ba894895e5a4b909ffbab468e13862f0

غرفة ضيقة رطبة، لها نافذة واحدة تطل على جبل بعيد، جدران قضمتها الرطوبة و عبثت بطلائها الأبيض الباهت، كان يقفان هناك، بينما صوت الصنبور الصدئ يتردد في أرجاء الغرفة، يقذف كل ما في جوفه من ماء على يدين تلطخهما الدماء، أشعل أحد الرجلين الواقفين من بعيد سيجارة، ثم نظر نحو الجثة التي تتوسط الغرفة، شعر بالاشمئزاز، ثم هم بركلها بكل قوة، صرخ فيه رفيقه الذي بجانبه “لا داعي لأن تركله فلقد رحل إلى جهنم”، لم يستمع له و ظل يركله لدقيقة حتى أوقفه الرجل الذي يغسل يديه بصرخة واحدة، كان منزعجًا من الضجيج الذي يصدره بركلاته، فهو يرغب ببعض من الصمت، تبدو تلك اللحظة أشبه بصلاة مقدسة، لا يسمع فيها إلا صوت الرياح البعيدة، و أزيز الصنبور الصدئ.

رن هاتفه فجأة، ثم خرج من الغرفة بسرعة، بقي الرفيقان وحدهما، واحد يطالع الأفق من النافدة و الأخر يشعر و كأنه يكاد ينفجر من الغضب. لينطق محمد بسؤال يلح عليه:

-ما الذي سنفعله بالجثة؟

– سنحرقها، أو نقطعها و نطعمها للكلاب، أمثاله لا يستحقون الدفن. رد عليه أحمد.

– لا أدري، سنرى ما الذي سيقوله عبد الرحيم.

التفت نحو النافذة، حيث تتراكم الكثير من السحب الرمادية و السوداء في الأفق، الجو قاتم و حزين، بدأ هذا الصمت المختل بأصوات الرياح يلعب بأعصابه، يشعر بفراغ قاتل يتخلل ذاته، لماذا؟ كاد يسأل نفسه، لكنه لم يجرؤ على إتباع ذلك الخيط، هم على صواب، بالتأكيد هم على صواب، حاول أن يطرد كل الأسئلة التي تزعجه، لكن رائحة الدم القوية كانت تمنعه من أن يقاوم الهلع الذي يجتاحه ببطء، بعد لحظات رأى صاحبه يحمل السكين الذي قتل به ذلك الرجل ثم انهال على الجثة بالطعن، كان يخالطه الجنون بلا شك، لقد فقد عقله بالتأكيد، لقد مات الرجل، فما الذي يرغب به أحمد غير ما وقع، لطالما كان عبد الرحيم الأكثر اتزانًا بيننا كما لم يشعر بأي غضاضة في أن ننفد العقوبة التي نراها مناسبة على هذا الكافر، ربيع كان اسمه، صديق طفولة أحمد، لكنه مختلف عنا نحن الثلاثة، لقد ضل الطريق و اتبع هواه و كان مصيره هو مصير كل مرتد، الموت.

                                                                   
*****

في صبيحة يوم الاثنين رن هاتف ربيع، كان بساحة الجامعة بعد خروجه من محاضرة، تفاجأ حين سمع صوت عبد الرحيم على الجانب الأخر، يتذكر بوضوح كيف شب بينهما شجار عنيف و كيف أن أحمد صديق طفولته كسر جيتاره بعد أن تناقشوا في أمور دينية بشأن الموسيقى، لكنه دائمًا ما كان يظن أن أحمد يمر بأزمة ما و أنه سيعود إلى صوابه لا محالة، هو يعرفه حق المعرفة، لم يكن متعصبًا و متشنجًا، ربما هي الحياة بألاعيبها دفعته لاعتناق أفكار متطرفة، لكنه يبقى صديقه، صاحب القلب الصافي. بعد أن تبادل مع عبد الرحيم التحية و تبادل الأخبار، أخبره بأن صديقه أحمد يعاني الأمرين، و قد حبس نفسه في منزل خارج المدينة، منزل مكون من غرفة واحدة بنافذة، ثم حكى له أنه اعتزل الناس و حتى الطعام و أنه خائف عليه من أن يموت على هذا المنوال، مرت على خاطره ذكريات قديمة معه، ثم سأله ربيع عن مكانه بالتحديد، لم يتأخر عبد الرحيم عن إخباره لكنه اقترح عليه أن يذهب برفقته.

بعد ثلاث ساعات، كان ربيع برفقة عبد الرحيم و شخص أخر اسمه محمد أمام بيت أحمد الذي يقع خارج المجال السكني، بيت قروي في الخلاء، ما أثار قلقه هو نظرات المدعو محمد طوال الطريق، كان يقضم مسواكه بعصبية واضحة، هو مثل صديقيه شخص متزمت، لحية و لباس سلفي ذو رائحة سيئة، لكن ما كان يشغل ربيع أكثر من أي شيء أخر هو صديقه الذي حبس نفسه في هذا المكان. بعد أن دق عبد الرحيم الباب سمع صوته متسائلًا عن الطارق فكان عبد الرحيم مجيبًا له ليفتح الباب للجميع، بسرعة دلفوا إلى المكان، الذي يخلو من أي أثاث، نافذة واحدة، و الرطوبة التي شوهت السقف و الجدران، تجول ربيع بعينيه في المكان ثم وقعت عينه على صديقه، كان في لباسه المعتاد، وزنه قد ازداد عن أخر مرة، في تلك اللحظة التي تقاطعت فيها نظراتهما، خفق قلبه بشدة، ليغلق محمد الباب وراءه.

-هل أنت بخير؟ سأل ربيع صديقه

لم يجب هذا الأخير، اكتفى بنظرات ازدراء، نظر ربيع حوله، شعر بما يدور في المكان، رأى ذلك في أعينهم، طأطأ رأسه لدقيقة ثم قال:

-هكذا إذن!

رفع رأسه مبتسمًا نحو صديقه قبل أن يشعر بسكين تخترق ظهره، كان عبد الرحيم المبادر لطعنه من الخلف، لم يتوقف عن ذلك لدقائق حتى تأكد من إزهاق روحه، كانت عيون أحمد متسعة، في حالة من الصدمة و الغضب و التلذذ بنصر صغير. المضطرب الوحيد كان محمد الذي لم يرى مثل ما رآه في تلك اللحظة من قبل، لكنه كان يقنع نفسه بأن الأمر عادي و لا يجب عليه أن يقلق.

بعد أن انتهى عبد الرحيم هم بغسل يديه، ثم لاحقًا خرج ليتلقى اتصالًا هاتفيًا، لم يتمكن أحمد من أن يمنع نفسه من أن يطعن صديقه بالسكين رغم أن هذا الأخير قد فارق الحياة، في تلك اللحظة كان قد خرج عن السيطرة، من الخارج عصفت ريح باردة، عبثت بطاقية محمد لتسقطها على الأرض، حيث توسعة بركة من الدم، تغير لونها بسرعة من الأبيض إلى الأحمر القاني، نظر نحو طاقيته و كأنه ينظر إلى ثعبان، متسمر في مكانه، لا يعلم ما الذي عليه أن يفعله، صوت الطعنات التي يسددها أحمد للجثة كانت ترتفع في أذنيه، حتى أوصلته لحافة الجنون، ليصرخ فيه بأن يتوقف عن ذلك في الحال. توقف أحمد فجأة ثم نظر نحو محمد ليطلق شهقة عالية.

*****

لم يكن صديق طفولته فقط، لقد كان مثله الأعلى، الشخص الذي يحاول أن يتبع خطواته، يحاول على قدر استطاعته أن يلحق به.. بلا فائدة. ربما هي الغيرة، و ربما هي الرغبة في التخلص من مرآة فشله، كان يطعنه بكل قوته، ربما يتخلص بذلك من احتقاره لذاته و شعوره بالدونية، و يشبع رغبة غريبة في الانتقام من العالم، من العدل المختل، من كل الكفار المتفوقين بلا حق. فجأة أمسك بيده، للحظة لم يستوعب ما يجري، حتى سمع صوته، ثم نظراته القاسية تلك: “فشلت حتى في اغتيالي”. توقف للحظة ملأه الذهول، ثم نظر نحو الجثة حيث لم تحرك ساكنًا، نظر إلى جانبه حيث صديقه أحمد، ثم شهق بقوة، كان ربيع واقفًا بابتسامته المعهودة: ” يبدو أنك تفشل في كل شيء، لماذا أنت بهذه الرداءة؟” بدأ يرتجف، بخليط من الخوف و الغضب، نهض، ثم كالثور الهائج هجم عليه، لم يتردد في طعنه مرة و ثانية و ثالثة، حتى شعر بأنه رحل مجددًا، ليسمعه متسائلًا في الباب “ما الذي تفعله؟”

نهض بسرعة و بنفس الاندفاع حاول أن يطعنه مجددًا، لكنه اخفق هذه المرة دفعه بعيدًا ثم بحركة رشيقة عكس قبضته نحو صدره ثم بقوة غرز ذات السكين فيه، كان يشعر بالخوف، بينما يبتسم ربيع في مكر، كان يشعر بغضب غير طبيعي، لكنه انهزم، السكين الباردة اخترقت قلبه المليء بالأحقاد، لتأخذه إلى العالم الأخر.

*****

بعد أن هدأ أحمد بين يديه، تنفس عبد الرحيم الصعداء، لابد و أنه قام بقتل محمد، بالتأكيد لقد فقد عقله بعد أن قُتِل صاحبه، ربما ندم أو شعر بأنه يدين له بشيء، ياله من أحمق، همس لذاته، بعد لحظة اتصل بأحد رفقائه ليعلمهم أنه هناك جثتين إضافيتين، بعد أن أغلق هاتفه، تلاعبت الرياح بباب الغرفة ثم صفقته، كانت النافذة تنفث رياحًا باردة جدًا في الغرفة، شعر عبد الرحيم بتصلب أطرافه، ليس بسبب الجو لكن لأنه صعق مما شاهده، ذراعين تمتدان حول كتفيه، بعد برهة تمكن من أن يميز لأي شخص تنتمي، ليصيبه الفزع، و قبل أن يبدأ في الصراخ عاليًا، التفت الذراعين حول عنقه بشكل أفعواني، تعصر رقبته بقوة كبيرة، لتحطم حنجرته ثم عظام رقبته، شعر بكل كسر، بكل انسحاق لكل جزء من عظامه، طعم الموت مر، كانت تلك أخر فكرة تمر بخاطره قبل أن يغوص في ظلمة أبدية.

نهض ببطء، كان ظهره مليئًا بالطعنات، الدماء لا تزال تسيل من جروح ظهره، لكنه لم يكن يشعر بأي شيء، فتح باب الغرفة، ثم نظر نحو جثث الثلاثة، عصفت رياح قوية بأطراف قميصه الملطخ بالدماء، قبل أن يغادر البيت إلى الخارج، حيث بادرت الأمطار بغسل جروحه و ثوبه المتسخ، نظر ربيع نحو السماء، كانت لحظة انبعاثه من الموت محيرة، لكن الحيرة الكبرى تكمن فيما بعد ذلك.

 

تعليقات الفيسبوك

‫شاهد أيضًا‬

بلاس إنفانتي..أبو القومية الأندلسية

مرت ثمانون سنة على إعدام بلاس إنفانتي، أبو القومية الأندلسية. تم ذلك خارج مدينة اشبيلية في…