10393715_369378916576163_8026469367696143435_n

حفيظ الحاج :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

**

كيرلا ” خيرٌ من الله ” أو ” خيرُ الله ”  هكذا يقول عنها أهلوها وبنوها يا قدر ؛ وللحق في   ذلك هم صادقون .

أكتبُ إليك والدهشة ما تزالُ تملأُ جنباتي مذ أن ترجلت قدماي من القِطار .

 يا للهول ! ؛  هكذا وجدتني أقول حين رأيتُ مدينةً محفورة بطرقاتها داخل غابة ؛ كما أقول لك تماماً فالسيارة التي تنقلني من محطة القطار إلى داخل المدينة ما تزال تتصعد الطرقات وتهبط مذ ساعة والأشجار والسحب تطوقنا من كل جانب ؛ دكتور أسامة الذي إستقبلني عند المحطة تبدو له دهشتي بائنة كلما حدّق إليّ من خلال مرآة سيارته  ؛ فيردد بإبتسام  : هذه كيرلا _ خيرُ اللهِ ” فمرحباً بك ضيفاً عزيزاً بيننا .

أعرفُ بأنه بعد قليل عليّ أن ألقي محاضرة عن لغتنا العربية وجمالها يا قدر ؛ ولكن الريبةُ دائماً ما تجتاحنا في ساعات الصفر ؛ ولكن إيماني بأن الدعوات والصلوات التي يبعثها إلينا الأحبة  دائماً  ما تكون هي زادُ تلك اللحظات .

أن تتحدث اللغة مع ناطق بها أو متعلم لها ؛ الأمرُ يحِدُ من سجيتك وفطرتك في التحدث ؛ يجعل منك رقيبَ كل مفردة تتحدثُ بها ؛ الشيء الذي يجعل منك وكأنك مبتدئ أيضاً .

عند مدخل الجامعة استقبلني رجل سبعيني وضئ الوجه ؛ هادئ القسمات ؛ روحه المطمئنة تعلو بائنة على سطح جسده ؛ صافحني بمحبةِ والد،وتواضع عالم؛ تحدث معي بالعربية بجلال مطلق ؛ مما زاد من ريبتي وخشيتي أيضاً .

أكرموني بالتمرِ يا قدر ؛ هم يعدّون لكل شيء بحسبان دقيق ؛ همس لي السبعيني قائلاً عرفنا بأنك من السودان فأردنا أن نكرمك بثمار أهلك وبلادك ؛ فشاغبته بمحبه قائلاً له : نعم يا أبتي فهذه بِضاعتنا قد رُدَت إلينا .

سارت المحاضرة بسلاسة ساحرة ؛ وجدتني أقول حديثاً ما حضّرتُ له من قبل ؛ و إستدليت بمفرداتٍ ما خطر ببالي مطلقاً أن أقولها ؛ تحدثتُ بأناقةٍ مفرطة وبرّاقة ؛ كانت الابتسامات تتلغفني ريثما وحيثما وقعت عيني ؛ كنتِ أنتِ حاضرة ؛ وكان خيالُ والدي يحيني بابتسام ومحبة ؛ وتوفيقُ الله في الحقيقةِ  هو الذي كان يقف أمام الملأ ويتحدث ؛ لا أنا ؛ فيقيني نحنُ مجرد أدوات يا قدر يستخدمنا الله وِفق نياتنا ؛ فإن أخلصنا النوايا يا قدر وفقنا الله وكنا في أنظارِ الآخرين خيراً ؛ وإن خالطت نوايانا الشوائب فارقنا توفيقُ الله وسقطنا في شرِ أعمالنا .

الهنود يا قدر متواضعون جدا لطلبِ العلم والتعلم لحد الريبة ؛ دكاترة يكن لهم في حصيلتهم المعرفية  عشرات الكتب التي كتبوها وعشرات السنين التي في مجال العلم أفنوها ؛ ومع ذلك تجدهم يسألونك بلطف عن معنى مفردة في لغتكِ العربية ؛أدركتُ ساعتها لماذا نحن نتأخر دائماً بينما هم في المقدمة سائرون.

جميعُ الحضور غمرني بالمحبة طلاباً كانوا أو دكاترة ؛ هندوساً ومسلمين وأبناء المسيح؛ تبادلنا القفشاتِ والأمنيات والصور؛ ” والسِلفي” أيضاً كان لها النصيب الأوفر بيننا ! .

لم يتوقف الأمر هنا؛ بل أمطروني بجولاتٍ سياحية على امتداد مقاطعة كيرلا ؛ فزرنا الساحل وتسلقنا الجبال وتناولنا الدوسة وجبتهم المحلية المفضلة ؛ وكانت المحبة المطلقة هي ” الحلأ ” في آخرِ المطاف.

تناقشتُ  معهم وغصتُ في دواخلهم بقدر المستطاع ؛ عرفتُ كم هم طيبون وبسيطون لحد الدهشة ؛ متسامحون ؛ مدركون لمعنى الحياة بكمال لا زيف فيه ؛ أخبرني أحدهم أنه كان يريد الزواج من إحداهن ولكنها لأنها من طبقة أخرى ؛ غير التي هو فيها ؛ قصمت ظهر بعير أمانيهما هذه الطبقية المقيتة .

دعَوني إلى ديارهم لتناولِ الوجبات ؛ وأن تأتيك دعوة كهذه يا قدر في الهند فذلك لسببين لا ثالث لهما إما أنت محظوظ وإما أنت محظوظ ؛ فوجدتني أقول بسري ياااه لقد هرمت من أجل لحظة كتلك ! .

أمطروني بالهدايا والأمنيات ؛ بادلتهم بالدعوات والمحبة ؛ تمنيتُ لو تطول ساعاتي بينهم ؛ توجهتُ صوب محطة القطار تحسست رواية تشيخوف التي سترافقني على امتداد الطريق فتبسّمت  .

قبل أن اختم عليّ أن أزف إليك البشرى ؛ تعرفين ربطة العنق التي لطالما أرهقتني في ربطها  ؛ اليوم أضحيتُ أربطها وأنا مغمض العينين ؛ فربما كانت هذه من فوائد الأسفار أيضاً ؛ حينما لا تجد أمك وإخوتك بينك لمساعدتك في ربطها ؛ فتحاول وتجتهد فحتماً تتعلم ! .

                      إلى حين رسالة أخرى:

           كوني بعافيةٍ ومحبة كأهلِ خير الله .

                          حفيظ الحاج

                      القطار العائد من كيرلا

تعليقات الفيسبوك

لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً

‫شاهد أيضًا‬

قراءة نقدية لرواية خرائط

بقلم: فائز حسن   عن الكاتب: نور الدين فارح كاتب وروائي صومالي يكتب بالإنجليزية ولد في…