175_01389846970

راشد يسلم :
للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

**

في 293 صفحة يأخذك إدواردو غاليانو في رحلة شيقة على امتداد 365 يوماً من أيام العام ، يستخدم فيها الرجل الذي ولد في مونتفيديو قبل 74 عاماً كل براعته الكتابية ومعلوماته الغزيرة ليحكي لنا عن التاريخ مختزلاً في كل حدث رسالة صغيرة .. قصة معبرة ونقداً عنيفاً لكل أنواع الأخطاء التي ارتكبت في الماضي والتي لا زال بعضها تلاحقنا آثاره إلى اليوم .

صاحب الثلاثية العظيمة ” ذاكرة النار ” اختار ” أبناء الأيام ” عنواناً لكتابه الجديد لأن شعب المايا في غواتيمالا هو الشعب الوحيد الذي يعتبر الزمن فضاء حيث الأيام هي التي تصنع أو تشكّل الأشخاص ، ومن هؤلاء تتولد القصص والحكايات ، لأن الإنسان هو ابن تاريخه أو حكاياته ، وفيه يقدم غاليانو تاريخاً يحاول أن ينتصر فيه للمظلومين والمستعبدين في الأرض ( سكان أمريكا الجنوبية من الهنود ، العبيد الأفارقة ضد المستعمر الغازي ، المفكرون والعلماء والنساء ضد محاكم التفتيش وسلطة الكنيسة ، والأرض والحياة الطبيعية ضد الآلة التجارية التي تسعى لخلق مجتمع مستهلك فقط ) .
الكتاب ليس منشوراً ثورياً أو محاولة لكتابة تاريخ جديد فقط رغم محاولته فعل هذا منطلقاً من إيمانه بأننا قد : ” تعلمنا الماضي بطريقة جعلتنا نستكين للحاضر بضمائر جافة ، لا لنصنع التاريخ الذي صنع سابقاً بل لكي نقبله ، توقّف التاريخ المسكين عن التنفس ، تمت خيانته في النصوص الأكاديمية ، كذب عليه في المدارس ، أغرق بالتواريخ ، سجنوه في المتاحف، ودفنوه تحت أكاليل الزهر، ووراء تماثيل برونزية، ورخام تذكاري ” لكنه أيضاً محاولة للاحتفاء بالجمال الذي في التاريخ ، وبمن صنعوه : ( تشيخوف ، ديستوفيسكي ، مارك توين ، تشي جيفارا ، هوشي منه ، زورو ، بوب مارلي ، فيلم ذهب مع الريح ، أجمل هدف في تاريخ كرة القدم ، ومحمد البوعزيزي حيث كتب عنه : ” النار الصغيرة التي لا تتجاوز طول قامة بائع جوّال، صارت خلال أيامٍ قليلة بحجم العالم العربي بأسره، المشتعل بأناس ملّوا من كونهم لا شيء ” .
* مقتطفات من الكتاب *
*
(7 آب )
في 1876 ولدت ماتا هاري.
أسِرَّةٌ وثيرة كانت ميادين معاركها في الحرب العالمية الأولى. وقادةٌ عسكريون وسياسيون كبار استسلموا لفتنة أسلحتها، واعترفوا لها بأسرارٍ كانت تبيعها لفرنسا، أو ألمانيا أو من يدفع أكثر.
في 1917، حُكم عليها بالإعدام.
أكثر جاسوسة مشتهاة في العالم أرسلت قُبلات وداع لفصيلة الإعدام رمياً بالرصاص.
ثمانية من الجنود الأحد عشر أخطئوا في إصابة الهدف.
*
( 26 تشرين الثاني )
عندما قرأ كارل ماركس «الحق في الكسل»، قال:
ــ إذا كانت هذه ماركسية، فأنا لستُ ماركسياً.
لأن مؤلفه بول لافارج يبدو فوضوياً أكثر منه شيوعياً، ويكشف عن ميل مريب إلى الجنون التروبيكالي.
كما أن ذلك الكوبي، ببشرته غير الصافية جداً، لم يَرُقْ له كصهرٍ أيضاً
ــ الحميمية المفرطة ليست واردة ــ هكذا حذره، كتابة، مذ بدأ بول يحقق تقدماً خطيراً في علاقته مع ابنته لورا، وأضاف ماركس بوقار:
ــ من واجبي أن أفرض عقلانيتي في مواجهة طبعك الكريولي.
لكن العقلانية أخفقت.
لورا ماركس وبول لافارج تشاطرا الحياة طوال أكثر من أربعين عاماً.
وفي هذه الليلة من عام 1911، حين لم تعد الحياة حياة، رحلا متعانقين، في سريرهما المعهود، الرحلة الأخيرة.
*
( 14 أيار )
في هذا اليوم من عام 1948، ولدت دولة إسرائيل.
بعد أيام قليلة من ذلك، طُرد أكثر من ثمانمائة ألف فلسطيني، ودُمر أكثر من خمسمائة قرية.
هذه القرى، حيث كانت تنمو أشجار الزيتون والتين واللوز وغيرها من الأشجار المثمرة، تقبع مدفونة تحت الطرق السريعة، والمراكز التجارية، وحدائق الملاهي. إنها موتى بلا أسماء. فلجنة الأسماء لدى السلطة الجديدة أعادت تعميد الخارطة.
لم يبق إلا قليل من فلسطين. ومن أجل التهام الخريطة المتمادي تستحضر صكوك ملكية، ممنوحة من التوراة بسخاء، وتُبرر بمعاناة الشعب اليهودي طوال ألفي عام من الملاحقة.
ملاحقة اليهود كانت، على الدوام، عادة أوروبية، ولكن الفلسطينيين هم من يدفعون ديون الآخرين.
*
( 1 تموز )
في العالم 2008 قررت الولايات المتحدة شطب إسم نيلسون مانديلا من قائمة الإرهابيين الخطرين ، طوال ستين عاماً ظل الأفريقي الأوسع شهرة في العالم جزءاً من تلك القائمة الغامضة
*
( 7 أيار )
في العام 1954وجه المتمردون الفيتناميون ضربة قاصمة للعسكريين الفرنسيين في حصنهم المنيع في ديان بيان فو ، واضطرت فرنسا المجيدة بعد قرن من غزوها الإستعماري إلى الخروج هاربة من فيتنام
بعد ذلك جاء دور الولايات المتحدة ، أمر لا يصدق : القوة العظمى الأولى في العالم وفي الفضاء الكوني كله تعرضت أيضاً لمهانة الهزيمة في ذلك البلد الصغير ، سيئ التسليح ، والذي يسكنه فقراء شديدو الفقر .
فلاح بطئ المشي ، قليل الكلام ، هو من قاد هاتين المأثرتين
إسمه هوشي مينه ، وكانوا يسمون العم هو
العم هو لا يشبه إلا قليلاً زعماء ثورات أخرى
في إحدى المناسبات رجع مناضل من إحدى القرى وأخبره بأنه لا توجد طريقة لتنظيم أولئك الناس
– إنهم بوذيون متخلفون ، يقضون النهار كله في التأمل
– أرجع وتأمل
أمره العم هو
*
قضى إدواردو الرحلة متماهياً مع ( أبناء الأيام ) .. آلامهم وأمالهم .. أحلامهم وخيباتهم وحقوقهم وواجباتهم ، قبل أن يمنحهم خلاصة ما يريد قوله في الجملة الأخيرة من الكتاب : ” أرسل نارك حتى النهاية ” .

تعليقات الفيسبوك

اترك تعليقاً

‫شاهد أيضًا‬

لماذا لا يُفضَح المزيفون ؟

الناظر لاشتراطات أنطون تشيخوف الثمانية التي يجب توافرها في المثقف، ويقارنها مع دور المثقف …