show

تحقيق – محمد سالم مهدي.

نشرت المادة من قبل في الملف الثقافي لصحيفة اليوم التالي بتاريخ : 28-3-2017

نعلم جميعاً أن لكل مرحلة تاريخية إمكاناتها وأدواتها المتاحة، وبما أننا الآن نعيش ( الزمن التكنولوجي ) في التحول الحضاري، من ثم كان لثقافة الأدب الرقمي حضور في استثمار الوسائط التكنولوجية مما يستدعي وجود قارئ يمتلك أيضاً الثقافة الرقمية، وهنا كانت لنا وقفة مع بعض الكتاب و الروائيين السودانيين؛نضيء من خلالها ما يعتمده النص الرقمي في بحثٍ عن مدى شرعيته الإبداعية من حيث حالة أجناسه ومدى التخصيب في مساحة الحرية المتاحة في الأدب الرقمي.

 

هنالك تراكم في النصوص الرقمية:

FB_IMG_15297547677545000

يقول الروائي و بروفيسور الأدب الروسي بشرى الفاضل،  إن الشبكة العنكبوتية قد فرضت نفسها على مختلف مشارب الحياة، كما لم يعد الهاتف مربوطاً بسلك، كذلك الكتابة أصبحت غير مقيدة بالقلم والأوراق، وبما أن الكتابة الرقمية أسهل وبها مميزات عديدة، أولها ميزة الوصول الفوري، حيث نجد أن كتاباً عديدين يسلكون هذا الطريق ويدخلون عبره وأغلبهم من الشباب، كما أن كثيرين أصبحوا عازفين عن القراءة بشكلها التقليدي القديم.

وقد يكون لجوء الكتّاب للأدب الرقمي هو الحصول على حرية كافية وقتل صوت الرقيب، ولكن ليس هذا هو السبب الرئيس لمعظم اللاجئين للكتابة الإبداعية الرقمية، فالسبب الأول كما يراه د.بشرى هو السهولة وسرعة الاتصال، فهنالك من يؤلف رواية وينشرها رقمياً على شكل حلقات، في الوقت الذي يراقب فيه ردة فعل كل نص ينشره.

فهنالك تراكم كبير في النصوص الرقمية، ولكن تظل الكتابات النقدية عند هذه النصوص حبيسة الأسافير الرقمية ذاتها، فقد ظللت منذ أواخر 2002م أكتب عاموداً في صحيفة الرأي العام بعنوان (تضاريس)، ووجدت أن أناسا في الخارج ممن دأبوا على الإنترنت لم يطلعوا ولو على مقال واحد منها، أي أنها مرت دون الاشتغال النووي عليها، والآن صدرت ككتاب من دار مدارات للنشر و التوزيع.

فالكتب التي تكون على الأرض تصل لشباب الأسافير بعد فترة من الزمن، لكن المراحل العمرية المتقدمة فهم برمائيون، بمعنى أنهم نصف أرضيين ونصف رقميين، وهنالك كبار السن وهؤلاء أرضيون بالكامل، أما (التين إيدش)، فمائيون بالكامل ويسبحون كملاحين مهرة في محيط الإنترنت.

وهو بالفعل محيط يضاف للمحيطات الموجودة بل هو أكبر منها، ولكن الأمر المهم هو أن على من يكتب على الأسافير يمكن أن يسمي نفسه مؤلف نص رقمي، إذ أنه نص رقمي مطلق، وليس نصا رقميا إبداعيا، وهذه الكتابة لو لم تكن مبدعة فإن كاتبها يكون في عجلة كي يقرأ ردة فعل قراءة الفوريين، فالنص الإبداعي الرقمي من سماته أن قراءه فوريون يلتحمون به بعد دقيقة من إطلاقه؛ ولكن من عيوب ذلك أن القراء الرقميين تزدحم أوقاتهم بآلاف النصوص والمواد، لذا يكون الوقوف للتأمل في النص الإبداعي الرقمي لبضع دقائق، ثم يظهر النص بعد ذلك و(يتلبك) وهذا ما أطلقت عليه قبل فترة (الودك) الإسفيري.

وفي ما يتعلق بإدراك الكاتب الرقمي بثقافة الحرية فإن الفرد في بلادنا لا يمتلك ثقافة حرية إلا قلة من النماذج المصعدة والذين اكتسبوا ثقافة الحرية وأدركوا شروطها، وتعلموا ذلك عبر التثقيف والتربية الذاتية. ويختم بأن من يجنس النص هو الناقد، ومن القراء من هم نقاد، فلا يقتصر ذلك على النص الرقمي فقط، ثم من يكتب ويصنف عمله بنفسه يجد أن للنقد رأيه في ما يكتب: “إذ ليس كل مدردم ليمون”.

 

المؤلف والمتلقي سيان:

FB_IMG_15297549700861868

 

وفي ذات السياق يقول القاص الهادي علي راضي الفائز بجائزة الطيب صالح في إحدى دوراتها،إن ثمة التباس حول مفهوم الأدب الرقمي، فهو لا يعني النشر الإلكتروني بل هو رؤية جديدة للنص الأدبي، ناتجة عن إفرازات ثورة المعلوماتية في هذا العصر، وبالتالي لا يمثل مساحة هروب للكاتب ليمارس حريته في الكتابة بعيداً عن قهر الرقيب السلطوي، ولكنه فضاء جديد للتجريب في الكتابة الأدبية، يمارسها الكاتب بمحض إرادته واختياره لهذا النوع من الأدب سواء كان في شكله البسيط أو المركب.

ويمثل الأدب الرقمي (البسيط) حلاً للنشر الورقي إلى حد ما، غير أن (المركب) لا يمثل حلاً، لما فيه من خصائص تبعده مسافات عن النشر الإلكتروني نسبة لحداثة هذا النوع من الأدب، ومن الصعب القول بوجود نصوص رقمية متراكمة، بحيث إنها تشكل مادة يمكن الاشتغال عليها نقدياً، فقد ظهر في تسعينيات القرن الماضي وحقق انتشاراً واسعاً في أوروبا وأمريكا ولكنه ظل محدودا ومنحسرا على المستوى القطري والإقليمي، وربما تعود الأسباب إلى التباس المفاهيم بين ما هو رقمي وما هو إلكتروني، ولشيوع الأمية التكنولوجية في كثير من بلدان الكتاب الأفارقة والعرب.

ويضيف بأن النص الرقمي من خصائصه الأساسية (التفاعل)، أي أن المؤلف لا سلطة له في النص الرقمي، فالمؤلف والمتلقي سيان، وأحيانا يكون دور المتلقي أكبر وأكثر تأثيراً على النص من المؤلف، ويكون ذلك من خلال تفاعل المتلقي مع النفس، عبر الروابط التي ينشئها المؤلف في متن النص، ومن ثم تتيح للنص أن يستفيد من وسائط تكنولوجية أخرى لتخلق فضاءات جديدة، عبر الصورة والصوت والحركة داخل النص الرقمي، وبالتالي فإن وصف الشخص الذي يكتب أدباً رقمياً بـ(المؤلف)، هو وصف غير دقيق، بما أن النص يشارك في كتابته أكثر من شخص وهو نص لا نهاية له.

ومثلما يتماهى الواقع مع الخيال في النص المطبوع، يحدث ذلك في النص الرقمي، ولكن مسألة الرغبة في الكتابة أو الإلهام قد تكون ذات جدوى طالما أن الاطلاع والقراءات المتعددة هي المصدر الأكثر فائدة للكاتب بجانب الموهبة.

فقيمة الحرية تتجلى في ممارسة الفرد لحياته وفق خياراته وقناعاته دون وصاية وبالطبع احترام الآخر.

وأما بخصوص التجنيس في الأدب الرقمي، حسب آراء المنظرين لهذا الوافد الجديد، فإنها تتمثل في الشعر التوليفي والنص التوليدي والنص المتشعب، بالتالي يصعب وصفه إلا من خلال هذه الأجناس.

*الكتابة الرقمية لا تفسد التخييل:

FB_IMG_15297545958276885

 

من جهة أخرى تقول الروائية  آن الصافي إنه قد يكون السبب الأساسي في اللجوء للأدب الرقمي، هو سهولة وصول النص إلكترونياً دون مقص أياً كان، فنحن الآن في العقد الثاني من الألفية الثالثة، نتداول النصوص عبر شاشات إلكترونية أمر تلقائي فهنالك سعة لاستيعاب آلاف الكتب والنصوص.

ومن ناحية أخرى، فإن النشر الورقي له ميزة جيدة، وهي لمن يرغب في توفير أوراق بين اليدين للتناول بالصورة المعهودة. أجل هنالك إشكاليات للنشر الورقي منها المادة والتوزيع والتداول والرقيب وهوسه بالتدخل بسبب أو بدون سبب.

وهنالك أنواع من النصوص الرقمية المنشورة والمتداولة على التطبيقات الذكية وشبكات التواصل، وهي من تأليف صاحب الحساب.

نصوص في الأصل مؤلفة لتكون كتباً أو أوراقاً فوجدت سبيلها لـ ( البي دي إف ) كوسيلة لحفظها.

نصوص تكتبها برمجة تقنية، بعضها يبدأ كتابتها الكاتب ويعمل التطبيق بقيتها أو فقط يكتبها العقل الصناعي بمجرد كبسة زر، ممكن قصيدة أو نص سردي، وقد تناولت هذه المحاولات في إحدى أوراق الكتابة للمستقبل، فمن ناحية علمية نعم كل ما يكتب يمكن أن يرضخ للدراسات النقدية.

فقط علينا أن نحدد الهدف من النقد، وما الذي نود أن نتحصل عليه بعد النقد. عموماً المهم أن يكون النقد فعالا وموضوعيا. وتضيف أن مسألة تجنيس النص الرقمي تعتمد بصورة أساسية على عرض الكاتب لنصه وثقافة المتلقي، ففي هذه الحقبة نجد من يبحث عن النص الماتع والجيد والهادف، ولا يهمه التصنيف، أي أن التصنيف ليس هو توقفه بل المحتوى.

فالكتابة الرقمية نصوصها مفتوحة يشترك في إيصالها للحالة النهائية كل من القارئ والكاتب والناقد، فهي في حالة تعديل وتبديل إلى حين اكتمالها، ونجد كثيراً من الشعراء في الفضاء الأزرق يشتركون في تأليف قصيدة واحدة.

أما عن الرغبة في فعل الكتابة، فتقول آن دعني أسأل: هل الآن جميع الكتاب يمسكون بورقة وقلم لكتابة نصوصهم الإبداعية ومن ثم تنتقل على لوحة مفاتيح الآلة الطابعة؟! تغيرت الآليات مع التقنيات الحديثة وأدوات العصر الذي نحياه، ويبقى الأمر متروكاً للكاتب كل يختار ما يوافقه.

*القارئ لا يجنس النص

FB_IMG_15297554518651544

 

وفي سياق آخر،يقول الناقد و الكاتب صلاح سر الختم إن الأدب الرقمي وسيلة رخيصة وفعالة وواسعة الانتشار، وهي توفر أرشيفا قابلاً للتطوير للكاتب وتوفر ردود فعل سريعة من القراء وتفتح نوافذ مباشرة بينهم وبين الكاتب، فتحقق له انتشاراً واسعاً ونقاداً في متناول اليد، وهذا يطور تجربته كثيراً وسريعاً. هذا إضافة لمساحة الحرية الواسعة، وكذلك مساحة المسؤولية التامة عما ينشر، فهو بذلك يكون جزءاً من المحل لإشكالية النشر الورقي في ما يتعلق بالرقابة والتكلفة، ولكن نواقص أخرى تجعله أقل مرتبة، ففي النشر الرقمي يغيب المصحح اللغوي ويغيب التدقيق للعجلة في النشر، ويغلب طابع المقال على الكتابة، فيغيب التأمل العميق وتكون الكتابة خبرية الطابع.

فالنصوص الرقمية على كثرتها حين يراد نشرها ورقياً، نجد الصالح للنشر قليلاً، حيث يكثر فيها النقل وتغيب الأصالة وتكون التفاعلات ذات طابع شخصي ومجامل، والنص يكون ساكناً لا تطور فيه، ونستثني من ذلك القصة القصيرة جداً، فهي مولود عصر النشر الرقمي.

ويزيد على قوله، بأن ليس كل ناشر رقمي أو مؤلف في معظم الأحيان هو مثل معدي برامج المنوعات، ماهر في الاختيار والتقديم لنصوص تجارب إبداعية خاصة بالآخرين لكنه ليس مبدعاً لنصه.

وفي ما يخص الحرية، فإن كل فرد بطبيعته هو تجسيد حي للحرية، فحتى الطغاة يعرفون جيداً ما هي الحرية ويمارسونها لكنهم ينكرونها، حيث يتعلق الأمر بالآخرين وعروشهم.

 ويختم بأن القارئ لا يجنس النص، فدوماً يختار النص مكانه، وأين يقف ولأي نوع ينتمي، تماماً كالمطر يعرف أن مكانه في الأرض فيتجه نحوه مباشرة دون تردد.

تعليقات الفيسبوك

‫شاهد أيضًا‬

الوطن في الأدب

بقلم: برعي محمد قالت أورسولا لأركاديو حين قرّر الرحيل : « لن نذهب ، بل سوف نبقى هنا ، لأنن…