FB_IMG_1475804085692

(1)

      بمحض المصادفة، إكتشف صديقي مامدوت أن أحد أصدقائه في فيسبوك مصابٌ بالجرب. هذا الاكتشاف لم يكن أكثر من اكتشافه أن فيسبوك أضاف تحديثاً آخر في قسم التفاعل، حيث يمكن للمرء الآن وضع شكل القلب، أو وجهاً ضاحكاً، بدل الإبهام اليتيم والوحيد. وظنّ أن شيئاً بهذه العادية ما كان ليردعه من النشر؛ فدفع بمنشور من تلك التي تعجب أصدقاءه، ولا داعي أن تعجبه شخصياً، طالما تدر له الإعجابات والتعليقات، وبالتالي الشهرة – هكذا فكر -. وكما توقّع تماماً، حصد المنشور عشرين إعجاباً، وأربعة تعليقات، في أول خمس دقائق. من بين التعليقات كان تعليق الجربان، الأكثر حصداً للإعجابات والردود، كان تعليقاً ذكياً، يمدح المنشور وينتقده، يُثني على الكاتب، ويبيّن طرقاً أفضل لمعالجة الحالة المناقَشة من خلال إحالات لنصوص مشابهة، أعجبني التعليق بصورة خاصة. بالنسبة لمامدوت كان الأمر مختلفاً، لم أفهم حينها لماذا يحدِّق في التعليق بكل تلك الريبيَّة والهلع المتصاعدين!.

      أمضى مامدوت حوالي عشر دقائق متبلِّداً، ودون ملامح واضحة. مصوباً عينيه على نقطةٍ بعينها على شاشة (النوت فور)، حيث تعليق الجربان، المستمر في حصد الإعجابات والردود الفرعية. ذكره أربعة أصدقاء في التعليقات، يرى الإشعار يتدلَّى من أعلى الشاشة ويختفي، يليه إشعارٌ آخر، يتلاشى، ومامدوت عاجز متسمِّر النظر. في يده الهاتف، في وجهه عاصفةٌ تأتلِف بتؤدة، وفي عينيه سؤال: ماذا يفعل مع هذا التعليق؟!. خطَرَ له حذف التعليق، لكنه وأدَ الفكرة فوراً، يعرف تماماً أن الحذف يعني لمس التعليق، وهو لا يرغب أن يكون أجرباً، ناهيك عن أجرب فيسبوكي!. وربما لذات السبب تهيَّب الإعجاب أو الرد. لكن حذف المنشور قد ينطوي على مخاطر أقل، و”أقل” هذه لها وقع مريح في نفسه هذه اللحظة.

      بعد لحظات، وإثر وعي مفاجئ وصادم، أغلق مامدوت تطبيق فيسبوك. ليس فقط لأنه خشي أن يكون مجرد التحديق سبباً كافياً للعدوى، لكن وفقاً لحدسه، فإن وجوده في موقع فيسبوك، في هذا الوقت، ليس قراراً حكيماً. وحتى بعد هذا الإجراء الاحترازي لم يشعر بالاطمئنان. حذف الإشعارات من أعلى الشاشة، ومنعاً لظهور إشعارات جديدة، عطَّل اتصال البيانات. قام بتنظيف “الكاش ميموري” في ملفات تطبيق فيسبوك، ثم مسح معلومات التطبيق، وألغى تثبيته، ثم حذف ذاكرة الرام، وكل الملفات ذات الصلة في مدير الملفات، وأعاد تشغيل الهاتف. ظلَّ يحدّق على الشاشة بترقُّب وانتباه يقظ.

(2)

      – تبدو وكأن أحدهم ضغط هموم الدنيا في ملف واحد، وزرعها في عقلك!، ما بك يا زول؟

      – حقاً؟! هل أبدو بهذا السوء؟!

      – لماذا حذفت النص؟ لقد كان تجلياً، انقطع عن بوستاتك منذ زمن!

      – لا تشغل بالك بهذا. دعني أسألك، هل سمعت بعدوى الجرب تنتقل عبر فيسبوك؟

      – إما أنني لم أسمعك جيداً، أو أن لوثةً أصابت عقلك!

      – يا شيخنا أنا جاد. طيب .. امممم، هل إذا كان بيننا أصدقاء مشتركين كثر يزيد ذلك من احتمالية الإصابة؟، ماذا إن تهوَّر الجربان وقام بمشاركة المنشور؟، عندها سأكون أنا، هذا الشخص الذي أمامك، بكل كياني العضوي والماورائي، في معقل الجرب، في صفحة الجربان. أتفهم ما أقول؟، سيُقضى عليّ حينها!، سيعزلني الناس، سيحذفون تعليقاتي تجنباً للعدوى. سيظن الجميع أنني لا أستحم، وكفى بهذا حرجاً!. سيلغي أصدقائي وصديقاتي كل المقابلات التي أؤجلها منذ عامين، أو يزيد. ستبور أمنياتهم بلقائي، ولن تبور وحدها بالتأكيد. انتهى أمري!

      – …

     – أقول لك شيئاً، ربما كان من الأفضل أن تكون تحديثات فيسبوك في الاتجاه المعاكس، أعني بدل إضافة خصائص وخيارات جديدة يحذفون تلك القديمة، أي يحذفون قسم التفاعل بأكمله، لا إعجاب ولا تعليق، وسأتخلى حتى عن اقتراحي بأن يكون هناك زر وحيد، مضمونه “قرأتُ هذا”. هكذا يتخلص الناس، وأنا أولهم، من هذا القلق والضياع الغير مبررين.

      – …

      – لماذا تجمّد وجهك كأنه في اسكرين شــ…! لحظة، هل يُعقل أن يكون الجربان قد التقط النص وحبسه في “اسكرين شوت”؟!، هذا يعني أنه ليس أمامي حل غير سرقة هاتفه، أو قتل هذا الوغد!

      – …!!!

      ثمَّة شيء جمعني بهذا الرجل، ولا أعرف من الذي يتحدث الآن. ما يحدث أشبه بمقابلة تجمع ستيوي قريفن بعمر ابن الخطاب، لا يتشاركان أي شيء، ولا حتى كونهم بشرا.

(3)

      عندما دخل إلى الصيدلية يحمل هاتفه الذكي بقرف بين أطراف أصابعه، بدا أن في رأسه عيني مجرمٍ أنجز جريمة القتل الأولى للتو؛ نسي أزرار قميصه مفتَّحة، وزمام بنطلونه أيضاً، يده اليمنى تعد النقود، بينما هي داخل الجيب الخلفي، مع رعشة خفيفة، لكنها ظاهرة للناظر، ومع عدم التركيز هذا، كان يتعثر بكل شيء أمامه، ويشمل ذلك قدمه الأخرى المتقدمة. تنحَّت الفتاة من خلف الكاونتر، وأشارت لمديرها نحو الزبون غريب الأطوار. جلسَت في أقصى ركن من الصيدلية، ابتعدت بجسدها لكن عيناها لم تطاوعاها. وجدت الفتاة نفسها مجبرة على التحديق بريبة نحو الرجل. حتى مدير الصيدلية كان مرتاباً ومتوجساً. وقف على مسافة آمنة، وسأل مامدوت عن طلباته، ثم بدأ مامدوت يُملي عليه دون الانتباه لكل ذلك: (أربعة أزواج قفازات طبية، فتيل ديتول، لفة قطن وشاش، أربعة كمامات معقمة للأنف، ولاب كوت طويل الأكمام، بحيث يغطي القفازات، غطاء رأس معقم ضد الجراثيم، وشريط واحد من أقوى مضاد حيوي متوفر في الصيدلية).

     جلب الصيدلاني الطلبات، وضبَّها في كيس كبير، ثم أعدَّ الفاتورة وقدّمها بين يدي مامدوت. لم ينطق بكلمة واحدة، ولم يسأل مامدوت أكثر. هذا كل ما يحتاج. لكن عندما قرأ المبلغ، أدرك أنه مفلس تقريباً، أخرج كل ما يملك ووضعه على الكاونتر أمام الصيدلاني. نظر إليه الصيدلاني، وأعاد مامدوت النظرة، نظرة أخرى استفهامية من الصيدلاني، وأخرى يائسة من مامدوت. “لا عليك يا سيدي، سيكون بيننا تعاون مستقبلي، دع بقية المبلغ علينا، ونرجو زيارتك مرّة أخرى. أتمنى لك يوماً طيباً”. كان بإمكانه الاستعانة بصديق، يدخل حسابه بدلاً عنه، ويتخلص من الأجرب، وفي هذه اللحظة بالذات، كره طبيعته مفرطة الحساسية، لكنها من ناحية أخرى، عزاء مريح لما حدث في الصيدلية من إحراج.

      بعد أن وضع كل الأردية الواقية والمعقمة، والقفازات، وكمام الأنف، طمس مامدوت قطعة من القطن في الديتول، ومسح على ظاهر الهاتف الذكي، لم يُغفِل أي منطقة، حتى فتحة السماعة والشحن وثقب المايك المختبئ قرب الركن السفلي. كان يعرف أن الهاتف ليس عازلاً للماء، لذلك كان حذراً ودقيقاً. وضعه تحت أشعة الشمس حتى يجف. فهو يظن أن الشمس لها قدرة على تطهير الجراثيم أيضاً، وهو بلا شك محتاج لكل مطهِّرٍ يمكن الحصول عليه الآن. تذكَّر نصيحة طبية قديمة تقول أن التهوية الجيدة نوع من الوقاية ضد الجراثيم، فانتقل إلى ممر بين غرفتين يأتيه الهواء من كل جانب. سحب “تربيزة” إلى وسط الممر، أحضر المواد اللازمة، تحصّن، ووضع الهاتف على الطاولة، شغله، ثم ضغط على تطبيق فيسبوك، أخّر متعمداً تفعيل بينات الاتصال تجنباً لأي إشعار مشبوه، فتح الصفحة الشخصية، انتقل إلى الخيارات، ومنها إلى حَذْفْ المنشور

      – هل أنت متأكِّد؟

      – نعم

      ثم، قائمة الأصدقاء .. الأجرب الفيسبوكي .. هاهو ذا اللعين .. إلغاء الصداقة .. لا لا .. حظر ..

      – هل أنت متأكِّد؟

      – نعم

      – تمت إضافته إلى قائمة المحظورين.

      – ماذا؟ هل سيكون موجوداً في قائمة الحظر خاصتي؟، هل يشمل الحظر الجرب؟!، ما فائدة الحظر إذن!!، لا لا .. هذا لا يُعقل. لابد من حذفه من قائمة الحظر، وهذا يعني إمكانية رؤية منشورات الأجرب أو تعليقاته، الأسوأ من ذلك، ربما يرسل هذا اللعين طلب صداقة، ظاناً بأن خطأ قد حدث!، ما هذه الورطة!، لماذا قبلتُ صداقته في البداية؟، هل أرسل هو الطلب أم أنا؟، ومتى كان ذلك؟، أكان مصاباً بالجرب حينها؟، هذا يؤكِّد أن الإنسان لا يولد أجرباً، هه، اكتشافٌ مذهل!، هل أصابك الخرس الآن أيها الموقع الغبي!، لماذا لا تجيب؟!.

      بدا له أن الحل الوحيد هو حذف حسابه في فيسبوك نهائياً، دون خيار العودة مرة أخرى، طالما يوجد الأجرب الفيسبوكي في الفضاء الأزرق. إما إنهاء وجوده الإسفيري، أو إنهاء وجود الأجرب الواقعي!.

(4)

      عندما ظهر إشعار بأن أحدهم علَّق على منشورٍ له، كان مامدوت ما زال يحدِّق في الصفحة الرئيسية، كأنما يودّع حسابه للأبد بنظراتٍ ملتاعة. انقطع حبل أفكاره، فلم ينتبه لصاحب التعليق، بل فتح الإشعار وضغط عليه دون ملاحظة الاسم حتى. عندما فتح البوست، وبمحض الصدفة، وجد تعليق الأجرب في انتظاره، في منشور عمره خمس دقائق، أعجب عشرين شخصاً، وحصد أربعة تعليقات برز منها تعليق الأجرب. إنه منشور مامدوت الذي هو متأكد من حذفه الآن أكثر من تأكّده مما يرى. أمضى مامدوت حوالي عشر دقائق متبلِّداَ، ثم فقد ملامح وجهه.

تعليقات الفيسبوك

‫شاهد أيضًا‬

موراكامي، وكيج، ولا أحد | المسمار الأخير فوق نعش التأويل

جون كيج وصَلاتُه الصامتة: https://youtu.be/JTEFKFiXSx4 يقرأ الجمهور الإعلان ويعرف تفاصيل ا…