زار

بقلم: مها الرشيد

ارهيت..

أرهيت تعالي أيتها البنت تعالي..

لم تستطع قدماها أن تحتملا وطأة الجمر الذي تحتهما، ولم تقو أيضاً على رفعهما.

دمعت عينا الأم وهي ترى ابنتها؛ أم الصغار، وهي تحترق على جمرها.

النساء ربتن برفق على أمها… فربما يخرج خوفا من حرقة الجمر الذي تقف عليه..

نادت (أدي كبديش).

وطالبته بالنزول حتى يطلب مطالبه ويعفو عنها.

صرخت (أرهيت)..

ساد المكان صمت مهيب.

تساءلت النسوة: من هو؟

ردت (أدي كبديش): إنه أبونا العظيم (أبي قلوم).

طأطأت النساء رؤوسهن خوفاً ورعباً… أحضروا (الدين والكربي) وطبق الليمون ونصف فخدة خروف ذُبح حديثاً؛ ما زالت روحه ترتجف في الفخدة..

كرن مدينة هادئة، نقية الهواء، باردة الجو صباحاً، ودافئة ليلاً.. جهزت والدتها كل ما تحتاجه الرحلة في الطريق، فالمسافة من هنا إلى بارنتو غير قصيرة.

ركبت في مقدمة العربة البوكس وأجلستها بجانبها، كانت هادئة وساكنة، شاردة الذهن، عيناها ممتلئتان بحكاوى كثيرة. تأكدت الأم من وجود الحيوانات المعده للذبح في مؤخرة البوكس؛ الخروف، الديك الأحمر، الديك الأبيض، الديك الكبسمة.. تحركت العربة.

أرقدت الأم ابنتها أم الصغار في كتفها وسافرتا. حاولت أمها إعطاءها بعض (الحن باشا)، رفضت الابنة.

لم يكن منزل (مبراد سيوم) في بارنتو مخفي عن الكثيرين فالكل يعلم من هي.

(بيت القانده) (مبراد سيوم)؛ امرأة في أواخر الخمسين، امرأة قوية يهابها الكثيرون، فهي صاحبة (القانده)، وهن كثر في بارنتو، ولكن مبراد تمتاز عنهن بأنها أكبر امرأة (للقانده) في بارنتو، فهي الوحيدة التي تملك حق إنزال ملوك الزار من كبر منهم ومن صغر، أما صاحبات (القانده) الأخريات فلم يكن لهن هذه الخاصية أو هذا الأمتياز. يقال إن جدها (هيلا سلاسي..)، وقد كان يمتلك مقدرات خارقة غير حكمه إثيوبيا، وعند سقوط النظام هنالك.. هربت الحفيدة إلى أطراف إرتيريا خوفاً من الثوار الجدد الذين كانوا يهابون كل سلالة (هيلا سلاسي.) مبراد امرأة مسالمة، رغم قوتها التي يعلمها الجميع ويهابها الجميع.

رحب بها أهل بارنتو، لأن في قمة الجبل تقام مراسم تعميد الشخص ليكون (قانده)، وقد رأوا في لجوء مبراد إلى بارنتو شرف.. امتازت به بارنتو واعتراف بخصوصيتها.

توقفت العربة في مقدمة الجبل، نزلت الأم وانزلت معها الابنة، حضر من تولى أمر الحيوانات، نبهت الأم إلى ديك القبسمة، فقد وجد بصعوبة وبدونه لا تكون الأشياء.. لم يكن الطلوع إلى الجبل أقسى ما تعانيه الابنة وأمها القلقة.

بارنتو…

مدينة السحر والسحرة، مدينة ضبابية، فهي ساحرة في جمالها الخفي وخجلة، كلما تجولت في شوارعها كلما اكتشفت جمالاً خجلاً تخفيه هذه المدينة في داخلها وكأنها تخبئه لزمن ما أو كأنها تخاف الإفصاح عنه؛ خوفاً من الغرباء. النساء والرجال يرتدون القليل من الملابس، يخفي السكسك أغلب مفاتن النساء.. هنالك في لحظة ما لا تدري أين أنت، هل هي مدينة أم صفحة من صفحات العالم الآخر، إنها بارنتو؛ سمراء أسمرا.

رحب أهالي الجبل بالأم والابنة المريضة.

ظهرت ملامح بيت مبراد وذلك من من رائحة (الجاولي) (والكربي) التي تناديك من بداية الطريق.

وقفوا على باب المنزل، حضرت (ادي كبديش)، وهي امرأة مسنة يقال إنها وهبت نفسها لخدمة بيت (القانده) بعد أن عالجتها مبراد سيوم. رحبت بالأم والابنة.

أجلست الأم وأدخلت الابنة إلى غرفة صغيرة بها جردل فيه ماء دافئ وبعض الأعشاب، وفي منتصف الغرفة طشت كبير. حضرت فتاتان بارنتويتان صغيرتا السن وإن كانت ملامح الجمال الإفريقي قد بدأت في الظهور على نهودهما ومؤخرتيهما اللتين غطيتا بالسكسك.

خلعوا عن الابنة ملابسها بكل رفق، أوقفت في الطشت واحضروا جردل الماء الدافئ وبه بعض الليمون المقطع إلى شرايح (وورد مريم ) و(شنفا).. صبوا الماء ساخناً في أطراف رأسها، أصابتها رعشة من نزول الماء على جسدها النحيل ودخول بعض هواء الجبل البارد.

ألبساها فستان (زورية) أبيض بحواف ملونة بالأحمر والأصفر والأخضر، شق شعرها إلى نصفين ووضع بعض (الادس) المسحون على مفرقة شعرها.. دخلت الغرفة حافية إلا من ألمها، كانت الغرفة هادئة معبقة برائحة البخور. الأرضية مفروشة بالعشب وقد غطى كل الغرفة، هنالك على جانب باب الغرفة عدة قهوة وقد رصت بعناية فائقة، وتجلس إحدى بنات بارنتو وقد غطت شعرها وهي تصنع القهوة بهدوء لا ينافسها عليه أحد.. هنالك على الأرضية طبقان من الزعف ملئا (بالعنب بابا ) والفواكة والحلوى. ومبخران على حافة الباب، يخرج من كل واحد رائحة بخور مختلفة عن الآخر.. الرهبة ورائحة (الكربي ) هما سيدا الموقف في هذا الغرفة. أجلست ارهيت على فرشة مصنوعة من الجلد الخالص لجلد النمر وعلى رقبتها وضع سوط كبير مصنوع من الجلد أيضًا وفي أحد أطرافه أجراس صغيرة صنعت من الفضة.

بدأت فتاة القهوة في قلي البن، لم تكن تسمع في الغرفة سوى طقطت البن على الجمر والجمر على قلب ارهيت الابنة.

مع بداية مراسم القهوة أمرت مبراد بذبح الدجاج ابتداء بديك القبسمة، ثم الأحمر والأبيض. رش الدم على حواف باب الغرفة ووضعت بعض نقاط الدم على رأسها؛ رأس الابنة.

ثم وضع الديك بجانب المبخر، وحضرت من أخذته برفق وكأنه ما يزال حياً.

في هذا الوقت كانت مراسم القهوة قد بدأت، صبت القهوة أولاً في فنجان واحد ثم مررت على كل الفناجين الموجودة في التربيزة حتى وصلوا إلى آخر فنجان عندها صبت ما تبقى بجانب المبخر، ثم بدأت من جديد في صب القهوة بدون سكر .

مع بداية صب الفنجان الأول كان النهار قد انتصف فوضعوا مزيداً من (الكربي) في المبخر عندها صرخت (مبراد سيوم ) صرخة يعرفها أهل الجبل جيداً؛ لقد حضر، بكل عنفوانه وجبروته وقوته ورهبته، التي يعرفها أهل الجبل جيداً، لا تصدر هذه الصرخة من (مبراد سيوم ) وفي منتصف النهار إلا عند حضوره.

إنه أبونا (أبي قلوم).

طأطأت النساء رؤوسهن خوفاً وخجلاً وتواضعاً ورهبة، ففي حضوره تنزوي النفوس التي تكون قد ملئت بالشر؛ ذلك الشر الإنساني الذي نخبئه في طيات نفوسنا البشرية؛ الشر الذي نخفيه حتى من أنفسنا ومِن مَن حولنا.

ازداد عبق الغرفة بحضوره.

رجفت، رجفت كل من أخطأت في حقه، ودمعت عينا الأم وانتفض جسد الابنة بصورة حيوية اختلفت عن كل نساء الغرفة، وكأن روحه قد نزلت بها أو كأنه نزل في جسدها فقط.

بدأت مراسم الترحيب به؛ صب مزيد من (الكربي) في المبخر ووضعت فخدة الخروف والتي ما زالت الروح ترجف فيها في منتصف الغرفة، شق قلب الليمونة إلى نصفين مضغتهما (مبراد) وتجشأت.

فتحت الابنة عيناها وكأنها استيقظت من نوم عميق.. وابتسمت. رحبت به (ادي كبديش)، زغردت النساء، تحرك الجرس في رقبة الابنة، مصدراً صوتاً حنيناً وخافتاً وتحدث، تحدث برفق وقوة؛ قوة تعلمها نساء الغرفة جيداً، رحب بهن.

ردت الأم التحية وتكومت في أرض الغرفة باكية تشكو أمر ابنتها له.

مريضة، هي مريضة بعشق ما، وهي أم لصغار ما زالوا زغباً.. عند الغروب تغادر الروح ابنتي لتأتي صباحاً، نجدها جثة هامدة لا روح فيها ولا حركة، يعافها زوجها، ويخافها أبناؤها.

لتأتي صباحاً بكل هدوء غير مدركة غيابها الليلي، نساء الغرفة رفعنها، وقالوا لها: هو يعلم أكثر مما تحكي. وضع مزيداً من الكربي في المبخر.

كشفت مبراد عن أسنان لامعة بيضاء تنم عن ابتسامة خفية لأبونا (أبي قلوم)، نظرت إلى الابنة ازددات ابتسامتها كبراً.. فتحت الابنة عيناها ببريق خافت.

كانت مبراد تنظر نظرات ثاقبة إلى الابنة المكلومة. كان خيط الدخان الخارج من فتحات باب الغرفة الصغيرة يمر بوجه الابنة مستقيماً واضحاً لا شيء يقطعه سوى نظرات (مبراد سيوم ) و(روح قلوم).

قالت الأم: أريدها ان تعود إلى بيتها، أعلم أنها لعنتي ما تطارد ابنتي، فعندما ولدتها لم أعط (للاولياء) حقهم فيها، فعلمت أنهم سيأخذون روحها عقاباً لي، ظننت أن بالزواج والأطفال ستستقر روحها في جسدها.. ولم يكن ذلك، لم يكن ذلك.

صرخت (مبراد ) وقد بدأ صوت (قلوم) يخرج منها… لقد طارت روحها وعودتها تعني أن تدفن في جسدها وما أقسى الدفن في الجسد. قالت أمها: أريدها أن تعود ولو جسداً فقط.

تكاثف البخور خارجاً من من فتحات باب الغرفة.. زمجر (قلوم) بصوته الغاضب، طأطأت الابنة رأسها وكانت نظراتها تلتقط حبات (العنب بابا) من على الأرض.

صبت القهوة.

نساء الغرفة شربنها بخوف؛ فـ(قلوم) غاضب. بكت أم البنت لطلبها القاسي. صب المزيد من الكربي.. في المبخر.

… الآن البركة…

البركة في الثالثة… انتفض (قلوم) واقفاً تناول خنجراً معلقاً على الحائط وقطع قطعة من فخدة الخروف ومضغها… بلعها. وقال بصوته الذي يعرفه أهل الجبل وهو يتحدث إلى ارهيت الابنة:

(نانونانو نايي ).

ردت الابنة بصوت كان عميقاً لا يشبه صوت ارهيت في شيء:

إنني أعشقها.

قال (قلوم): لست لك؟

رد الصوت الذي لا يشبه صوت ارهيت في شيء:

إن تركتني تركتها.

قال(قلوم): تعرف إنها لا تستطع فقد خلقت روحكما معاً.

رد الصوت الذي لا يشبه صوت ارهيت في شيء:

هي خلقت مني.. وهي من تستطع تركي ولست أنا..

قال (قلوم ): لها أطفال..

ردالصوت الذي لا يشبه صوت ارهيت في شيء:

أطفالها من روحها وروحها مني…

قال (قلوم ) وقد مضغ كثيراً من الليمون: لمَ اخترتها وهي أم لصغار..؟

رد الصوت الذي لا يشبه صوت ارهيت في شيء:

لم يكن خياري ولا خيارها… أنت تعرف إنني هائم على وجهي منذ الخلق في الجبال والبحار… أبحث عن روحي في الأرض.. ذات قمر مكتمل وجدتها…

كان صباحاً لجمعة جميلة… كان الصباح بارداً؛ تلك البرودة التي تدغدغ القلب، ولم أكن قد نمت بفعل اكتمال القمر……….

وكانت مكتملة بحسنها الجميل..

عندما سألتها أجابتني: بحب.. سألتها عن برودة تلك الجمعة الجميلة وكانت دافئة في إجابتها، فلم تهابني كما تهابني كل نساء الأرض وكما أهاب نفسي، هي عرفتني قبل أن أعرفها.. تحدثت معي برفق؛ ذلك الرفق الذي يحمل مودة عالية في داخله حتى خفت منه ومنها..

فكيف لي أن أوقف هذا السائل مني لها…؟

ليس ذنبها اكتمال القمر في جمعتها، ليس ذنبها…

هدأت وطأت البخور في الغرفة… اختلط عرق نساء الغرفة بدمعهم.

جلس (قلوم) في بنبر وضع في منتصف الغرفة. ناولته (ادي كبديش) بعض الكربي، ووضعت بعضه في المبخر.

أجلست ارهيت على ركبتيها..

بكت الأم، بكت نساء الغرفة، بكت ارهيت

وتحدثت بصوت يشبه صوتها قالت: كان جميلاً حين جاءني.. كان جميلاً حين مسني، كان جميلاً.. كان جميلاً.

ولكن أرهقني..

أرهقني وأنا أحمله وحدي؛ فارهاً… فاراً… وفارداً في جسدي المنهك أجنحته.

في ذلك الصباح – الجمعة – وجدته تحت أجفني، وكأنني أعرفه، وكأنه مني. عندما أغمضت جفني وجدته داخلاً إلى نفسي، تسلل إلى ذوائب روحي بعمق جميل.. لم يؤلمني كما آلمته.

وهو بعيد عن روحها.. على الهواء كتب: (هنا مقبرة الذي لا ينساك). قالوا الذي على الهواء نقش على ماء… قلت: إنني أحبه.

أبحث عن ملاذ وكلمتين..

يصمت؛ تصمت البحار معه.. الأشجار، الطيور، تصمت الريح، ويصمت الكون.

إنه الروح التي كنت أفتقد.. كيف لي أن أوقفه.. أوقف هذا السائل بيننا.

رد (قلوم) بصوت يشبه صوت (مبراد سيوم): هل تريدين إخراجه منك؟

قالت ارهيت وقد صار صوتها صوتها:

لا تفعل ولا تفعلوا… فقط أعطوها له… اعطوها له… ليس كل الأجساد التي حولنا بها أرواح؛ هنالك مئات الأجساد بلا روح، وسأكون كما كنت.. فكم هي الروح مثقلة في الجسد عندما تكون فارهة فيه وقد كان ذلك…

فذات صباح جمعة ليست حزينة فاجأني؛ ثقب نافذة صباحي ودخل… ثم تمدد… تمدد..

ليس لي خيار..

كيف نسميه أو ماذا نسميه؟

الصغار يلعبون.. الأرض تُزرع.. الجبال ترتفع.. الجنود يقتلون.. الحروب تنطفئ ثم تثور.. النساء النساء الرجال الرجال.. الباعة المتجولون.. الذاهبون… الحاضرون… الغائبون.. الثائرون.. العاشقون.. الشحاذون.. الفنانون… المخنثون.. الرؤساء.. المتخاذلون.. المذبحون.. الذابحون.. العاديات.. العاديون.. كلها تصير غير ذلك… كلها تصير غير ذلك.

قارب النهار على اكتماله.. أمرت (مبراد) بوضع مزيدٍ من البخور وقد ضاع صوتها في صوت (قلوم)،

عبقت الغرفة بدخان كثيف لا ترى فيه سوى نظرات خائفة..

وقفت (مبراد في منتصف الغرفة) وقالت: أنا (قلوم) في هذا اليوم أودع جسد (مبراد) إلى الأبد.. أصاب الهلع نساء الغرفة، فعادة لا يتخلى أصحاب القانده عن جسد من ينزلون فيه إلا لأمر واحد؛ إنه خيط الموت..

وضع الجمر في منتصف الغرفة.. وأوقفت عليه..

غنت (مبراد):

(نانو نانو ناي.. ارهيت..

ارهيت.. تعالي يا أيتها البنت تعالي)..

وقفت عليه وهي تريد ذلك.. بكت أمها.. وأرأدت (ارهيت) ذلك.. أن تطلق العنان لروحها.. معه.. خيراً من أن تموت في جسدها.. أياً كان.. كانت له.. وكان لها..

لا تسميه… لا تسميه..

قالت في سرها “أنا لك.. أنا لك… أنا لك..

خيط الموت… يا له من خيط لذيذ”.

ففيه تتقطع الأشياء، يتكسر حاجز الخوف، يتقطع خيط الشوق، الألم.. حتى السعادة تكون باردة، دافئة.. هل جربته؟

إنه خيط رفيع، رقيق، لا يوصف، لا يؤلم بقدر ما يدهش.. تدهشك نجوم حياتك وهي تتقاذف أنوارها أمامك مرة بقوة، ومرة بضعف، تسأل وتضحك، وترى كيف كنت هنا، وهناك.

هنا أحببت.. هنا كرهت.. هنا ضعفت.. هنا قسوت.. ترى أطفال روحك تكبر وتكبر.. وترى الشر صغيراً وتافهاً.. وترى الخير واجباً.. وترى الكره ضعفاً.. ترى أمك، أطفالك.. ترى نفسك حولهم، وترى إجابات كل الأسئلة التي لم تستطع إجابتها.. ترى شوقك لهم وشوقهم إليك وقد صار انهاراً من ماء؛ ماء لا تستطيع وصفه سوى أنه ماء عذب، نقي؛ يبرق.. وترى خيط موتك بينهم، مرناً، ساهلاً، يلفك بكل رفق.

بكت نساء بارنتو وهم يودعن (مبراد سيوم).. أرادت الرجوع. قالت إن خيطها قد بدأ في الالتفاف حولها..

وذهبت..

كرن يا لها من مدينة دافئة ليلاً.. ذلك الدف اللذيذ الذي تحبه. وصل البوكس إلى مشارف المدينة.. وقد بدأ الليل يرمي أستاره على المدينة، كانت الأم صامتة، ممسكة ببقية أشيائها، ترى أبواب المدينة من على البعد وبجانبها (ادي كبديش) فلم يعد لها مكان تذهب إليه بعد ذهاب (مبراد سيوم).

وكانت الفتاة ارهيت مسجية على البوكس في الخلف وهي ملتفة بثوب أبيض ناصع، وكانت باردة تماماً.

كان طقس (أديس أبابا) أكثر برودة من كرن ولم يزد حراراته سوى وصول (مبراد سيوم) إلى قوندر..

يقال إنها تخلت عن بيت القانده بكل إرادتها، أرادت الرجوع رغم ما يعنيه… ويقال إنها بكت تلك الفتاة (ارهيت) لنزعها روح العشق منها.. وبكت خيط موتها بتلك الطريقة..

ما زالت مبراد تغني لها: (نانو نانو ني.. ارهيت.. ارهيت.. تعالى أيتها البنت تعالي..)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ادي: امي

قانده: هي شيخة الزار، ولا يحمل الفرد لقب قانده إلا وفق طقوس عدة.

ابي قلوم: هو أكبر ملوك الزار في الهضبة الحبشية.

حن باشا: اكله مكونه من دقيق وزيت وسكر.

ورد مريم وشنفا: اعشاب طبيعية تستعمل كدواء.

الكربي: وهو المر حجازي.

الدين: وهو الكبريت الاصفر ويستعمل هنالك كبخور.

العنب بابا: الفشار

قبسمة: هو ديك يحمل اللون الاسود والابيض فقط.

تعليقات الفيسبوك

‫شاهد أيضًا‬

قراءة نقدية لرواية خرائط

بقلم: فائز حسن   عن الكاتب: نور الدين فارح كاتب وروائي صومالي يكتب بالإنجليزية ولد في…