انسانية 1

منذ قديم الزمان وحتى التوقيت الذي تعثرت فيه انت الان بهذه الكلمات  سعى الانسان ولا زال يسعى , أن يضع تعريفًا لكل شيء يسقط  في مجال جاذبية معرفته , ومن ثم وضعه في قوالب ذات اطار محدد حتى يسهل عليه التعامل معه واستخدامه , ومن اكبر تلك التعريفات واشدها تعقيدًا رغم بساطتها مصطلح ( الانسانية ) المشتق من اسم ( انسان ) .

ورغم محاولاته الكثيرة جدًا خلال مختلف الحقب الزمنية في وضع تعاريف لمصطلح الانسانية من وجهات نظر متعددة وعلى ضوء خلفيات دينية و فلسفية وغيرها الا انها في مجملها لم تمثل سوى فرضيات ومقترحات سعى من خلالها الانسان لتفصيلها كقطعة قماش على شكل ثوب بمقاس ثابت رغم كونها على عكس الكثير من المصطلحات التي تمكن من تعريفها الاشد صعوبة على حبسها في اطار ضيق ومحدد .

ومن خلال التطرق لهذه الفرضيات ومحاولات شرح مصطلح الانسانية في ابحاث ودراسات الكثير من الفلاسفة والعلماء حاولت التعاطي مع هذا المصطلح بطريقة جديدة تقوم على تفاعل كل انسان مع مجموعة من الاسئلة التي تجعل من محاولة التعريف اشبه بالتجربة والبحث الشخصي بصورة فردية اثناء محاولاته للإجابة على هذه الاسئلة واطلاعه على المحتوى العلمي او الفكري اثناء قراءته للسطور التالية.

محاولتنا للتعبير عن وقع كلمة (انسانية) في نفوسنا بهدوء وتجرد تام من اي خلفية معرفية اعتيادية استقيناها من مصادر المعارف من حولنا واخذ الزمن الكافي لذلك تماما قبل قراءة كل ما قد ورد في تعريفها بما فيها فصول هذه السلسلة من المقالات هو أفضل ما قد نفعله قبل مواصلة القراءة .

(الانسانية .. الفريضة الغائبة ) هي أطروحة او كتاب سأستعرض فصوله في شكل مقالات منفصلة ومتتابعة تتطرق لتجربة تعريف المصطلح , وما ورد في ذكره من خلال المعتقدات الدينية والفرضيات الفلسفية , بجانب تفتيتها بصورة واقعية في شكل سلوكيات يقوم بفعلها الانسان تلبية لحوجته الانسانية نفسها ,  تصحيح بعض المفاهيم المغلوطة في عقلنا الباطن عنها , مدى احتمالية هذا التعريف لحمل الخير والشر على حد سواء والى اي درجة تتقاطع الانسانية مع غيرها من المصطلحات كالأخلاق والقيم والمبادئ , هل الانسانية حكر على الانسان فقط وغيرها من التساؤلات التي سنسعى سويا لخلق اجابات تخصنا نحن من خلال المقالات المتتابعة والتي رغبت في استفتاحها بمقال يتناول الانسانية على ضوء احتياجات مشتركة وسلوكيات متشابهة يقوم بها الانسان في اي مكان ومنذ بدء الزمان ! املا في تحقيق الغرض الاساسي من هذه المقالات وهو ادراكنا أن الانسانية ومهما اختلفت نظرتنا وتعريفاتنا لها هي مظلة تسعنا جميعا ونحقق عبرها قيمة غالية جدا وهي وحدة الانسان .

  

في ظل سعينا المستمر كبشر لتمجيد اختلافات ألسنتنا , سحناتنا , جنسياتنا , معتقداتنا الدينية , اعرافنا وتقاليدنا المجتمعية , وحروبنا الطاحنة للدفاع عن هذه الاختلافات وتصنيف بعضنا البعض بحسب أفضلية وهمية افترضناها نحن , لطبقات متفاوتة مستندين على الشكل , اللغة أو الديانة غمرنا أنفسنا في وحل هذا التمجيد وتجاهلنا تماما أنه أصدق دليل على وحدتنا البشرية وتشابهنا المتقن جدا . ولم ندرك حتى حقيقة أننا لم نحظى حتى بفرصة لاختيار هذه الاشياء قبل الدفاع عنها بهذه الشراسة .

لو أننا أعطينا مساحة صغيرة لإعمال العقل والتفكير في هذه الاشياء ( اللغة , الدين , الانتماء لمجتمع  بأعراف وتقاليد وقالب اجتماعي محدد , الثقافة , الفن , العلاقات الانسانية بكل ما هو حولنا وغيرها من الاشياء ) لادركنا أنها مجتمعة تمثل احتياجات بشرية مشتركة نعمل جميعا على تلبيتها بأساليب مختلفة , ورغم هذا الاختلاف الشاسع في ظاهره الا أنه يقودنا للنقطة الاكثر أعجازا , وهي أننا نقوم بنفس الفعل البشري ونمارس نفس السلوك ولكن بأسلوب مختلف.

احتجنا للتواصل مع بعضنا البعض عبر وسيلة نستطيع استخدامها جميعا فاخترعنا اللغة , احتجنا لقوة روحية عليا نلجأ اليها بضعفنا ومحدودية أدراكنا فأتبعنا ما وصل الينا ووجدناه امامنا من الرسائل السماوية بمختلف أطيافها أو لجأنا لأخرى من صنع الانسان نفسه وأختار بعضنا أن يحارب تلك الحوجة , بل ان ينفي وجودها على الاطلاق بما يؤكد وجودها على الاقل كشيء يفني بعضنا كل حياته في محاولة طمسه , احتجنا وجود الاخر والتفاعل معه وخلق روابط بشرية بمسميات واضحة  فبنينا أسرنا الصغيرة ومجتمعاتنا المكونة منها تدريجيا على الزواج مهما اختلفت طقوسنا وعاداتنا في الترتيب له وغيرها الكثير جدا من السلوكيات والاستجابات البشرية لحوائج نتفق عليها جميعا.

في محاولة لتمجيد هذه الوحدة المعجزة ونحن نلبي حوجتنا الانسانية عوضا عن التركيز على اختلافنا الطبيعي جدا ونحن نقوم بذلك سعيت لتجميع سلسلة مقالات  هي نتاج بحث ودراسة مطولة في كل من هذه النقاط بصورة منفصلة , لمعرفة كيف أخترعها الانسان وكيف أكتشف وجود بعضها , كيف سعى كل أنسان في حيز زماني ومكاني مختلف لتلبيتها وصولا الى عالم كبير يحتضنها جميعا بداخله. ومحاولة ضم هذه المقالات في أطروحة او كتيب تحت سقف يسعها جميعا وهو سقف الانسانية. لاعتقاد مني بأنها المظلة الكبرى , والاصل الذي تتفرع منه كل هذه الاشياء ويقيني الشديد بأنها هي , الفريضة الغائبة.

سأتطرق باستفاضة ايضا في مقالات تالية لتفتيت عناصر كلمة (الانسانية ) الفضفاضة , و اعادة تدوير مفاهيمنا المسبقة لتلك العناصر واقتراح اجوبة للعديد من التساؤلات التي تدور حولها , املا في اكتشاف زاوية جديدة للتفكير وللتساؤل المستمر في عقل القارئ الذي من شانه ان يقربنا الى الحقائق الاقرب للواقع .

وفي هذا المقال تحديدا سأتناول عنصر ” اللغة “

أكثر من 7.4  مليار نسمة حول العالم أتحدوا جميعًا في حوجتهم لوسيلة تواصل يتبادلون من خلالها أحاسيسهم وأفكارهم وكان نتاج ذلك أن أخترع الانسان أكثر من سبعة الاف لغة للتواصل , بأصوات , ورسومات للأحرف والكلمات ,  مختلفة جدا عن بعضها البعض .

أنسان الشرق , وانسان الغرب , انسان الشمال وانسان الجنوب في أي بقعة من بقاع الكرة الارضية لو انه أحس بالامتنان تجاه موقف او صنيع اسديته اليه سيترجم احساسه في كلمة شكرا مهما كانت مخارج حروفها وطريقة نطقها او حتى رسم حروفها يظل الاحساس واحدا , لن تقل قدرة اللغة العربية عن الالمانية في ايصال هذا الاحساس لمتلقيه الناطق بتلك اللغة ولن يغير من هذا الاحساس كونه بالإسبانية او الفرنسية او الهندية او غيرهم .

حوجتنا لنقل هذا الاحساس وغيره , لتشارك افكارنا وما يدور بعقولنا وقلوبنا هي المحرك الاساسي الذي دفعنا جميعا لاختراع اللغة , وتطويرها وتشكيليها في قالب عام نتناقله جيلا عبر جيل ,  و توثيق رسمها وقواعدها كتابة في مصادر بإمكاننا الرجوع اليها والقياس عليها , هو نفس السبب الذي يدفعنا احيانا لتعلم او اجادة لغة جديدة كليا عن تلك التي الفناها واعتدنا استخدامها , رغبة في التواصل مع الاخر , لإيماننا المطلق بحوجتنا لهذا الاخر وتشابهننا التام معه في الية هذا التواصل رغم اختلافه الظاهري.  

في محاولة عملية للتفكير في عنصر ” اللغة ” من جانب جديد غير الذي تعودنا التفكير والقياس على ضوئه , لنحاول التحرك بخيالنا الى مكان فيه حريق هائل , وشخص اخر يتجه صوب هذا الحريق بجهل تام منه لخطورة هذا المكان وانت تريد تحذيره من النار ولكن , بلا كلمات او حروف لغة معينة , كيف ستتصرف ؟

على الاغلب ستبدأ في اطلاق اصوات تحذيرية و القيام بحركات وتعابير بوجهك وجسدك لإيصال احساس الخطر لذلك الشخص كأول محاولة ولكن , كم ستكون نسبة نجاح هذه المحاولة على الاغلب ؟ وهل هي كافية لإيصال معلومة الخطر ووجود حريق وضمان سلامة هذا الشخص؟ ام ستبدو هذه الاصوات والحركات كأنك تعاني من توعك معدي بسبب طعام ثقيل الهضم؟

وفق فرضية شخصية , أظن أن البداية التقريبية لأصل اللغة كانت هنا , حوجتنا لكلمات واضحة كـ خطر , نار , حريق , لضمان وصول الرسالة التحذيرية بوضوح , ولكن بلا شك الامر ليس بسهولة هذه التجربة الان ونحن نتخيلها ونفترض مخرجاتها . نفس هذه التجربة حدثت بصورة واقعية قبل الاف مؤلفة من السنين في وجود حريق حقيقي او ربما حيوان مفترس او انهيار جبلي , ووجود شخص او عدة اشخاص كونوا احاسيس وافكار معينة تجاه الموقف الماثل امامهم فاطلقوا اصوات او ربما همهمة معينة وحركات وتعابير توحي بالخطر لتمر بالكثير من اعادة الاستخدام والممارسة والاتفاق بين مجموعة اكبر من الاشخاص في مكان وزمان معينين لتنتهي في اكثر العبارات وضوحا لمن يسمعها او يقرأ حروفها ” نار ” أو مرادفها بالإنجليزية او الفرنسية وآلاف الكلمات بلغات مختلفة والتي تعني جميعها نار لتدل على وجوب الحذر وضرورة الاحتراس .

وفق نفس هذه الفرضية السابقة اعزي التقارب الكبير في مخارج بعض الحروف او استخدام نفس الكلمات مع اختلاف طفيف في طريقة نطقها بين اللغات المختلفة  للهجرة والتنقل المستمر الذي اشتهر به الانسان القديم في محاولاته الدائمة لاستكشاف المجهول , بجانب انصهار التكتلات البشرية  المتعددة ومحاولاتهم للاندماج ويبدو ذلك اكثر وضوحا عند تركيزنا على لغات ولهجات سكان المناطق  المشتركة بين حدود دولتين حتى وان كانت كل دولة منها تمتلك لغة خاصة. فدول اوروبا الغنية بتنوع كبير في اللغات تتشارك جميعها مخارج حروف معينة او بعض الكلمات اساسية في الكلام . والمثال الاكثر وضوحا لتلك الدول التي تقبع بين قارتين او عالمين مختلفين نجد تركيا التي تعتبر لغتها الام ” التركية ” مزيجا هائلا من كلمات عربية وفارسية انجليزية وفرنسية بجانب مكونها التركي . بحكم جوارها لكلا العالمين الشرقي والغربي .

وبالرجوع لكافة الفرضيات الاخرى والكثيرة جدا في اصل اللغة نجد تباينا واضحا يدل في مجمله على ان الانسان في اي مكان وزمان لطالما احتاج للغة كوسيلة للتعبير والتواصل , وقبل التطرق لأكثر هذه الفرضيات دقة ولأقربها للمنطق , سأطرح تساؤلا تم طرحه مسبقا في ندوة تفاعلية بخصوص نشأة اللغات .

لو اننا احضرنا عشرة اطفال حديثي الولادة من عشرة دول مختلفة يتحدث سكانها عشرة لغات مختلفة عن بعضها البعض , احضرناهم لجزيرة نائية وخالية من البشر , تتوفر في تلك الجزيرة جميع مقومات الحياة اللازمة لكي يكبروا , وتركناهم في تلك الجزيرة لمدة عشرة سنوات كاملة , وعدنا بعد هذه السنوات  وحاولنا الحديث معهم , هل من المتوقع ان يتحدثوا احدى تلك اللغات العشرة من مواطنهم الاصلية ام أنهم سيبتكرون لغة جديدة ومختلفة تماما عن العشر لغات وعن كافة لغات العالم ؟

أطرح نفس السؤال الان للقارئ بدون انتظار اجابة محددة ومطلقة له بل لإلقاء حجر في بركة عقولنا وفتح نوافذ جديدة للتفكير واطلاق العنان لمخيلتنا في وضع الفرضيات وتخيل نشأة الاشياء وتطورها حتى وصولها الى ايدينا على ما هي عليه.

وباستعراضنا للفرضيات التي تم وضعها لتحديد اصل اللغات منذ الثمانينات والتي اتفقت في مجملها على ان اصل اللغة هو المحاكاة لمختلف الاصوات الطبيعية واصوات الحيوانات بجانب الصراخ الفطري للإنسان ( تشارلز داروين 1871 ).

ومن ضمن هذه الفرضيات ( بو_واو ) المعروفة بالوقواق والمنسوبة للفيلسوف الالماني يوهان جوتفيرد هردر ونصت الفرضية على ان اللغة هي نتاج محاولة الانسان لتقليد اصوات الحيوانات في البيئة المحيطة به وقد تم رفضها هي وشبيهاتها في ابحاث العصر الحديث نظرا لبساطتها التي وصفت بالسذاجة والتي عجزت عن الاجابة على الكثير من التساؤلات الحالية حول نشأة وتطور اللغات.

والتي تلتها العديد من الفرضيات عبر السنين وصولا لعام 2004 الذي ولدت فيه نظرية ( لغة الامهات ) والتي اقترح فيها وليام فيتش ان جميع اللغات كانت في الاصل ( لغة امهات ) تستخدمها الامهات للتواصل مع ابنائهن ومن ثم مع جميع اقربائهن وتكوين كلمات يتم الوثوق منها وتطورها واستخدامها مع الزمن.

تلتها نظرية (الايثار الاجباري المتبادل) والتي بنيت على نشوء علاقات بين افراد المجتمع الواحد والمجتمعات مع بعضها البعض بشكل دوري مما ادى لخلق اللغة وتعميمها على المجتمع كله.

جاءت من بعدها نظرية (النميمة والاستمالة) والتي افترضت ان وجود البشر في مجموعات تتفاعل مع بعضها البعض جعل من الضرورة بمكان محاولتهم لإبداء التعاطف والاهتمام والذي كان في بادئ الامر يتم جسديا عبر التربيت على الكتف او ملامسة الكتوف ثم لجأ البشر من بعضها لوسيلة أكثر عملية فاخترعوا اللغة.

بجانب الكثير الكثير من النظريات والفرضيات الاخرى التي وضعها العلماء الا انهم اتفقوا جميعا على انه لا يمكن وجود شيء مثل نظرية اصول اللغة لان اللغة هي احد الجوانب الداخلية لشيء اوسع بكثير وهي ثقافة الانسان الرمزية.

وبالبحث والتبحر في علم أصل اللغة سنصطدم بالكثير من الافتراضات الاخرى وابحاث العلماء التي تتراوح من السذاجة والبدائية المطلقة الى أكثر التجارب العلمية دقة وتعقيدا في العصر الحالي لمحاولة اكتشاف أصل اللغة والذي يعد أرضية خصبة جدا لاستكمال البحث والدراسة.

والنظرية التي قد نتبناها جميعا , أن اللغة شيء احتجناه جميعا , الانسان الاول وأنسان العصر الحديث على حد سواء , فلبينا حوجتنا للتواصل باختراعها وتطويرها بالقدر الاكثر وضوحا والاقدر على ايصال الاحساس والفكرة . وان تلبيتنا لنداء هذه الحوجة بصور مختلفة ليس سوى اصدق صور تشابهنا ووحدتنا.

وبتناولنا لما سيلي اللغة من نقاط , ايضاحا وتفصيلا , في مقالات منفصلة ربما من شأنه أن يجعلنا أكثر قدرة على تبني وحدتنا الانسانية بصورة أكثر نضجا وأوسع معرفة و ادراكا .

تعليقات الفيسبوك

‫شاهد أيضًا‬

10 معلومات ربما لم تكن تعلم بها من قبل عن البيبلومينيا “Bibliomania”

لقراءة المادة الأصلية إضغط (هنا) بقدر ما يبدو هذا المصطلح معروفًا للكثيرين، الا ان التعريف…