liilasup2_01d8ce9367

ترجمة الدكتور: حسيب الياس حديد 

**

كثيرة هي صفات غوركي فهو شارد متمرد ، مراهق رومانسي ، منفي ، مؤلف رسمي، رافض للمنزلقات ولا نعرف إلى أي منها يمكن أن نكرس حديثنا ، لذا لنتحدث عن غوركي الكاتب .

عندما ناهز السادسة عشرة من العمر كان قد ذاق أمرّ العذاب خلال حياته المبكرة ، إذ عمل في مهن عديدة قادته أخيراً إلى التمرد . فقد عمل جامعاً للخرق وغواصاً في إحدى السفن ومساعد خباز بحيث كان يعمل لمدة ست عشرة ساعة يومياً ، ثم عمل حارساً ليلياً في المحطة وحمّالاً في الميناء ثم صياداً للطيور وعمل أيضاً بستانياً … الخ . ولم يجد العالم جميلاً بالنسبة له . وقد قال مرة : ” كان لي رغبة أن أرفس الأرض وبضمنها أنا شخصياً لكي نثب جميعاً في دوامة مبهجة للرقص حيث يحب الانسان أخاه الانسان ونبدأ حياة جديدة وجميلة وشجاعة وشريفة ” . وبما أنه لم يستطع أن يبلغ مناه ويبدأ مثل تلك الحياة ، قرر الانتحار عندما بلغ التاسعة عشرة من العمر إذ أطلق رصاصة على قلبه تاركاً رسالة تتضمن كلاماً فضاً : ” إنني أحمّل الشاعر الألماني هين مسؤولية انتحاري (لأنه اخترع القلب الذي يؤلم الانسان) وأرجو جمع رفاتي لفحصها واكتشاف أي نوع من الشياطين يسكنني في الفترة الأخيرة ” ، إلا أن الرصاصة مرّت جانب قلبه وأجريت له عملية جراحية عاش بعدها .

وفي عام (1929) أصبح غوركي مشهوراً وفي الوقت ذاته كان تعيساً ومريضاً إلا أنه لا يبالي بالتعب ، وكان عدواً للحكم القيصري ثم أصبح ناقداً لاذغاً للبلاشفة ثم أصبح مقدماً لبرنامج وكاتب افتتاحيات في الصحف وكان المدافع الوحيد عن ضحايا الثورة . وفي خضم الأحداث التي لم تنته إلا بانتهاء حياته ارتكب انتحاراً ثانياً إلا أنه انتحار فكري هذه المرة . وقد ناضل حتى النهاية وإلى حد منع صحيفته ” الحياة الجديدة ” ضد ما أسماه الموقف المشين للينين وتروتسكي ورفاقهما في النضال . وناضل أيضاً من أجل الحرية وحرية الكلام وحرية الفرد وكذلك الحقوق التي ناضلت من أجلها الديمقراطية . ويذكر أن غوركي قال عن شعبه مرة : ” ان الانسان عندنا يمثل أربعة أشخاص مختلفة ، أجل أربعة أشخاص على الأقل ؟ ” إنه شارد متمرد ، ومؤلف رسمي للدولة وثوري حتى عام (1905) وكاتب عظيم وناقد فصيح لأصدقائه الثوريين رافض للمنزلقات كما أنه لا يدري إلى أي عمل يكرس نفسه .

 وعندما بلغ غوركي الحادية والستين من العمر قرّر بغضب شديد أن يقتل الشعور اللازب الذي سكنه طوال حياته ويتمثل ذلك بالحقيقة . وكان مقتنعاً أن الحقيقة وبال وذكر في إحدى رسائله لأحد المطرودين من روسيا أنه يمقت الحقيقة وكتب إلى كاترين كوستافو قائلاً: ” كنت معتادة على ألا تدعي الحقائق التي جعلتك تتمردين . فبالنسبة لي لا أقدر السكوت على الحق وان هذه الحقيقة كما أعلم مؤذية لمائة وخمسين مليون نسمة ” . كما أكد فلاديمير بوزنير في ” ذكرياته عن غوركي ” أن غوركي قابل للتأثير وللتغيير ولكن نحو الأفضل . وسمع بعد أيام أن غوركي أجاب أحد الرسامين عندما كان يتنهد : ” ان الرجال هم دائماً الرجال وحتى أحياناً أسوء من ذلك فماذا تريد ؟ ” .

ان الذي يعدّ مؤثراً ولا يمكن تحمله في هذه الفترة من حياة غوركي هو انتقاده للرياء الذي بدأ يتفشى في روسيا وقرّر عندئذٍ عدم الرضوخ للحقائق التي لا يمكن الإفصاح عنها ولا يوصي بمعرفتها من أجل الحفاظ على معنويات الشعب الروسي ومعنوياته أيضاً . لقد سطّر غوركي حقيقة حياته في رائعته الأدبية ” طفولتي ” وكذلك ” أيامي الجامعية ” كما سطّر أيضاً حقيقة الحياة بأكملها . وبالرغم من إغراءات كلام غوركي ومعارضته البسيطة والمعقدة للأخيار والأشرار على حد سواء والتي ربما تشوّه بعض النصوص في كتاباته إلا أنه يبقى باحثاً عن الحقيقة والتي كان يعدها ” أفكار في غير أوانها ” وكان يخبر رفاقه الحقائق التي برهن التاريخ على صحتها . ان الحقيقة الحقة عبء ثقيل لذلك يرميها على الأرض .

وذكر لنا رولاند رومان أنه عندما قابل غوركي في موسكو عام (1935) كان يحمل أوسمة وبمعيته الحرس ، أدرك رولاند (الذي مارس السياسة إلا أنه كان متحفظاً تجاه الحقيقة) أن غوركي كان في رغد العيش في هذه الفترة وكان يشغل منصب رئيس عمال في المعمل وكان مزاجه حاداً . وقال رولاند ان ابتسامة غوركي المتعبة تخبرني ان الفوضوي العجوز لم يمت بعد فهو طيب وودود . ويشاطر هذا الرأي هنري تروا كاتب سيرة غوركي . انه يحب هذا الرجل الضعيف العنيف الذي يبكي بسهولة عند زيارته للغولاك ويصغي بانتباه شديد من اياغودا الوصف الدقيق للحياة المثالية للمبعدين . ولم يبحث غوركي عن الحقيقة بدافع حبه للسلطة أو طمعاً في مغريات الحياة وإنما بدافع اتجاهه في البحث عن الحقيقة وهي ليست الحقيقة المرئية للأيام وإنما حقيقة المستقبل والحقيقة التي يجب أن تخترع ، والحقيقة التي يجب أن تجتث الرياء اليومي للدولة على مدى سنوات طوال .

” انني أمقت الحقيقة ” يقول غوركي الرجل العجوز . ويذكر أن فلاحاً فقيراً من بيرم كتب رسالة إلى غوركي في شهر مايس عام (1917)  نعم ، كتب الفلاح الفقير ، ان كل العالم لا يتحمل الحقيقة . وإنه من المؤلم حقاً أننا نخشى البقاء وجهاً لوجه مع الحقيقة ولكن يجب أن يكون هناك رجال لا يخشون أن يقولوا الحقيقة ، كما يجب أن تكون قاسياً وغير عطوفاً ليس مع الأعداء فحسب بل مع الأصدقاء أيضاً ” . ويذكر أن غوركي علّق على هذه الرسالة عام (1917) مرحّباً بالفلاح قائلاً : ” إنه انسان يشعر بكل القوى المنظّمة للحقيقة والذي يحب وهجها المطهّر ” .

وعندما بلغ غوركي الثامنة والستين من العمر أصيب باحتقان الرئتين وتوفي على إثر هذه الإصابة . فلو سمع في قبره الحضور من المركز الموحد لليمينيين والتروتسكيين لكرر جملته : ” إنني أمقت الحقيقة ” . ويؤكد المركز من جانبه العلاقة بين ستالين وغوركي بحيث يستحيل الفصل بينهما لذلك قرر ستالين تصفية غوركي حسب باعتقاد اياغودا في فيسينسكي .

أما حسب وجهة نظر بوخارين فإن الجناح التروتسكي اقترح تنظيم حملة عدائية ضد غوركي . أما رأي البروفسور ليفين (أحد أطباء غوركي) فإنه يؤكد أن غوركي أعطي دواءً معيناً وبجرعات مكثفة . وبعد وفاة غوركي حوكم ثمانية عشر شخصاً بالإعدام باعتبارهم قتلة غوركي ونفّذ فيهم حكم الإعدام فوراً في بوخارين واياغودا والبروفسور ليفين وريكوف …الخ

ومن جهة أخرى أكد البروفسور بليتنيف أحد الناجين لغولاك عام (1948) أن غوركي أغتيل على يد اياغودا بأمر من ستالين ، إذ يبدو أن ستالين يعتقد أن غوركي لم يمقت الحقيقة بدرجة كافية وهذا ربما يؤدي إلى إفشاء الأسرار .

أين الحقيقة ؟ يستنتج المتشكك تروا : ان موت أكبر كاتب سوفيتي أصبح إدعاءً لا مثيل له لستالين للتخلص من خصومه علماً أن غوركي البسيط والعنيد والمخلص استمر طوال حياته في خدمته للنظام في روسيا .

تعليقات الفيسبوك

3 تعليقات

اترك تعليقاً

‫شاهد أيضًا‬

قراءة نقدية لرواية خرائط

بقلم: فائز حسن   عن الكاتب: نور الدين فارح كاتب وروائي صومالي يكتب بالإنجليزية ولد في…