atlas7201

الريح أحمد:

 للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط  هنا 

**

لقد كانت الأسطورة هي خلاصة العقل  الأولى في بحثه عن المعنى ومحاولاته ترتيب حياته وفهم الكون من حوله فبدأ يخلق الأساطير وهي مرحلة يمكنني تسميتها مرحلة ” احتشاد الإجابات” لان الإنسان في ذلك الوقت كان يفسر ويعلل فيها حدوث كل شئ عبر قصص من وجدانه وأعقبتها مرحلة اسميها ” تناسل الأسئلة ” كان أبطالها فلاسفة الطبيعة ثم الكثير من الفلاسفة الذين يتحدثون عن ماهية الأشياء ويتأملون الطبيعة وسط سخرية الناس من تأملاتهم الغريبة وأفكارهم الجديدة فمازال تاريخ الفلسفة يتحدث عن ضحكات فتيات منطقة تراقيا الساخرة من تصرفات أفلاطون ومقولة سقراط التهكمية….

( تقوم والدتي بتوليد النساء وأقوم أنا بتوليد الأسئلة) وكان هذا بمثابة إعلان لتاريخ جديد في التفكير الإنساني يقول ألبير كامو في كتابه الإنسان المتمرد بالنسبة إلى الفكر البشري لا يوجد سوى عالمين عالم القدسيات و عالم التمرد وان اختفاء احدهما معناه ظهور الآخر الإنسان المتمرد هو الإنسان الموجود قبل عالم القدسيات أو بعده. والمنهمك في المطالبة بوضع إنساني تكون فيه جميع الأجوبة إنسانية .. أي مصاغة بشكل منطقي .. واعتبارا” من هذه اللحظة يكون كل تساؤل وكل كلام تمردا” علي هذه القدسيات ..

ويمكننا تعريف الأساطير بأنها قصص شعبية شفاهية تتكون مــــــن انفعالات وجدانية دون دلائل مـــادية عقلانية ولقد تحولت الأساطير في غياب العلم والتفكير العقلي إلى ” تاريخ مقدس ” ينبع من تصورات ومصالح تلغي العقل وتخفي الحقيقة ولا تقبل النقد أو التحقق ..

إذا حاولنا معرفة الوظيفة التي كانت تقوم بها الأسطورة نجدها تحاول اختزال تجارب الإنسان في قصص بسيطة تقوم على الانفعال الوجداني وانسنة الطبيعة من اجل تقديم رؤية متكاملة عن هذا الكون .

ولقد أصبحت الأسطورة مقدسة عند الإغريق لأنها منجزهم الوحيد الذي يمثل لا شعورهم الجمعي فكما أن العلوم تحظى بإيماننا اليوم أصبحت الأسطورة مقدسة عندهم لكونها خلاصة منتوجهم العقلي والعاطفي والنفسي بالإضافة إلى أنها وجدت قدسيتها ليس من كون جميع الأبطال في قصصها هم من الآلهة ولكن من طفولة العقل الجمعي الذي

لم يكن مهيئا ليفكر بصورة أكثر عقلانية وكان بإمكانه فقط أن يستخدم وجدانه ليؤنسن الكون من حوله “Animism ” كما يفعل الأطفال في صغرهم مع الجمادات واللاجمادات من حولهم فيمكنك مثلا” إرضاء طفل صغير سقط أرضا” أو اصطدم بكرسي إذا قمت بعقاب أو ضرب هذا الكرسي قصاصا للصغير..

كان أول ما أدهش الإغريق هو ارتفاع السماء بلا عمد – سبحان الله – ، وفشلهم التام في رفع ريشة بلا عمد ، وهم أصحاب المعابد والقصور الفخمة وأخذوا يفكرون في ذلك الأمر طويلا ، إلى أن ابتكروا أسطورة تقول : أن هناك عملاق يقف خلف أعمدة(هرقل ) ويحمل السماء حتى لا تقع على الأرض وهذا العملاق هو ( أطلس ) ” Atlas “ولكن الأسطورة أصابها التحريف مع مرور الزمن ، وأصبح (أطلس ) يقف في الفضاء ويحمل الأرض على كتفيه وذراعيه وأصبح من العسير تصحيح تلك المعلومة خاصة مع انتشار العديد من التماثيل والرسومات التي توضح

(أطلس ) يقف حاملا الكرة الأرضية ولقد استمرت أسطورة(أطلس ) فأصبح معنى اسمه في اغلب اللغات يدل على معجم الخرائط ويدل هذا المثال على أن الأسطورة مازالت حية وموجودة متي ما احتاجها الإنسان ويمكننا الوقوف على أشكال مختلفة من الأساطير نذكر منها :-

1/ أساطير دينية مثل أسطورة الطوفان التي وردت في بعض الأديان

أسطورة الطوفان عند البابلين وعند اليونانين وأسطورة الطوفان في الفترة الهللينية ثم في النص التوراتي

في النص التوراتي الذي يبين أن نوح يذبح أضحية بعد جفاف الطوفان فيرضي الرب عنهم ويقيم عهداً بألا يكرر الطوفان على البشر واضعاً قوسه في السحاب (قوس قزح) كي يتذكر الناس كل ما هطل المطر عهده مع الكائنات الحية على الأرض فلا يتحول المطر طوفاناً يقضي على البشرية .

ثم أخيرا” قصة نوح في القران الكريم التي أكدت حقيقة الطوفان وطابقت كثيرمن النصوص التوراتية.

2/ أساطير تفسيرية مثل أسطورة ذيل الطاؤوس .

3/ أساطير تاريخية مثل أسطورة طراودة وفيها جزء من الحقيقة والكثير من الخيال .

4/ أساطير معرفية أو علمية مثل أسطورة إله البحر والهة القمر.

إذا حاولنا متابعة انتقال الإغريق من التفكير الأسطوري إلى التفكير العقلاني نجد أن هناك تطورا” قد لازم كل مناحي الحياة عندهم اجتماعيا وحضاريا” سياسيا” ومن الصعب الحديث عن أن الفلسفة هي التي أحدثت هذا الانتقال من التفكير الأسطوري إلى التفكير العقلي لكنها السمة الأبرز في التغيير الذي حدث في القرنين الخامس والسادس ما قبل الميلادي.

يتحدث المؤرخ الفرنسي جون بيبر صاحب كتاب”أصول الفلسفة الإغريقية” و” الأسطورة و الفكر عند الإغريق” في أطروحته التاريخية :

( إن الفلسفة في بلاد اليونان كانت إعلانا عن إحداث قطيعة في التفكير حيث تم الانتقال من الخطاب الشفوي الأسطوري إلى الخطاب الفلسفي المكتوب الذي يعتمد على الاستدلال العقلي وإنتاج الأفكار والمفاهيم العقلية المجردة. كما يرى صاحب الأطروحة أن ظهور الفلسفة في المجتمع اليوناني ارتبط بحدثين رئيسيين أولهما ظهور المدينة و الدولة كفضاء لتـــداول ومناقشة القضايا المتعلقة بالمصلحة العامة وثانيهما ظهور النظـام الديمقراطي كنظام يسمح بحرية التفكير والتعبير وإبـداء الرأي )

ولكن الباحث السوري فارس السواح

صاحب كتاب( الأسطورة والمعنى) لا ينظر إلى الفلسفة باعتبارها أحدثت قطيعة مع العقل الأسطوري ولكن باعتبارها طريقة تفكير جديدة تبحث في المعنى بطريقة مختلفة و عقلانية وان الأسطورة كانت مغامرة العقل الأولى في تطوره التاريخي .

تتحدث أطروحة الأستاذ فارس السواح (إن همّ الأسطورة والفلسفة واحد ولكنهما تختلفان في طريقة التناول والتعبير. فبينما تلجأ الفلسفة إلى المحاكمة العقلية وتستخدم المفاهيم الذهنية كأدوات لها، فإن الأسطورة تلجأ إلى الخيال والعاطفة والترميز، وتستخدم الصور الحية المتحركة).

بالنظر إلى نشأة الفلسفة نجد أن كلمة فيلسوف تنسب إلى فيثاغورس الذي وجد أساطير عن مالك الحكمة ويسمي باليونانية “سوفوس “فقام فيثاغورس باشتقاق كلمة مركبه من مقطعين ( فيلو-سوفوس) أي بمعنى محب للحكمة واضعا” في الاعتبار أن لا احد يملك الحكمة أو المعرفة ليحدث تطور من مرحلة سابقة أبطالها أشخاص أسطورين هم ” ملاك الحكمة ” ويؤسس الفلاسفة لعصر جديد هو عصر ” محبي الحكمة ” والتطوير المستمر للحقيقة .

إذا لقد ولدت الفلسفة لتعيد زمام الأمور للعقل وتعيد للفرد الحقيقة التي توارت خلف القصص الرمزية وتنهض بالمجتمعات نحو الحقيقة وتؤسس لمرحلة جديدة تمتاز بأفكار عقلانية قابلة للنقد والتحقق هي مرحلة تطور فيها العقل عبر رحلة طويلة وشاقة من المدارس الفلسفية وقدم لنا هؤلاء المفكرين منجز جديد هو الفلسفة وطريقة تفكير جديدة تتسم بالعقلانية والأسئلة والبرهان والتجريب والبحث المستمر ..

السؤال هل تراجعت الأسطورة نهائيا”أمام النزعة العقلانية ..؟؟؟

يجيب الباحث في علم الميثولوجيا فراس السواح (لقد تراجعت الأسطورة عن مواقعها القديمة كمركز للحياة الفكرية في المجتمعات، وقامت الفلسفة والعلوم الحديثة بالاستيلاء على معظم ميادينها، وبشكل خاص تلك الميادين ذات الموضوعات التي يمكن إخضاع مقولاتها للبرهان وللاختبار، ولكنها بقيت متحصنة في ذلك الموقع الحصين الذي لم تستطع العقل والعلم الحديثة الوصول إليه حتى الآن، وهو الدين فالأديان القائمة اليوم في شتى ثقافات العالم مازالت تحافظ على أساطيرها التقليدية، ويرجع ذلك بشكل رئيسي إلى قيام اتفاق ضمني بين الدين والعلم على التعايش وعدم الاعتداء، حيث تُركت الطبيعة إلى المناهج العلمية تُعمل فيها تجزئةً ودرساً وتمحيصاً، وبقي الدين متحصناً في الماورائيات، في تلك المواقع التي لا يرغب العلم في الاقتراب منها، أو يعلن عدم مقدرته في الوقت الحاضر على التعامل معها)

من الواضح أن النزعة الأسطورية اللاعقلانية باقية لوجود ضرورتها في تغذية وإشباع اللاوعي الجمعي

والحاجات الروحية للإنسان ويتجلي ذلك في التصوف والكثير من أشكال الاسطرة في حياتنا اليومية من خلال

السينما والموسيقى بطولات المصارعة الحرة و تتجلي النزعة الميثولوجية أيضا في الخطابات السياسية وفي مصطلح (جماهير) الذي يخاطب وجدانهم بدلا” من عقولهم وتتجسد الأسطورة بصورة ايجابية من خلال الشعر والفنون والطقوس الشعبية

لدينا الكثير من الأساطير العالمية في مجتمعنا السوداني لا اعرف كيف وصلت إلى ” الحبوبة ” التي تحذر من النظر إلى المرآة في الظلام دون أن تحكي لنا الأسطورة الأصلية التي تتحدث عن (ماري الدموية ) أما عندما تطلب الحبوبة من الأم عدم ترك وليدها في الشهور الأولى وحيدا” فان ذلك يرجع إلى أسطورة طائر البوم الإغريقية التي تتحدث عن أن البوم تمتص دماء الأطفال الصغار.

ولكل الشعوب أساطيرها وقصصها الشعبية التي مازالت تجد مكانها في وعيهم ولاوعيهم الجمعي وتحتاج للمزيد من الدراسة والبحث.

تعليقات الفيسبوك

اترك تعليقاً

‫شاهد أيضًا‬

التفكير النقدي ومنطـق الخطاب اليومي

** في هذا العصر الذي يمتاز بالمعلومات المتدفقة وازدياد الحاجة للتعلم الذاتي تبرز الحوجة ال…