقان عند الطيب صالح)،يرسم الحياة ليجعل المتخيل حركة في خشبة مسرح،الرواية عندما تكون مسرحا ًمتحركًا تمنح المتخيلات (الضوء الحقيقي)،وليس كل الروائيين يستطيعون هذا الفعل الفاعل في الحياة الروائية،الرواية عند الطيب صالح (حياة)..

والمسرح في تجليات حياته (فلكلور)،وهذا ما يمنحه الضوء الثاني للرؤية،وتناوله مسرحيًا يعني تفصيل حياة الناس على خشبة مسرح،ودراسة الفلكور كمادة في المسرح والدراما بشكل خاص اتجاه لابد من تجذيره،فهي الدراسة التي تعطي الأبعاد المطلوبة في فرعين مهمين من الثقافة (مسرح ودراما)،وافتقادها كدراسة ينقص من فعالية الكتابة المسرحية والدرامية،من زاوية أنها دراسة تشكل كل الفرضيات التي تخرج منها أي رؤية كتابية واستلهامية،وفي كل العالم يشكل الفلكور مادة أساسية في مختلف العلوم الإنسانية،لأنه فيه دراسة المجتمع وتفاصيله ومحيطه،وما العلوم إلا كل ذلك..

يفتقد المسرح العربي،والمسرح السوداني جزء منه بالطبع،تجليات الفلكلور كفرضية واجب العمل عليها وبها في مساحة بناء ثقافي ومعرفي كالمسرح،إضافة لكل أشكال العمل الدرامي الأخرى،وهذا يعتبر نقصًا حقيقيًا لرسالة كل منهما،هذا النقص يجعل نصف المعرفة غائبة عنهما وفيهما،ولو ظن بعضنا أن الفلكور (ترف معرفي) مثلًا،فهو في غياب تكويني لرؤية معرفية كونية،فلا معرفة كاملة بلا فلكور ولن تستطيع صياغة معارف أو دراسات إنسانية بشكل علمي ومنهجي بغياب اتجاهات الفلكور عنها،فهو الأساسيات التي تبني عليها،ومن ثم تفتح بابًا للأسئلة في اتجاهك المعرفي الذي أنت تعمل عليه،والأسئلة نفسها فرضيتها نابعة من الفلكور وربطها بالتطور المعرفي الإنساني ربطا كاملًا وميكانيكيًا،بحيث لا يأتي فصل معرفي أو تساؤلي بينهما..

قد يكون هناك نقص معرفي بماهية الفلكور لدى دارسي كليات إنسانية،وقاد ذلك لتراجع دوره في مناهج الحياة كلها،إلا من بعض الاجتهادات،لكنها لن تقوم بالدور المطلوب طبعًا،ذلك جعل الاقتراب من كلمة فلكلور صعبًا كعلم ودراسة لأن المناهج التعليمية كلها لم تضع في أجندتها تطوير مفاهيمي وتعليمي وتربوي للفكلور في حياتنا (قياسًا بالسودان)،لذا لم يُتنَاول العمل الإبداعي استنادًا على قيمة الفلكلور المعرفية،وبذلك ضعُفتْ قيمة التطوير له كعمل إبداعي وأصبح بعيدا ًعن سياقات الربط بين قيمة ومجتمع،والعمل الإبداعي أصلًا قيمته الحقيقية في هذا..

 

تعليقات الفيسبوك

‫شاهد أيضًا‬

رواندا: الحلمٌ تحقق .. فالنحذوا حذوه

القيمة الكتابية الجميلة التي ينثرها الصحافي موسى حامد عن رحلته لدولة رواندا، ظني أنها مشرو…