Eritrea_-_Government_building,_Asmara

عمر الفاروق نور الدائم :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

**

يجلس الرئيس الإرتري إسياس أبراهام أفورقي، على سدة الحكم في إريتريا منذ ما يزيد عن 23 سنة، ويصفه معارضوه بأنه يُحكِّم سيطرته منفرداً بالقيادة المطلقة.

انضم افورقي إلى ساحة (النضال) كما يسميه الإرتريون، في نهاية ستينات القرن العشرين قادماً من أديس أببا، قاطعاً دراسته للهندسة بجامعة أديس أببا وهو في سنته الدراسية الثانية، وقاد الرجل انشقاقاً في صفوف جبهة التحرير الإرترية، مكوناً في النهاية الجبهة الشعبية، التي حققت حلم التحرير لإرتريا في عام 1991م.

إريتريا، التي تجاور السودان وإثيوبيا وجيبوتي، خاضت نضالاً عسكرياً عنيفاً ضد إثيوبيا، منذ انطلاق شرارته على يد حامد إدريس عواتي، في مطلع سبتمبر 1961، وحتى تحقيق التحرير في1991، إذ كانت خاضعة للاحتلال الإيطالي، ومن ثم أعلنت إثيوبيا ضمها فيما بعد.

تتميز إريتريا بثنائية بيئية، تتمثل في ثنائية المرتفعات والمنخفضات، هذه الثنائية مثلت حركتي النضال الأساسيتين، ففيما تكونت تركيبة جبهة التحرير الإريترية في غالبها من أبناء المنخفضات المسلمين، تكونت الجبهة الشعبية في غالبها من أبناء المرتفعات المسيحيين، فبينما كان خط جبهة التحرير الإريترية، متماهياً مع المد العروبي بخاصة حركة التحرير الجزائرية ووجدت مستقراً له في مصر، فيما كانت صبغة الجبهة الشعبية غربية وأغلب قيادتها وفدت من أديس أبابا والدول الأوروبية.

ظهر الكيان السياسي الإرتري إلى السطح في أعقاب الاحتلال الإيطالي، وهنا كانت اللبنة الأولى لتشكل هذه الدولة، كوطن خاص بالإريتريين، فقد نجا الكيان الإريتري من التذويب في السودان أو إثيوبيا، لكن: هل ينجو من كابوس الديكتاتور؟، كما يتساءل الأستاذ فتحي عثمان، مؤلف كتاب: (إريتريا.. من حلم التحرر إلى كابوس الديكتاتور)؟ والذي نحن بصدد عرضه.

يقدم الكاتب تاريخًا عامًا لتكوُّن الكيان السياسي الإريتري، ويتتبع بدقة تكوُّن حركة التحرر الإريترية عامةً وحركتي جبهة التحرير الإريترية والجبهة الشعبية الرئيسيتين اللتين رسمتا مستقبل دولة إريتريا، ومحللاً للواقع السياسي الإريتري، بحياد كبير، مقدماً سفراً حوى تاريخ إرتريا الحديث والمعاصر،وفيه بحث بمنهجية أكاديمية وعلمية، أسباب حالة التجمد السياسي التي تعاني منها إريتريا افورقي لو جاز التعبير، والكاتب خصّ تنظيم الجبهة الشعبية الذي يتزعمه الرئيس افورقي، بتحليل رفيع وضع فيه العقدة على المنشار، سابراً غوره ماضياً وحاضراً، ومستبصراً رؤى المستقبل فيه.

تتبدى الأزمة الإريترية، في قلب تنظيم الجبهة الشعبية، فبحسب الكاتب فإن التنظيم لم يستطع التحول إلى تنظيم سياسي بعد مرور أكثر من ثلاثة وعشرين عاماً على الاستقلال، وليس له القدرة على التحول، بحسب تكوين التنظيم نفسه، الذي يعيش على مجده العسكري الذي حققه في الماضي، وكما يرى الكاتب، فإن أي خطوة تجاه تغيير داخل التنظيم، تعني انفراط عقد هذا التنظيم القابض، وهنا يستعرض الكاتب أول محاولة انشقاق حدثت بتنظيم الجبهة الشعبية من مجموعة (المنكع)، ووجهت برد صارم من القيادة، غداة تكون التنظيم نفسه، وهو ما منع مستقبلاً قيام أي انشقاقات لفداحة الثمن.

إن إريتريا التي تعيش عزلة دولية وإقليمية، ويلوِّح نظامها بورقة المؤامرة، التي تستهدف وجود إريتريا، فإن الكاتب، ذاته يحذر من خطر كبير يتهدد إريتريا بالفناء، وهنا المسؤولية يتحملها النظام ذاته، بسياساته التي تجذر للانقسام داخل الشعب الإرتري، فبالرغم من أن النظام علماني في ظاهره، ولا تبرز فيه إلى السطح، قضايا الدين كمثال، إلا أنه في العمق، يفتقد التكوين العلماني لنمط (التدين المدني)، والذي يمثل عمق العلمانية في الغرب كما يقول الكاتب.

يقع كتاب: (إريتريا.. من حلم التحرر إلى كابوس الديكتاتور)، من خمسة عشر فصلاً، أو خمس عشرة مقالة، وهو من إصدار الملتقى العربي الأوروبي للإبداع 2014م، وقبل أن يكون الكتاب تحليلاً سياسياً وثقافياً واجتماعياً وتاريخياً رفيعاً للوضع الإريتري، فهو تعريف عميق بالشعب الإرتري، بجغرافيته وبيئته، وتعريف بنضالاته غالية الثمن وبمناضليه الأفذاذ، وقبل أن يكون تساؤلاً حول مصير إريتريا المستقبلي، فهو صوت وطني عميق ينادي بتطلعات الشعب الإريتري المشروعة التي وأدها تنظيم الجبهة الشعبية بزعامة إسياس أبراهام افورقي.

تناولت دراسات كثيرة بالتحليل حرب التحرير الإريترية، لكنها لم تحفر تربة الوضع الإريتري في حقيقته، ونحت حول تقديم تجارب شخصية، وسير ذاتية لمؤلفيها، فيما يضع هذا العمل البحثي لكاتبه الأستاذ فتحي عثمان، يده على التجربة الإرترية عامة، دون أن يقرن ذلك بالبحث عن أية قضية شخصية كانت، وحتى تناوله لشخصية الرئيس إسياس، كان متماهياً مع ضرورة البحث، إذ كان لا بد من دراسة شخصيته، طالما أنه يحكم قبضته منفرداً على الحكم في إريتريا، متأسياً بقاعدة (ما أريكم إلا ما أرى).

تعليقات الفيسبوك

اترك تعليقاً

‫شاهد أيضًا‬

قراءة نقدية لرواية خرائط

بقلم: فائز حسن   عن الكاتب: نور الدين فارح كاتب وروائي صومالي يكتب بالإنجليزية ولد في…