الانسانية

لطالما كان وقع كلمة ( انسانية ) بداخلي دافئا جدا , كدفء هبوط اول اشعة تهديها الشمس لكوكب الارض في كل صباح

كل شيء من حولي لا ينفك يجسدها بإبداع منقطع النظير ابداع عصي على الوصف , التعبير او التعريف ، وكل محاولة لتحقيق هذه الثلاث كانت تحدث حالة من الاضطراب والفوضى العبثية برأسي وانا احاول تفتيت هذه الكلمة لكليمات ايسر هضما ترضي غرور العقل وهو يحاول امتصاص معانيها، لذلك اردت ترويضها في سلسلة بحثية , تفكيكية لعناصر هذه الكلمة الضخمة جدا رغم انسيابية حروفها واتحادها السهل الممتنع معًا .

لعل هذا الاحساس اللطيف الذي يحل بنفس المتلقي لكلمة انسانية يجعل منها صفة حميدة يستخدمها الكثيرون لشرح وتبرير ووصف الافعال الجيدة والاشخاص الطيبين في المواقف المختلفة , وربما اصبح هذا الفعل انسيابيا يصدر عفويا بدون اعمال للعقل والمنطق قبل الصاق هذا المصطلح على المشهد الجيد الذي قد حدث امامنا والذي اورث بدوره هذا الشعور الطيب في النفس .

برغم سهولة اطلاق هذا المصطلح على المواقف والمشاهد وجعله شارحا ومبررا لإحساسنا الجيد بها الا ان تاريخ هذا المصطلح القديم جدا ملئ بالعجائب والتعقيد والاجتهاد من قبل اساتذة المدارس التاريخية و الفلسفية والدينية والمجتمعية وغيرهم والذين سعوا جميعهم لحصره في قالب معين يسهل التعامل معه واسقاطه بيسر على المواقف الا انه لا زال معقدا جدا ولكن بأبسط ما يكون , فاتحا الباب على مصراعيه لاستدامة الابحاث والدراسة واضافة المزيد من الفرضيات الشارحة له .

في هذه السلسلة البحثية , سأتطرق لفرضيات ودراسات قديمة حاولت شرح مصطلح الانسانية من جوانب عديدة وسأسلط الضوء تحديدا على الجانب التاريخي ,الديني , الفلسفي والمجتمعي وسنتناول بالتحليل والدراسة الاجتهادات السابقة في شرح هذا المصطلح , وسنصنع معا ومن خلال المرور عبر حقب زمنية متفاوتة وحتى الان  فرضية جديدة هي نتاج تحليل القارئ نفسه بعد اتمامه لفصول هذه السلسلة .

 سأتبعها بتناول عدة نقاط وسنحاول من خلالها دراسة سلوك الانسان نفسه والاستفادة من تشابه هذا السلوك والحوجة لفعله استدلالا على ان الانسانية نفسها هي علم كبير وضخم جدا مترجم في سلوكيات وصفات يمارسها الانسان بنفس الطريقة مهما كان عرقه , ديانته او البقعة الجغرافية الموجود فيها.

هذه السلوكيات والصفات تأتي على شاكلة متنوعة من النقاط سنتناولها في فصول متتالية ومنفصلة كاختراع الانسان للغة ,استناده لقوى روحية اكبر من قدراته البشرية تحت مظلة  الدين  , وسعيه لبناء مجتمعاته وتكوينها من اسر وعوائل ودوائر اكثر اتساعا بصورة متشابهة عبر هذه المجتمعات والعلاقات المتداخلة بين افرادها من زواج وقرابة دم ونسب , الفن , الثقافة , القيم والاخلاق وغيرها من الاشياء التي ستساعدنا في تعريف الانسانية .

هذه الدراسة التوسعية للنقاط السابق ذكرها والتي سترد في فصول متتابعة سنقوم بربطها مباشرة بالمحور الاساسي لهذه السلسلة البحثية (الانسانية ) .

في فصول لاحقة , ومن خلال محاولتنا لإعادة تعريف مصطلح الانسانية سنستصحب معنا اعادة تعريف الخير والشر وامكانية ان يكونا معا وجهين متشابهين لنفس عملة الانسانية  وان كل منهما لا يقل اهمية عن الاخر في عملية تعريف ودراسة مصطلح الانسانية , سنحاول اعادة تقييم استخدامنا للإنسانية كصفة تخص فقط الشر المطلق وذلك عبر تحليل لغوي فلسفي تاريخي خاص بهذا الفصل منفصلا,  وسنحاول ترشيح بعض الاجوبة لأسئلة جوهرية جدا تتعلق بتقاطع دائرة الانسانية مع دوائر اخرى كالأخلاق والدين وغيرها من شقيقاتها اللاتي تتداخل الانسانية معهن بصورة يصعب معها وضع حدود واضحة لهذه التعريفات.

سنفرد فصلا كاملا لإسقاط الانسانية على وحدة واختلاف البشر من خلال امثلة واقعية ترشح التطبيق العملي للتعريف النظري ل الانسانية كعلاج للكثير من الازمات الراهنة والتي يعاني منها الانسان في كل مكان.

وسنختم هذه السلسلة البحثية بالإجابة على سؤال : هل الانسانية صفة خاصة بالإنسان وحده , ام ان ما يسقط تحت مظلتها من سلوكيات وافعال يمكن ان يتشارك فيها الانسان وغيره من المخلوقات, سنسرد ايضا بعض القصص والتجارب والآراء والمقتبسات التي اسهمت في التطبيق العملي لهذا المصطلح بصورة فاعلة جدا في مجتمعات وحقب زمنية متباينة .

 لمحة تاريخية فلسفية دينية

تعاملا مع المصطلح من جانب لفظي نجد كلمة (الانسانية ) مشتقة من كلمة ( انسان ) نحن الان نتعامل مع مكونيه الاساسيين , المكون المادي والمعنوي . وعملية تعريف الانسانية لابد ان تتطرق لكلا الجانبين , بما يعني اننا نتعامل مع الانسان كمخلوق يملك من الصفات المادية والشكلية والخلقية المميزة له عن سائر المخلوقات الاخرى فيما عداه الامر الذي يجعلها نسبيا لفظ يخص الانسان وحده بصورة مادية , وشق اخر ( معنوي ) متمثل في سلوكيات الانسان , تعاملاته وتفاعله مع نفسه والاخر وكل الاشياء المحيطة به مستصحبا خلال هذا التفاعل مع الاخر والبيئة المحيطة مجموعة من المكملات الاخرى التي تسهل هذا التعاطي والتفاعل كابتداع لغة للتواصل , الاستناد لديانة او قوة عليا تضبط سلوك الانسان واخلاقه في اطار يحفظ حق الجميع , تركيبة مجتمعية واضحة المعالم تضمن تماسك هذا الانسان وتماسك علاقاته كما ذكرنا مسبقا.

التفكيك اللغوي الموسع لكلمة انسانية سنتطرق له في باب منفصل لاحقا , وسنستصحب معنا في هذه الدراسة البحثية الخاصة بهذا الفصل معلومة اننا نتعامل مع شق مادي ومعنوي عند دراستنا للإنسان .

هذه التركيبة المعقدة جدا , وتباين مكوناتها من ناحية فلسفية وتاريخية , والتي تعرضت بدورها لكثير من التغييرات الجذرية في استخدام المصطلح وتطبيقه عبر الحقب الزمنية المتتالية,  جعلت من وضع تعريف قاطع ومباشر لمصطلح الانسانية امرا صعبا للغاية الا ان التطرق لمحاولات ومخرجات اجتهاد المدارس الفلسفية والدينية عبر التاريخ يجعل الصورة اكثر وضوحا للباحث.

كمحصلة لهذا التداخل نجد ان الانسانية هي مجموعة من وجهات النظر الفلسفية والاخلاقية التي تركز على قيمة وكفاءة الانسان , سواء كان فردا او جماعة ( الطبيعة البشرية ) وتفضل بصورة عامة الاستناد على التفكير والاستدلال ( العقلانية ) عوضا عن الاستناد على المذاهب او العقائد الثابتة ( الايمانية ) . الجدير بالذكر ان كثير من الحركات الانسانية في العصر الحديث انحازت بقوة كبيرة للعلمانية وتجريد مصطلح الانسانية من التبعية لأي ديانة خاصة برغم ان الكثير من الانسانيون الاوائل (المهتمون بدراسة ووضع اسس وقواعد للعلوم الانسانية) كانوا ينتمون بأفكارهم الى خلفيات دينية متنوعة.

مرورا بلمحة تاريخية مهمة جدا قبل التوسع والغرق في المحاولات الكثيرة لتعريف الانسانية نجد ان كلمة انسانية او ” انساني ” مشتقة من المصطلح الايطالي (umanista) العائد الى القرن الخامس عشر والذي يعني : المعلم او الباحث العلمي ( جورج فويت 1856 م / عصر النهضة في اوروبا الغربية) .

هذه اللمحة التاريخية كانت المدخل الاساسي لنشوء مناهج ( العلوم الانسانية ) و هي مجموعة من العلوم التي تهتم بدراسة واجراء ابحاث تهتم بالخبرات والانشطة التي يقوم بها البشر جاعلة الهدف الاساسي لدراسة هذه العلوم هو الاجابة على السؤال الفلسفي المتعلق بحقيقة الانسان وماهيته.

توالي الابحاث والدراسات والازدياد في محتوى العلوم الانسانية من معلومات وتعريفات مقبولة ومطبقة بصورة عملية في الفترات التاريخية التي تلت عصر النهضة الاوربية لم يستطع ايضا الباس الانسانية رداء الدين , لذلك ظلت الانسانية دوما مرتبطة بالجانب الفلسفي والاخلاقي بعيدا عن الدين.

تطور الانسانية الدينية من بعد الثورة الفرنسية لم يتعدى وجود منظمات دينية اقرب الى الليبرالية حاولت دمج الانسانية الاخلاقية الفلسفية مع طقوس ومعتقدات بعض الديانات الى ان انتهت هذه المحاولات مع بداية الحركة الاخلاقية في ثلاثينيات القرن العشرين حيث اصبح مصطلح الانسانية مرتبطا على نحو متزايد مع الفلسفة الطبيعية ومع علمنة المجتمع .

تلى هذه التطورات اعلان البيان الانساني الاول والذي تشكل رسميا في جامعة شيكاغو عام 1933 حيث تم تعريف الانسانية على انها : ( ايديولوجية تتبنى السببية, القيم ,والعدالة وترفض على وجه التحديد الافكار الخارقة والدينية كأساس للأخلاق واتخاذ القرار ) .

الاستخدام المختلف لمصطلح الانسانية والاقرب لما نقوم بممارسته اليوم ظهر في منتصف القرن الثامن عشر في عام 1765 حيث ظهر للسطح تعريف جديد للإنسانية على انها ( المحبة العامة للبشرية والتي تعتبر فضيلة مجهولة جدا حتى الان وسنسميها الانسانية لأنه قد حان وقت انشاء شيء ضروري وجميل هكذا )

الجدير بالذكر ان هذا التعريف الاقرب للعاطفة كان وليد مقال مجهول في دورية التنوير الفرنسية.

وبرغم وجود الكثير من الجمعيات الخيرية الساعية لإحداث اصلاح بشري ومعرفي في كل الجوانب التي تعني بالإنسان واحتياجاته المادية والمعنوية والتي كانت تابعية للمسيحية في اغلبها الا ان فكرة الانسانية العلمانية الغير مرتبطة باي خلفية دينية ظلت سائدة ومتمكنة من كثير من الفلسفات والتعريفات التي تلت سابقاتها الى ان لاقت هجوما عنيفا في مطلع القرن التاسع عشر بافتراض انها تمثل تمجيدا وتأهليها للبشر وللعقل البشري بمعزل عن المؤسسات الدينية التقليدية المنسوبة لفلاسفة معارضين للثورة التنويرية مثل روسو ، وبدأت الانسانية عند هذا المنعطف تأخذ معنى سلبي عند محاولة ربطها بالدين .

ظل هذا الطابع الاحتدادي بين ابقاء تعريف الانسانية محصورا على القيمة الفلسفية الاخلاقية فقط والردود التعنيفية التي هاجمت هذه النظرة ومحاولة خلق الانسانية الدينية هو السمة الغالبة على القرن التاسع عشر , وتم تسجيل كلمة انسانية في قاموس اكسفورد الانجليزي عام 1812 وتعريفها على انها الانسانية المجردة للسيد المسيح خلافا للطبيعة الالهية , بالمقابل تبناها الليبراليون والراديكاليون على انها ربما تمثل ديانة بديلة وجديدة للبشر جميعا .

هذا الصراع الذي استمر طويلا عبر هذه الحقب التاريخية يبدو واضحا جدا عند مررونا سريعا على فلسفة الانسانية عند اليونان القديمة , العصور الوسطى الاسلامية ,عصر النهضة , وصولا الى الانسانية الحديثة .

فلاسفة اليونان القديمة ( طاليس وكزينوفانيس ) والذان يعتبرا اول انسانيين يونانيين اوضحت كل المقتبسات عن فلسفتيهما والدراسات المنجزة من قبليهما ان الانسان هو مقياس كل شيء بعيدا عن اي قوى خارقة او الهة ذلك الزمان.

حتى مرحلة العصور الوسطى الاسلامية كانت مفتوحة وبشدة لكل الافكار الانسانية حتى تلك العلمانية والليبرالية منها ومن اكثر المقتبسات المؤكدة لهذه المعلومة كانت رسالة الهاشمي ابن عم الخليفة المأمون التي بعثها الى احد المعارضين الدينيين والتي ذكر فيها ( احتج عافاك الله بما شئت وقل كيفما شئت وتكلم بما احببت وانبسط في كل ما تظن انه يؤديك الى وثيق حجتك )

الامر الذي يجعل جوانبا معينة من انسانية النهضة تعود جزورها الى هذا العصر من الاسلام .  

عصر النهضة بدوره والذي تلى العصور الوسطى لم تكن فيه الانسانية برنامجا ايديولوجيا بل مجموعة من المعرفة الادبية والمهارات اللغوية المبنية على خطابات جيدة تستطيع من خلالها احياء قيم اخلاقية تخدم مصلحة الانسان  .

اما التطور الذي تلى عهد النهضة وصولا الى الانسانية الحديثة لم يظهر فيه اي تضارب بين فلسفة الانسانية الاخلاقية والانسانية الدينية برغم وجود بعض النزعات الانسانية العلمانية .

و وصولا الى القرن العشرين ظهرت عبارة ( دين الانسانية ) المنسوبة الى الاب المؤسس توماس بين والذي كان يسمي نفسه المحسن , الصفة التي تجمع بين ( الله , الحب , والرجل ) واوضح انه وبرغم ايمانه بوجود من انشأ الادراك في هذا الكون الا انه يرفض المطالب القائمة على التعاليم الدينية والادعاءات العظيمة ونسبها الى الانسانية .

لا زالت هذه الصراعات والجدليات قائمة في تعريف الانسانية وتوجيهها توجه فلسفي علماني بحت او صهرها مع الدين لإنتاج الانسانية الدينية , الا ان التعريف الاولّي لها كمجموع سلوكيات بشرية للإنسان بشقه المادي والمعنوي خلق منها مفهوما كبيرا يجمع عليه الناس رغم اختلاف آرائهم ومعتقداتهم ودياناتهم.

برغم محاولات الكثيرين في وصف انتماءاتهم الدينية بانها اكثر دينية عن غيرها و حتى عجزنا عن ايجاد تعريف موحد وشامل للإنسانية الا ان وقعها الدافئ في نفوس الجميع يجعل منها سمة من سمات الوحدة البشرية والتفاف الجميع من حولها متخطين حاجز المعتقدات والآراء والديانات بل وحتى الاوطان واللغات

ولعلها كما تم تعريفها في احدى الحقب الزمنية السابقة ( الدين الذي ربما يصلح للبشرية ).

بصورة اكثر توسعا سنتطرق في فصول تالية الى تفكيك بعض التعريفات الاخرى للإنسانية من جوانب لغوية ومنطقية واسقاط هذا التفكيك على اجوبة الكثير من الاسئلة المتعلقة بالإنسانية , كحملها لمعنى الخير المطلق بعيدا عن الشر , ومدى اتاحة استخدام مصطلح الانسانية واسقاطه على البشر , المواقف , الافكار والاحاسيس  بصورة اكثر واقعية تطابق المعنى الاساسي للمصطلح .

تعليقات الفيسبوك

‫شاهد أيضًا‬

10 معلومات ربما لم تكن تعلم بها من قبل عن البيبلومينيا “Bibliomania”

لقراءة المادة الأصلية إضغط (هنا) بقدر ما يبدو هذا المصطلح معروفًا للكثيرين، الا ان التعريف…