12-18-2015Displacement

      كأي طفل سوداني مُغيب؛ تَعَرَفتُ على الجنوب وسكانه من خلال وسائل الإعلام الموجّهة، والتي كانت، وما زالت لا تخدم إلا مصالح الحزب الحاكم، وأيدولوجيته القمعية والمتوحشة. حيث كانت معظم البرامج التي تبث في فترة التسعينيات من القرن المنصرم، تحمل شعارات الجهاد الخادعة، والذي بموجبه افتعلت الحرب ضد الجنوبيين، الذين تم تصويرهم لنا على أنهم أعداء!، يريدون القضاء على الدين الإسلامي!، ومن ثم طردنا من السودان!. فتم بموجب ذلك تجيش كل الشماليين ضدهم، ومن يرفض الانخراط في هذه الحرب يتم اعتقاله وتعذيبه بصورة بشعة، قد تؤدي إلى موته أحياناً، هذا إذا لم يقتل من البداية، وحتى الذين كانوا ينتمون للحزب الحاكم منهم يلاقون نفس المصير في حالة رفضهم المشاركة في الحرب. الحرب التي قَتَلت أكثر من مليوني شخص، وشردت أضعاف هذا العدد، وتسببت في خراب العديد من المدن الكبيرة، بل والدمار التام للكثير منها، كما أدت إلى توقف التنمية بشكل تام في كل الجنوب، فأصبحت أغلب المناطق فيه غير صالحة للسكن، حيث تنعدم الخدمات الضرورية، ولا وجود للبنية التحتية الأساسية، التي يحتاجها الإنسان في حياته. فما كان أمام الجنوبيين من خيار إلا النزوح إلى مدن السودان المختلفة، هرباً من جحيم الحرب، وبحثاً عن أسباب العيش الكريم، حتى يستطيعوا العيش دون خوف. ولكنهم في نزوحهم هذا لم يعرفوا للاستقرار سبيلاً، فقد واجههم المجتمع الشمالي بالكثير من الرفض والاستعلاء، ومارسوا ضدهم أقسى أنواع التمييز، بعنصرية بغيضة، تكاد تكون هي السمة الغالبة التي تطبع سلوك الشماليين تجاه الجنوبيين. فالشمالي يعتقد أنه أحق من الجنوبي بالسودان!، إضافة لنظرته لنفسه على أنه أرقى منه، وأنقى دماً!، لذلك يستنكف ويأبى أن يتساوى معه الجنوبي في الحقوق والواجبات. ففي فهمه المريض على الجنوبي أن يظل تحت إمرته، يطيعه ويخدمه ويرعى شؤونه، دون حتى أن يتذمر، أو يرفض!. كل ذلك أدى بالجنوبيين إلى اللجوء للمهن الهامشية، كي يكسبوا رزقهم، ويؤمنوا قوتهم وقوت أبنائهم، لكن الذي يحصلون عليه جراء ذلك كان بالكاد يكفي لتوفير احتياجاتهم الحياتية، كل هذا والدولة ليس لديها أي اهتمام بهم، فلم تعينهم في أي شيء، إلا بالقدر اليسير جداً، الذي شمل فئات محدودة منهم، بينما ظل البقية، وهم السواد الأعظم، يرزحون تحت ضغط الفقر والجوع والمرض، مشردين ولا مأوى لهم، يفترسهم الضياع أينما ذهبوا، دون أن يأسى لهم أحد.

      كَبُرتُ قليلاً، وبدأت الحقائق تتضح لي شيئاً فشيئاً، حيث قابلت العديد من الجنوبيين، وعاشرت بعضهم، فلم أرى فيهم إلا بشراً مثلنا، بل أكثر إنسانية منا في بعض الأحيان، وأيضاً رأيت فيهم صور القهر التي تعرضوا لها، حيث كانوا يعيشون لعقود في الشمال، كمواطنين من الدرجة الثانية، حقوقهم مهضومة، يلاقون المذلة والهوان أينما ذهبوا، وكأنهم لا ينتمون لهذا الوطن، أو ليسوا من أبنائه. مع أن كل الغرباء الذين يفدون إلى السودان كانوا يعاملون كأحسن ما يكون، في حين أن أبناء الوطن يضطهدون، وعلى مرأى ومسمع من الجميع، ولا أحد يحرك ساكناً لنصرتهم، أو أعادة الاعتبار لهم، مع إيفائهم حقهم. كانوا يعيشون منعزلين، في مجتمعات تضمهم فقط، ولا يتداخلون مع باقي المجتمع، إلا لأداء أشغالهم فقط. فالمجتمع الشمالي لم يكن يسمح لهم بأكثر من ذلك، ومن يتعدى منهم هذه الحدود يتم زجره ورفضه!. كل ذلك دفع بإنسان الجنوب إلى رفض إنسان الشمال بالمقابل، بل حتى قاده ذلك إلى تبني موقف عنصري مضاد تجاه، وبدأت العداوات تصبح أشد وأغلظ، وتتنامى في النفوس يوماً إثر يوم، مما خلق حالة من الاحتقان الخفي، وإن كان تظهر بين الحين والآخر أثناء مشاجرة كلامية في مركبة عامة، أو في وقف صدامي في السوق، أو الشارع، إلى أن انفجر الوضع، وأصبح الصراع علنياً، وبصورة عنيفة جداً، فأحس الزعماء السياسيون من الطرفين بخطورة الموقف، وأنه لابد من تداركه والسيطرة عليه، خصوصاً أن الحرب أشتد أزرها، وصارت تقضي على الأخضر واليابس، ولم يعد هنالك موارد كافية لتمويلها، فتنادوا مسرعين لطاولة الحوار، بحثاً عن السلام المفقود، الذي كان في هذه الأرض منذ القدم، لكنهم ضيعوه بأطماعهم وأجندتهم الخفية، فتتابعت مفاوضات السلام، وتعاقب جولات المباحثات والمداولات، إلى أن جاءت اتفاقية السلام الشامل في العام (2005م)، والتي بموجبها تم وقف الحرب في الجنوب، وتم وضع دستور جديد للسودان، أعاد للجنوبيين جزءاً من حقوقهم المفقودة، وكفل لهم أيضاً حق تقرير المصير، الذي يرى الكثير من الخبراء السياسيين أنه كان أضعف البنود التي تضمنتها اتفاقية السلام الشامل، حيث أعطى الحق في التصويت للجنوبيين فقط دون الشماليين. ومن المعروف أن التراكمات التاريخية كانت تشير كلها إلى الانفصال، فالجنوبيين قد ذاقوا كل أنواع المرارات من الشماليين، وهم لن يترددوا للحظة في أن يصوتوا للانفصال، حيث سيمنحون وطناً يخصهم، يمكنهم العيش فيه بحرية، دون أي إحساس بالاضطهاد أو الدونية، وهذا ما سيفعله أي شعب آخر لو كان في نفس وضعهم، فهم غير ملومين على قرارهم، والذي كان النتيجة الحتمية للاستفتاء، برغم أن بعض السياسيين منهم، إضافة إلى الرؤية التي تركها الزعيم الراحل د/ جون قرنق دي مابيور، كانوا يسعون نحو الوحدة، ولكن أحساس الغبن التاريخي، الذي تراكم في نفوس الجنوبيين، لم يدعهم يستمعوا لتلك الأصوات، وتم رفض خيار الوحدة لصالح الانفصال، وعاد الجنوبيين إلى موطنهم، لكن هذه المرة وهم يملكون زمام أمرهم، فلا حرب، ولا نزاعات، ولا شماليين ليتسيدوا عليهم. لكن للأسف، فرح الكثير من الشماليين بهذه النتيجة، بل وأعلنوا العداء لدولة الجنوب الوليدة منذ البداية، وهذا إن دل إنما يدل على أن معظم الشماليين يرون في الجنوبيين أعداءاً لهم بالفطرة، ولا يمكنهم التعايش معهم في سلام أبداً، حتى وإن فرض عليهم بالمواثيق والمعاهدات الدولية. لكن الجنوبيين أنفسهم لم يهنأوا باستقلالهم طويلاً، فقد برزت الأطماع والصراعات بين النخبة الحاكمة في الجنوب، ومما زاد حدة الأزمة تفاقماً وجود القبلية أيضاً، فأصبح الوصول إلى السلطة يتم بالسير فوق الجماجم والدماء، هنا أحس الشعب الجنوبي بالخطر، وأدركوا الشر المستطير المحيط بهم، وتنادى العقلاء لإصلاح ما يمكن إصلاح، وتلافي الكارثة الوشيكة الحدوث، ولكن هيهات، فعندما يجتمع الفساد، والتعصب، وحب السلطة، فلا يمكن إيقافها بسهولة أبداً.

      تابعنا كلنا، كمهتمين بالشأن العام، والقضايا الدولية، ما يحدث في دولة جنوب السودان بقلق كبير، لأنه ليس هنالك شيء أسوأ من الصراعات والحرب على دولة جديدة، كدولة جنوب السودان. والتي كانت بحاجة ماسة للسلام والاستقرار من أجل تحقيق التنمية المنشودة، ومن ثم بناء دولة حقيقية تقوم على المواطنة، والمساواة في الحقوق والواجبات، في ظل نظام ديموقراطي حقيقي. لكن هذا مالم يحدث في دولة جنوب السودان، حيث تصاعدت حدة الصراع السياسي – القبلي، والذي قاد إلى تشكل تكتلات حزبية مصلحية تدعمها شخصيات سياسية نافذة، كلها تريد الوصول إلى السلطة، والسيطرة على الحكومة، مما أدى إلى ضياع كل الموارد المخصصة للتنمية، والتي كانت عبارة عن قروض ومنح دولية، من المفترض أن يتم استثمارها في إنشاء البنى التحتية، والمشاريع الخدمية والتنموية، ولكنها أهدرت لصالح خدمة المصالح الشخصية للساسة الفاسدين وأتباعهم، مما جعل شعب جنوب السودان يعود للمعاناة من جديد، وهو لم يكن أصلاً قد تخطاها. وصار الحلم بوطن مستقر، يعمه السلام، وتعمره التنمية، أشبه بالمستحيل، فلا شيء يلوح في الأفق سوى المزيد من الخراب والدمار. هنا كان من الطبيعي جداً أن يفكر معظم الجنوبيين في العودة إلى الشمال مرة أخرى، برغم ما عانوه فيه طوال عقود، لكن لا خيار أمامهم، فالموت يحيط بهم من كل جانب، والمساعدات الخارجية لا تكفي لسد حوجتهم، إضافة إلى تفشي الأمراض المعدية والفتاكة، في ظل غياب شبه تام للخدمات الصحية، ولكن من الصعب عليهم العودة مرة أخرى لشمال السودان، حيث أن حكومة دولة السودان قد أغلقت حدودها في وجههم، وأصبح الأمر يحتاج إلى إجراءات سفر معقدة، يصعب على الكثيرين الحصول عليها، فما كان منهم إلا الاستسلام، والرضوخ للأمر الواقع. والذي حدث أنهم أصبحوا يموتون كل يوم بالمئات، تحت سمع وبصر المجتمع الدولي، ولا تصلهم إلا القليل من المساعدات، وما يدفع للخزي والعار هو الموقف الذي تتبناه دولة السودان الأم، والتي تتعامل مع ما يحدث في جنوب السودان ببرود لا يخلو من شماته، فالكثير من الشماليين الآن يرددون عبارات مقيتة، على شاكلة أن الجنوبيين هم الذين اختاروا هذا الوضع!، وأن عليهم تحمل مسؤولية ما سيحدث لهم!، وأنه ليس بيدنا ما نقدمه لهم!، وكلها بلا شك عبارات تنم على الحقد والكراهية، فمن باب الإنسانية فقط يتحتم على دولة السودان الأم أن تقدم يد المساعدة والعون، بكل ما تستطيع، لدولة جنوب السودان، ولكن حكومة المؤتمر الوطني، وكعادتها، ستمعن في غيها وطغيانها، ولن تلتفت لنداءات الجوعى والمرضى في جنوب السودان، فهي ستهملهم كما تهمل مواطنيها أيضاً، وستشبع تعطشها للدماء برؤيتهم يموتون كل يوم، واحداً تلو الآخر، بل أنا اكاد أجزم أن هذا ما تريده وتسعى له!، فهي لا تهمها حياة الناس ومعايشهم، بقدر ما يهمها أن تخدم مصالحها، حتى وإن كانت عن طريق إزهاق الأرواح. لكن برغم ذلك هنالك الكثير من الشباب الآن يسعون جاهدين لعمل مبادرات تطوعية، تهدف إلى جمع ما يمكن جمعه من المعينات المادية والدعم اللوجستي، من أجل إيصالها لسكان جنوب السودان، وهذا من واقع إحساسهم بالمسؤولية تجاه ما يحدث لإخوانهم في الجنوب، فحتى ولو كان معظم سكان شمال السودان عنصريين، ويرفضون الجنوبيين، إلا أن هنالك أيضاً، من يؤمن بأنه لا فرق بين سكان السودان، مهما كانت انتماءاتهم العرقية، فهم في النهاية كانوا وما زالوا شعباً واحداً، حتى ولو فرقتهم الدعاوى العنصرية، وباعدت بينهم المصالح السياسية، وجعلتهم ينقسمون لدولتين، لكنهم حتماً في يوم ما سيعودون ليكونوا شعباً واحداً، يعيش في بلد واحد، هو السودان الخالد.

تعليقات الفيسبوك

اترك تعليقاً

‫شاهد أيضًا‬

قراءات: رؤية البرزخ… مكاشفة الذات حين مواجهة الموت

      بروح صوفية قلقة، معذَّبة، تتوق إلى الخلاص، ولا تناله بسهولة؛ يحاور عثمان بشرى الكون …