اعترافات

أشار كشف علمي حديث إلى أن الاكتئاب قد يكون بداية لتطور نفسي على طريق إعادة اكتشاف النفس والواقع والأشياء. على ضوء ذلك ترددتُ كثيرًا قبل الربط بين ما كتبت أدناه، وبين ما قرأت في الدراسة محل الذكر. تساءلتُ كثيرًا عن ماهية ما أمر به، وما إن كان حقًا بوابة لإدراك جديد للنفس والواقع والأشخاص والأشياء، أم تجربة موغلة في الفردية تخصني وحدي، ما لا يُعدُ معه عرضها عليكم ذا قيمة تُذكر، بل مضيعة للوقت وانحراف به عما هو أولى به؟ وانتهيت إلى حيرة لا تقل وطأة عن المرحلة! ما دفعني إلى ترك أمر تقرير قيمته لكم. المكتوب أدناه قد يكون ترهات عقل في فورة غضب ويأس، وقد يكون انفلات عن فهم سلبي للوجود والواقع، والولوج إلى آخر أكثر تقبلًا وتطورًا عبر تعرية العقل الباطن. لا يُقدم هذا المقال حلولًا أو قراءات حصرية، لا يدعي يقين ولا يُسهم بعلم، بل يقدم الكثير من الحيرة، والعديد من التساؤلات، والأمل في نفس أفضل وغد آمل أن يكون أكثر إشراقًا بها. وعليه، فقد أشرتُ في متنه في غير موضع إلى شخصي كمركز لتلك التساؤلات و القراءات، لا لتزكيتها، ولكن لتبرئة الآخرين، فربما يكون المكتوب، كما ذكرت أعلاه، ترهات عقل في فورة غضب ويأس.

شُح نفس وتلافيف منطق:

 

** الحد من النزوات والمشاعر الأنانية ليس قيدًا على الحرية إنما هو شرط لازم للتحرر[1]**

أعتقد أن تصوري لنفسي أو لما يجب أن تكون عليه نفسي هو المحرك الرئيسي لردود أفعالي وأفعالي. أتصور كيفية معينة يجب أن يكون عليها الفعل ورد الفعل ما دونها يهدم بنيان أفعالي وردود أفعالي الذي شيده تصوري. هل قولبت نفسي أم حررتها؟! إلام اهتديت؟ وهل هُديت؟ داخلي أنا أشعرُ بها، ربما تقودني وسوساتها. تقودُ تصوري لنفسي نفسي. تحادثكم رغباتي عبر لساني وبياني. أطمح إلى الكمال وأزدري النقص الذي هو أنا. أنشدُ أنا ليست هنا. أُقدسُ القوة واعتقدُ مخطئًا أني أنشد الروح! استسيغُ مديحكم، وأطمحُ إلى تقديركم، ويطربني نقدكم لأنه يجعلني أسد ثغرات أكثر في نفسي فأصيرُ قويًا حصينًا، فأستدرُ المزيد من المديح والتقدير والنقد! تُحادثكم على الدوام رغباتي عبر لساني وبياني، تريدُ حبكم وتقديركم واهتمامكم وإقراركم. أُعاملكم أنتم، وأريدكم أنتم فأكون نتاج خُذلانكم أو تقديركم. أنتم فلكي الذي لا أره، وطموحي الذي أنكره، وأفقي الذي لا أستطيع حتى الآن منه مروقًا. أراكم عبر شح نفسي لا عبر الحب. أجاهد للتخلص من آفاتي وأشعر عبر ثنائكم بإقراركم لي بالأفضلية. أرقبُ في أعينكم الأثر وألسنتكم تلهج بالإقرار لي. أقول أني لا أريد منكم جزاءً ولا شكورًا وفي نفسي تقبعُ رغبتي في الشعور أني أفضل لأني أغنى بنفسي وأصلبَ وحدي؛ أنا أقوى. ولن تلبثوا تفقدونني لأني استغني عنكم وتقرون بأفضليتي. أرى عبر شح نفسي نفسي، والناس، والله. أخشى الفعل ورد الفعل خشيتي على تأثر رصيد القوة التي تمثل بنيان التصور الذي أنتم أفقه. ليس حرصي عليكم كما أزعم، ولكن على نفسي. وحين أحرص عليكم أريد الثواب منكم إقرارًا لي بالأفضلية، فأنتم الفلك. لو كان حرصي عليكم لما أشحت عنكم بوجهي حين أقول ما لا ترضون من القول، ولما إنقدح في عيني رفضكم وراقبت في أعينكم الخجل حين أقول، ولما قنطت وازدريتكم حين تُعرضون عمَّا أقول. اجتهد في الامتناع عن المعاصي ما استطعت لما علمت ما للامتناع من فائدة، ما أزر يقيني فيم لم أعلم، ذلك أن الآمر أثبت جدارته ما استتبع الثقة به رغبة في إقراره بأفضليتي عن الباقين، وكذلك حين يرى المقصرون تقصيرهم ويرون سعيي كذلك بأفضليتي يقرون، فيكون لي سلطان على نفوسهم. هاأنذا قوىٌ كما أردت؛ أأخسرىٌ أنا ضل سعيي أم ضالاً واهتدى؟!

حُجُب المعنى:

كما بين الصوت والصدى، تكون الأفكار صعودًا وهبوطًا.. أحيانًا تكون صدى لحوارنا مع أنفسنا وعنها، وأحيانًا أخرى هي صوتنا الذي نخاطب به من حولنا لنُعلمهم بأفكارنا وآرائنا.[2]

ليس من حقنا صبغ الحياة بمنطقنا عبر تعميم أفكارنا. ليس مسموحًا لنا تعميم الألم أو الخوف أو الضجر أو حتى السعادة والحب، فتلك تجاربنا التي تمخضت عن ظروفنا والتي غالبًا ما لا تتشابه مع أي ظروف أخرى، ما يوقع الآخرين في فخ الاستدلال بما لا يُعمم. الإنسان يُعمم وليس الظروف. ما نفعله هو تعميم ظروفنا لا إنسانيتنا. نرى الواقع من خلف زجاج التجارب الكثيف، وهذا، على مرارته أو سعادته، يخصنا وحدنا، ولكن تعميمه جرم، والصبر عليه فضيلة، واستخلاص المعنى منه تسامٍ عنه، وهذا الأخير هو ما يقبل التعميم.

وكيف السبيل إلى المعنى وفيه فناؤنا؟! تفصلنا عن المعنى الرغبة. يباعد بيننا وبين المعنى الحقيقي معنى مرغوب. التجرد فعل صعب، والتقوى في زمن الرغبة تكاد تكون مستحيلة. يكاد لا يخلو اليوم فكر أو فعل من رغبة؛ عقلية أو حسية أو منهما مُجتمعتين تُبلغُ بها درجات علية مجتمعية أو سلطة روحية. يمرقُ الراغبون من واقع قديم إلى آخر جديد يؤكد الذات ويُعزز يقينها بنفسها عبر الاستئثار بالمزيد والمزيد من السلع والخدمات. لا معنى ولا قناعة خارج الأشياء. بات العلم شيئي والشيء علمي، والإرادة والضمير بين الأشياء وعلومها حائرين أو مُهمشين أو مُعطلين. يحيلني التطور الذي يلغي القديم ويستبدله بالجديد ويستبدل الحديث بالأحدث في أزمة لحاق[3] واضحة بين العلم والحداثة والأمراض إلى ما قال نجيب محفوظ ” لم يُسعفك السحر –العلم- حتى اليوم إلا بأقراص منشطة وقارورة مهلكة !”[4]

على الجانب الآخر، يبحث خارج العلم عن المعنى المهمشون، كلما زاد تهميشهم ازداد تراثهم الذي يباعد بينهم وبين تقبل من يحوزون العلم ويتعلمونه ويثرون به بينما يزدادون هم تهميشًا. العلم كالدين؛ مصدر يأخذ عنه كل ذي وجهة، مجردة كانت أو مُنحازة. بعدها يحدد الآخذ وجهته التي تحددها قناعاته. تراث العلم لا يضعه موضع رفض، فالعلم كالدين له مريدين. المريدون يصنعون تراثهم الذي تحدده قناعاتهم، فإما هراء وإما صلاح. حدثني عن قناعاتك أقل لك ما هي محفزات إرادتك التي تحدد وجهتك وتراثك. إن قلت لي أن قناعتك هي النجاة وحدك -وقد أكون مثلك ولا أدرك، وقد أكون مثلك وأدرك وأنكر- والاستدلال في سبيل ذلك بعقل راغب وقلب ملوث بروث رغباتنا، فقد لا نترك يا أخي إلا تراثًا يهتدي به من هم على شاكلتنا؛ قد تؤدي فعالنا إلى مزيد من الطمر للضمير والتضليل للإرادة.

تراث الحكمة:

ابن عربي حيرة مركزة في حكمة موجزة. صراع بين الأرضي والسماوي. نزاع بين الزمان المحدد الذي يُغلف المجتمع والعقل، وبين رغبة الروح في المطلق. جاء تراثه في شكل مركز وكثيف في انصبابه على التعامل مع الآن إصلاحًا دون الاضطرار إلى رفضه والانعزال عنه أو الانغماس فيه على علاته، وما الواقع إلا وجودنا ونفوسنا الحائرة في الفهم والسير على هدى. ينطلق في معالجته للواقع بمعالجة الأفكار والصراع الدائر في أعماق الحائرين، أو ربما إثارة البوصلة المعطلة في القلوب الغافلة أحيانًا. يؤمن أن الوجود كي يُعتد به لابد أن يكون السير على هدي نحو نقطة. وكي نصل إلى تلك النقطة يُقدم لنا معالجة مركزة للعقل الباطن؛ محفز الأفعال وردود الأفعال وصانع الدوافع. ما يجعل ابن عربي مختلفًا هو إصراره على استخلاص حكمة من وجودنا، وبالتالي معنى يُعتد به دون أن يؤول إلى عقيدة فوق إنسانية تحاول تثبيت الواقع عند نقطة لا يتحرك بعدها. ألجأ إلى حكمته كتراث فكري لإنسان تعامل مع الواقع كنقطة وجود إنساني تراثها يخص أصحابها، ولا يعبر بالضرورة عن معنى حصري للوجود، وتقبله وعاش فيه دون أن يزدريه أو يفقد الأمل فيه. فعُد وجود ابن عربي نقطة تعتدُ بها وترجع إليها النفوس الحائرة والعقول التي أعياها انكفاء البديهيات في واقع تُولد فيه الفكرة في السوقِ بغيًا وتقضي العمر في لفق البكارة.[5]

“فهو هو لهو، لا لكَ، وأنت أنت لأنت، ولهُ.”[6]

ينصحني ابن عربي ألا أشطط في الفهم حتى لا أقع في فخ التأويل. يقول لسان حاله: إن استقامت حياتك واستمتعت بوجودك واطمأننت له فلم العنت في الفهم؟! كيف يمكن أن يفيدك تأويل معنى خبُرته إلا إن كنت تريد أن ترى أنك أفضل لأنك بصرت بما لم يبصروا به؟!

“فبعلمه أوجدك، وبجهلك عبدته.[7]

أوجدك الأعلم بك، الذي لن تحيطه تلافيف عقلك ومنطقك الزماني الضيق. إذا ظننت أنك تعلمه فقد علمت نفسك، وأدركت نقصك وقصورك، فعبدته بادراك كونك نقطة في تسلسل الكون، إضافة متواضعة، لا نهائية. الإنسان فكر وفعل. الفكر والفعل نتاج مُجسم اجتماعي وإطار زمني، فكيف يُحيط المحدود بالمُطلق؟! كيف يكون الوجود إلا نقطة والإضافة هي الامتناع عن الإضافة التي هي منع المحدود عن احتكار الوجود المطلق عبر محاولات إيقاف الزمن عند نقطة تكريس الموروث والاستئثار بالمورد؟!

الجهد المحمود هو صيانة الموجود. ومقاصد الشريعة خمسة ترتيبها “حفظ الدين – حفظ النفس – حفظ العقل – حفظ النسل – حفظ المال.” ولا يكون الحفظ إلا بمنع كل فعل يتعارض مع الحفظ ويكرس الواقع لخدمة نقطة في تسلسل الوجود.

قال الله في القرآن عن الإنسان ( ويدعُ الإنسان بالشر دعاءه بالخير وكان الإنسان عجولًا )[8]

وقديمًا سأل النبي محمدًا[09] الله التقوى والقناعة واستعاذ به من الغفلة والهدم والتردي.

كما انتهى شتاينبك[10] إلى ” فإذا لم يخطو الإنسان خطوته، إذا لم تكن الرغبة في التغيير حية داخله، فلن تسقط القنابل ولن تُقطع الرقاب.”[11]

 

أصوات تتجاذبني:

يبدو لي أحيانًا أن كل حديث عاقل عن الواقع يؤدي بي إما إلى رفضه أو إلى التعايش مع عدميته بعد فهمه. فيرد صوت آملٌ داخلي: هذا إن قرأت الواقع وفهمته بوصفه وعاءً يُشكلك دون فعل أو حتى رد فعل منك يُشكله. أقول كيف والواقعية السياسية تُحفزني على، وتجترني إلى التكيف والتقبل والتقولب. المؤسسية كذلك تصرف نظري إلى المؤسسات كفاعلين غير مرئيين بدون أشخاص محددين مسئولين عن قولبة تفكيري، وانكفاء عقلي، وتنميط حياتي، وجعل واقعي أكثر إيلامًا، وأحلامي أبعد منالًا؟! فيتشتت فهمي ويندر فعلي، وأتيه في دوامات الفكر أو سلبية الفعل عبر تدين يبتعد بالنفس عن صخب الواقع وظلمه، أو عزلة فكرية دون اهتداء إلى فعل! يهمس لي صوت آمل: كل النظريات التي ابتدعها الإنسان لتبرير وتقنين عجزه عن إصلاح واقعه فقدت تأثيرها على العقول. فارقها المسحورون بها، وازدراها الذين ابتدعوها ليبتدعوا غيرها، فلماذا إذن لا نحاول التعامل مع الواقع دون أن تفصل بيننا وبينه رغبة نطوعه ليتمثلها؟! ولماذا حين نفشل بدلا من الإقرار بالخطأ وتصحيحه، نبحث عن وسيلة جديدة نحاول بها تطويع الواقع! في تيه لانهائي وتفتيح أبواب تستدعي لإغلاقها جهودًا سوف تحول رغباتنا-إن لم نُعقلنها- بيننا وبين بذلها.

الثورة، الانتفاضة أو كل فعل يعبر عن رفض واقع مظلم والسعي إلى آخر أفضل، تخبرني أن كل فعل فيه تغريب للحلم واستقطاب للحالمين نحو واقع عيَّنه مستفيدوه، ودار في دوائره المضطرون، لا يُعوَّل عليه. تُشكل الثورة مرجعية الحلم، ويشكل العدل مرجعية التنفيذ والفهم. وقد يدور الواقع دورة عكسية ينقض فيها على الثورة مستفيدون يريدون قنصها لأنفسهم، أو متنكرون لها يريدون وأدها. المزيد من رأس المال في صورة استثمار يوفر فرص عمل يُسكِّن كل سليل طبقة في عمل يناسب طبقته ويُكرس بقاءه فيها، فيزداد العمال ويزداد أصحاب الأعمال والقائمون على الأعمال فيزداد تركز الثروة في أيدي هؤلاء، فيزداد فقر الفقراء واغتراب الأغنياء في أنفسهم وفي السلع والخدمات، فتكون الثورة/الانتفاضة/ الرفض مرة أخرى!

علام أو على من أثور إذن وأرفض؟! على البنك صاحب سياسة إقراض المشروعات الترفيهية رغبة في مردود سريع ومضمون يكرس مركزه الاقتصادي؟! أم على المشروع الترفيهي في صورة شركة يهدف أصحابها إلى الثراء والأمان؟! أم على الإعلام الذي سحر أعيُن الناس؟! أم على القانون الذي أصبحت الحاجة إليه ملحة حينما إزداد إيثارنا لأنفسنا وعدم ثقتنا أو رغبتنا في الآخرين؟! أم على السلطة التي لا تطبق حكم القاضي حين يتحرر في تكوين عقيدته، أو حين ينفذ القانون على غير هواها؟! أم على الدولة التي قررت الانسحاب من ميدان القدوة وترك حياة الناس لطموح رأس المال دون قوانين وتدابير تحمي العدالة الاجتماعية؟! أم على المحام حين ينحرف بالقانون عما شُرع له فيستحيل القانون باليًا قديمًا، فيُشرَّعُ غيره أكثر دقة وحذاقة منه مُحصِّنًا المزيد من المصالح، ومُجرمًا الكثير من الأحلام؟! فيستحيل الواقع سجين النصوص والتفاصيل التي قد يمثل أدنى فعل فطري لنا خرقًا لها! فالانفعالات تريد أن تُشبَع وهي تطور نفسها وغاياتها وفقًا لميولها الطبيعية، ولكن هذا التطور يؤدي إلى ظهور المجتمع البشري وما فيه من نظم وقوانين “تُنظم” هذا الإشباع، وتكون النتيجة أنها “تحد” من هذه الانفعالات، أي أنها تكون ضدها.[12]

مرة أخرى يبدو لي الحديث ساذجًا لأنه يتخطى التحدث عن أباطرة الأعمال والسلطة، ما يُحيله دعوة إلى السلبية والخنوع والاكتفاء بالتحليل والتنظير! إلا أني أطمح أنه –الحديث- بتوجهه إلى الجموع، ومخاطبته لنوازع النفس ومحفزات الفعل ودوافع الفكر يكون قد خاطب المركز دون الأطراف. يتغير كل شيء ويتحور استجابة لتغير النزعة وبالتالي الفعل أو الامتناع عن الفعل. تتهدد المراكز وتستجيب البيروقراطيات لإنسان قرر خلق نفسه من جديد عبر استبدال دوافعه وترقية نوازعه. أستدعي مزيدًا من المنطق: لا أتصور العالم خالٍ من الصراعات ولا أتصوره مدينة فاضلة. الصراعات لن تنتهي والأطماع لن تختفي. ولكن الصراع على بقعة والطمع في مورد يختلف عن الصراع على سوق عبر ترغيب قاطنيه واستقطابهم. لقد نال المال من قدرتنا على التجرد[13]، وأجج داخلنا الرغبة وعطل البوصلة.

أستطرد.. ولأن العقل لا يعود إلى الوراء، والإنسان لا يستطيع تجاهل الحداثة والتقهقر إلى ما قبل أقل تطورًا، فإن إصلاح الفرد ينعكس بالضرورة على المؤسسات التي عبرها تنتظم حياتنا ومصالحنا، لا العكس.. يسخرُ مني صوت داخلي قائلًا: ألا يُعدُ ذلك محاولة لتثبيت الواقع والزمن عند نقطة ؟! موقنًا أقول لا لأني أتحدث هنا عن النقطة التي نعبرها ونعيش فيها، وأدعو إلى التجرد في الأحكام والأفعال أثناء عبورنا لها. أرى أننا عابرين لتلك النقطة لا خالدين فيها، ذلك الخلود الذي عادةً ما يدعونا إلى تكبيل الواقع بالعديد من التدابير احترازًا من أطماعنا المُحتملة نظرًا لما خوفتنا منه أطماعنا التي ظهرت.

لماذا أضطر لكل تلك الشروحات والتفسيرات لبديهيات وقناعات؟! أأؤكد نفسي لنفسي حتى أتقبل وجودي ولا أشعر باغترابي؟! أم لأفهم الواقع الذي أعيشه وأحاول تقبله؟! لماذا لا استسلم لذلك الصوت اليائس داخلي والذي لا يكف عن السخرية مما أقول، ولا يكف عن مناصحتي بألا أقوم بلي ذراع الحقيقة لتنتج معنى أو نتيجة معينة أريدها وأسعى إليها؟! يقول: أتدعو الناس إلى التخلي الإرادي عن الرغبة فلا تكون حركة ولا يكون خطأ، فلا يكون علم؟! أقول لا قاطعة. وأستفيض شارحًا لذلك المُنادي كيف أن المعنى المرغوب يُضلنا عن المعنى الحقيقي. ومن ذا يُحرم طيبات ما أحل الله! ولكني أستهجن نزواتنا التي تُهمش عقولنا وتُعمي بصائرنا. تلك التوابع الخبيثة للرغبة تُسلمنا إلى الثورة على الغفلة عن تأمين سبل ذلك الوصول. فنلجأ أحيانًا إلى العلم استئمانًا من الغفلة عن عواقب الفعل إذا تهدد الرغبة… أستدعي هيجل مرة أخرى ” إننا نؤكد أنه لم يتم إنجاز شيء دون اهتمام خاص من جانب الفاعل، وإذا كان الاهتمام يسمى انفعالًا.. فإننا نستطيع أن نؤكد على نحو مطلق أنه لم يُنجز شيء عظيم في العالم دون عاطفة وانفعال…”[14] أسترسل مباغتًا الصوت اليائس قبل أن يستقطبني: ولأن المعنى الفلسفي محيطٌ ودائري، فإن الانفعال الذي تحدث عنه هيجل قد يكون مسئولًا عن تحقق اللاشيء الذي انتهى إليه نجيب محفوظ في أولاد حارتنا في إطار تقييمه لهجمة التحالف بين ثالوث العلموية والسلطوية والرأسمالية على عقيدة الناس وهويتهم إذا اعترضت مسيرة ذلك التحالف :“وبدا أنه لم يبق لهم أمل إلا الخضوع، وأن يعتبروا الوقف وشروطه وكلمات جبل ورفاعة وقاسم أحلامًا ضائعة قد تصلح ألحانًا للرباب لا للمعاملة في هذه الحياة.”

 

أملي أكبر من جهدي..

وجهدي أكبر من موهبتي..

وموهبتي سجينة طبعي..

ولكني أقاوم..[15]

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* Islam.m.elwany@gmail.com

[1] هيجل – العقل في التاريخ

[2] الفقرة إهداء الأستاذة عبير عواد، فقد أعانتني على الربط بين أجزاء المقال، كما شجعتني على نشره.

[3]أزمة لحاق” سمعت هذا المصطلح أول مرة من الدكتور مصطفى علوي

[4] أولاد حارتنا – 1959

[5] تُولد الفكرة في السوق بغيًا ثم تقضي العمر في لفق البكارة” – خليل حاوي

[6]. شيخ الصوفية الأكبر (1164 – 1240م)   محي الدين ابن عربي

[7] محي الدين ابن عربي

[8] سورة الإسراء -11

[9] 22 أبريل 571 – 8 يونيو 632

[10] جون شتاينبك (1902- 1968) روائي أمريكي

[11] عناقيد الغضب – رواية شتاينبك الصادرة عام 1939

[12] هيجل – العقل في التاريخ

[13] الجملة الأصلية كما وردت في رواية عناقيد الغضب “لقد نال المال من قدرتنا على الحب.”

[14] هيجل – العقل في التاريخ

[15]. كاتب ومفكر مصري (1898- 1987)  توفيق الحكيم

تعليقات الفيسبوك

‫شاهد أيضًا‬

هل أنت مستعدٌ لفقد عالمك؟[1]

  “ليس وعي الناس هو الذي يحدد وجودهم، ولكن وجودهم الاجتماعي هو الذي يحدد وعيهم.…